الظروف السيئة تنضج بسرعة في موريتانيا، ولهذا تشكل الظروف السيئة كميناً طبيعياً تستغله المعارضة الموريتانية للتصويب على الأنظمة سواء أحادية أو منتخبة.

ويبدو أن أربعة أشهر كانت كافية لقطع صمت المعارضة واندلاع جولة جديدة ومثيرة من الصراع السياسي بين المعارضة والنظام. لكن الذي لم يتوقعه أي أحد هو أن تنطلق جولة الصراع الجديدة من شباك البنوك، من عالم المليارات، ومن أسرّة الطبقة المالية التي كانت محصنة ضد جميع عوامل التعرية السياسية.

في أسبوع واحد، أصيب الرأي العام الموريتاني بالصدمة جرّاء الوضع الأمني الذي كان الرهان الأكبر للجنرال عزيز، فقد رُوّع الرأي العام بأنباء المجازر المتنقلة التي ارتكبها قاتل مسلح ضد أقاربه في ولاية الترارزة (جنوب) ثم العملية النوعية لتنظيم القاعدة الذي استغل مرتزقة أفارقة لاختطاف ثلاث رعايا إسبان من غربي البلاد وقطع بهم طول البلاد مسافة 2000 كلم إلى معسكرات القاعدة في مثلث الحدود مع الجزائر ومالي، ثم إقدام النظام، وفي سابقة من نوعها، على اعتقال ثلاثة من كبار رجال الأعمال الموريتانيين من أقارب ولد الطايع بتهمة استيلائهم على مليارات الأوقية من البنك المركزي الموريتاني في عهد ولد الطايع.

في مثل هذه الظروف، أشاحت المعارضة غير المتعافية من الهزيمة الانتخابية النكراء، عن وجهها وعلى الفور بدأت إنتاج مسلسل متلاحق الحلقات من البيانات والمؤتمرات الصحفية، وحركت ترسانة كتابها الأشاوس وقررت حرق الجنرال العنقاء سياسياً وحتى قبلياً.

ولتعزيز هذه الخطة أعلنت المعارضة مساء الخميس الماضي تشكيل أول إطار سياسي لها في العهد الجديد، فوقّع قادة المعارضة على إنشاء منسقية قوى المعارضة الديمقراطية التي تشكلت من 9 أحزاب سياسية في طليعتها حزب التكتل (حزب زعيم المعارضة أحمد ولد داداه)، والتحالف الشعبي التقدمي (حزب رئيس البرلمان مسعود ولد بلخير)، وباقي أحزاب الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية.

وأصدرت المعارضة عريضة أعلنت من خلالها أن ستكون الوثيقة السياسية التي تجعلها إطارا توجيهيا ومرجعا سياسيا للعمل المستقبلي كقطب سياسي معارض للنظام المنبثق عن انتخابