تحقيق: زكية كردي

الكرة الأرضية ترقص، ترتدي قبعتها الحمراء وتطلق ألعابها النارية، فتشتعل الأبراج والساحات الكبرى حول العالم، كل هذا يحدث مصادفة مع قدوم طفل ما، ومع عيد ميلاد شخص ما، ويمكن ألا يكون لمعتقدات التغيير التي تلتصق برأس السنة منذ الأزل أي أساس من الصحة، أو أي أرضية تستند إليها، لكن حالة الفرح التي يعيشها العالم تلك الليلة تمتلك من التميز ما يجعل مواليدها يشعرون بالنجومية حقاً، ويعتبرون أنفسهم محظوظين بأعياد ميلادهم التي صادفت سهرات رأس السنة، وجعلت منهم رمزاً للبدايات الجديدة.

كان جدها يخبرها حين كانت صغيرة أن العالم كله يحتفي بعيد ميلادها، وكانت تصدق هذه المجاملة الدافئة منه وتفرح بها كثيراً، هكذا اعتادت أن تشعر قمر شيخ عبدالله، المعلمة الخاصة، كلما عاد عيد ميلادها ليوافق ولادة سنة جديدة للعالم كله. تقول: «ولدت ليلة رأس السنة عند الساعة الواحدة، وهذا يشعرني بأني محظوظة لأني أتيت إلى العالم مع بداية العام الجديد، ولهذا أحتفل كل سنة ببداية السنة الجديدة بشكل مختلف، وتؤكد أن كل حفلات عيد ميلادها كانت مميزة منذ صغرها حين كانت تفرح بمداعبات جدها، حتى كبرت وصارت تحتفل بهذه المناسبة بمشاركة زوجها وابنتها.
وربما قبلها بنصف ساعة جاءت إلى هذا العالم كوثر كنحوش، معلمة، فهي ولدت بعد دخول السنة الجديدة بنصف ساعة بالضبط، كما أخبرتها والدتها. وعن شعورها تجاه هذه المناسبة المميزة، تقول: «في كل عيد ميلاد لي أشعر بأني أبدأ حياة جديدة بكل المقاييس، لأنني أحتفل بعيد ميلادي، وببداية السنة الجديدة في الوقت نفسه».
حسن جعفر، الطالب الجامعي، يشعر حقاً بأنه مميز، لمولده في ليلة رأس السنة وكأن العالم يحتفي به، فلطالما ردد المقربون منه هذه العبارات المميزة. يقول: «تحتفي بي العائلة بشكل مختلف لأني ولدت بالفعل ليلة رأس السنة، وهذا ما يجعلني أشعر بالتميز لأن تاريخ ميلادي لم يُزيّف، بل اختارتني السنة الجديدة لأولد معها، وأعتقد أن هذا يجعلني شخصاً يهوى البدايات أيضاً، وينطبق على صفاتي الشخصية، فأنا شخص مقبل على الحياة وعلى التجديد، وأشعر بالسعادة حين أبدأ أي مرحلة جديدة في الحياة، سواء كانت على صعيد العلاقات، أو الدراسة، أو السكن، وغيرها».
ويضيف أنه يعرف كثيرين ممن يشاركونه هذا الموعد في أعياد ميلادهم، لكن غالباً تكون تواريخ ميلادهم مزيفة لأسباب مختلفة، ولهذا يشعر بالتميز والسعادة أن تاريخ ميلاده حقيقي.
وتأكيداً على كلامه تخبرنا هناء صبري، ربة منزل، أنها مسجلة بتاريخ 1/1 بالفعل، لكنها تعرف أنها ولدت قبل هذا التاريخ بشهر على الأقل، لكن الناس في الماضي لم تكن تلقي بالاً لأعياد الميلاد وأهميتها، وكانت تفكر بالأشياء العملية الملموسة أكثر، لهذا سجلها والدها في بداية السنة حتى لا تضيع عليها السنة في المدرسة، وتضيف أنها كانت تتمنى لو أنهم احتفظوا بتاريخ ميلادها الحقيقي على الأقل حتى تحتفل به، فهي تحتفل برأس السنة لأنه رأس السنة، لكنها لم تتعامل معه يوماً على أنه يوم ميلادها لأنها تعرف الحقيقة.
هناك أيضاً روز جميل، ربة منزل، التي حدثت معها نفس الظروف لكن لأسباب مختلفة، فهي ولدت قبل ليلة رأس السنة بأيام قليلة، لكن والدها أحب أن يميز عيد ميلادها فسجلها في هذا التاريخ. تقول: «لست أدري لماذا لم ينتبه والدي إلى أن الناس كانوا يسجلون أبناءهم حينها بهذا التاريخ لأسباب كثيرة كأن يكونوا نسوا تاريخ الولادة الحقيقي للطفل، خصوصاً تلك العائلات التي تتأخر في تسجيل أبنائها في دفتر العائلة، فيجدون التاريخ الأقرب والأسهل هو رأس السنة، ولهذا لم يعد تاريخ ميلادي الذي اختاره والدي مميزاً».
وتضيف أنها لم تخدع نفسها يوماً، فعلى الرغم من أن والدها كان يقيم لها حفلات عيد ميلادها ليلة رأس السنة، فإنها حين كبرت وعرفت بالأمر أعادت عيدها إلى مكانه الحقيقي، خصوصاً أن والدتها كانت تحتفظ بهذا التاريخ كونها رافضة لفكرة والدها من مبدأ أن التلاعب بهذه التواريخ غير مقبول، فمن حق الطفل أن يحتفظ بذاكرته الحقيقية، وعيده الحقيقي.
وعلى الرغم من أن الجميع يعتقد أن مصادفة عيد ميلاد الشخص ليلة رأس السنة حدث مميز، فإنه في الواقع ليس كذلك من وجهة نظر ياسمين كدرو، مدرسة اللغة العربية، التي ظلت تشعر بالغبن لأن عيد ميلادها كان يصادف مدة الامتحانات، ولهذا كان يمر سريعاً وبسيطاً عكس أعياد ميلاد صديقاتها التي كانت تأتي مدة الصيف والإجازات على سبيل المثال. تقول: «صديقاتي كن يعايدنني على الهاتف غالباً، وإذا زارتني صديقتي المقربة فكانت تحمل لي الهدية وتجلس معي لنصف ساعة في أحسن الأحوال حتى تعود إلى دراستها، وتتركني أتابع الدراسة أنا أيضاً، ولأني كنت أدرس لم يكن أحد يرغب بمضايقتي حتى ولو لمعايدتي، ولهذا كنت أنتظر التخرج بشدة لأتخلص من هذا الوضع، لكن حتى بعد التخرج لم تتحسن الأوضاع كثيراً، فارتباطات سهرة رأس السنة تكون تبعاً للترتيب العائلي، ولهذا لن أستطيع الاحتفال بعيد ميلادي برفقة أصدقائي الذين أريدهم دوماً، لأنهم مرتبطون بعائلاتهم هم أيضاً، وكالعادة يأتون لزيارتي بعد يومين، أي بعد أن تخبو المناسبة بالنسبة لي، ومازلت أنتظر أن أحتفل بعيد ميلادي بصحبة جميع الأصدقاء، لكن يبدو هذا مستحيلاً».
ولعل للأهل دوراً في اختيار عيد ميلاد المولود مع انتشار العمليات القيصرية، فالكثير من الأمهات أصبحن قادرات على فعل هذا حين يصادف يوماً مميزاً تاريخياً وهي في الشهر التاسع، لكن هدى بلخناتي، ربة منزل، رفضت القيام بهذا وفضلت أن تنتظر الميلاد الحقيقي لابنتها الجديدة. تقول: «أرغب بشدة في أن يصادف عيد ميلاد ابنتي المقبلة ليلة رأس السنة، لكني رفضت أن أفتعل الأمر فيبدو مصطنعاً ولا قيمة له. أردت أن يكون إحساسها بعيد ميلادها العالمي حقيقياً، وكأنه هبة من الله، وأشعر بأن هذا ما سيحدث بالفعل».
من خلال مهنته كطبيب أمراض نسائية وتوليد، يذكر دكتور طلال محمد، الكثير من الحالات التي صادفها لأهالي أرادوا أن يحددوا موعد ولادة طفلهم المنتظر يوم رأس السنة، ويشير إلى أن انتشار عمليات الولادة القيصرية التي أصبحت أكثر سهولة وأماناً بفعل التطور الطبي، جعل هذا الخيار متاحاً أمام الأمهات في السنوات الأخيرة، ومع هذا فهو لا يرجح أن تكون العملية القيصرية خياراً، لكن رغبة المريض تحترم في كل الأحوال.
يقول: «يحب كثير من الآباء والأمهات أن يقرنوا ولادة ابنهم المنتظر بيوم رأس السنة، ويعود هذا إلى شعورهم الضمني بأن مناسبة عيد ميلاده لن تمر مرور الكرام، بل سيحتفل بها العالم أجمع، ومع هذا لست أسلم بأن تكون العملية القيصرية خياراً في حال كانت الولادة الطبيعية ممكنة من دون معيقات، لكن في النهاية رغبة المريض تحترم، لكن بشروط طبية وصحية ملائمة طبعاً، فلا يمكن أن أجاري أماً في شهرها الثامن من الحمل برغبتها في الولادة يوم رأس السنة على سبيل المثال»، ويضيف أنه حتى لا يضيع على نفسه سهرة رأس السنة فهو يجري هذه العمليات ظهراً، لكن مع هذا يبقى مستعداً في حال حدوث ولادة طبيعية لإحدى مريضاته ليلة رأس السنة.

مناسبات خاصة تحجز تميزها

لتميز مناسبة زواجها، اختارت نيرمين جنيدي هذا التاريخ المشتعل والمفعم بالمرح والسعادة على حد قولها. تقول: «كان كل شيء مميزاً في هذا اليوم، فالعالم كله كان يحتفل بي حقاً، على الأقل أنا كنت أشعر بهذا، خصوصاً حين خرجت سيارة زفة العروس تقلني عابرة الشوارع المحتفلة بالمناسبة، كنت أجوب حفلاتهم، وألتمس سعادتهم فأشعر بالمزيد من الطاقة الإيجابية تنتابني».

الجزء الأجمل بالنسبة لها هو أن الأصدقاء والمقربين جميعاً كانوا يشاركونها ليلة رأس السنة هذه المرة، كما أن زوجها لن ينسى يوماً عيد زواجهما كما يحدث مع كثير من الأزواج، فهو تاريخ لا يمكن أن يُنسى.

ولنفس السبب فاجأت فاطمة مطر، ممرضة، الجميع بعقد قرانها ليلة رأس السنة، فهو تاريخ لا يمكن أن يُنسى، ولهذا ستظل واثقة ومطمئنة أن زوجها لا يمكن أن ينساه يوماً، فالعالم أجمع سوف يذكره به.

تقول: «كان شعوراً مميزاً أن أكون عروس ليلة رأس السنة، فكان احتفاء المقربين والأصدقاء بي مختلفاً، خصوصاً على صفحات التواصل الاجتماعي، كما أن الجميع يحفظ هذا التاريخ من دون بذل مجهود، لهذا أعرف أنهم سيباركون لي جميعاً بعيد زواجي الأول دون الحاجة إلى ذكر أي شيء عن الأمر، فالمناسبة أقوى من أن تُنسى».

وتضيف مطر أنها شخصياً مهتمة بالتواريخ في حياتها، لهذا تدرس هذا الجانب في كل ما يخصها، وتحاول قدر الإمكان أن تصنع تواريخ مميزة في حياتها تتحدى بها قدرات الذاكرة، وتعطيها مزيداً من البريق.
يتفاءل الناس بمجيء أبنائهم ليلة رأس السنة تيمناً بالإيحاء الذي تحمله هذه الليلة من فكرة التغيير والبدايات الجديدة، وهذا نوع من أنواع العادة على الصعيد الفكري الاجتماعي، بحسب د. نادر ياغي، المستشار النفسي والخبير في علم البرمجة اللغوية العصبية. ويشير إلى أن معظم الناس يتفاءلون بالسنة الجديدة، وبأنها تحمل معها كل التغييرات التي ينتظرونها، مع أن هذا التفاؤل بفكرة التغيير الملتصقة بها لا يستند الى شيء فكري أو مادي في الحياة.
يقول ياغي: "ليس هناك في الكتب السماوية، أو في المعتقدات الاجتماعية ما يثبت خاصية التغيير في هذا التاريخ، وأقصد أن هناك كثيراً من المعتقدات التي تستند إلى أصول في التاريخ، أو إلى قصة تبدو منطقية إلى حد ما، لكن هذا المعتقد الذي يعتبر من أكثر المعتقدات انتشاراً لا يستند إلى أي أصول حسب الدراسات، لكنه يرتبط بالعادة، إذ اعتاد الناس أن يتفاءلوا بالسنة الجديدة التي ينقلون أحلامهم إليها، ولهذا ترتبط مشاعر الفرح بهذه الليلة، وهذا ينعكس على المواليد الذين يخلقون فيها، فتكرست فكرة تميز مواليد هذا التاريخ من مبدأ حالة الفرح التي يعيشها العالم في نفس تاريخ عيد ميلادهم.
أما عن الأسباب الأخرى التي تدفع بعض الأهالي إلى تسجيل أبنائهم في هذا التاريخ رغم أنه ليس حقيقياً فيوضح أن هناك أسباباً مختلفة تتعلق بهذه الحالة، بعضها يرجع إلى تفاؤل الأهل بهذا التاريخ ورغبتهم بأن يكون عيد ميلاده مميزاً، والبعض الآخر يقوم بهذا بدافع الجهل رابطاً الأمر بموضوع حساب العمر، كي لا يُحسب الولد أصغر أو أكبر بسنة من أجل عدة أيام، أو أشهر في بعض الحالات.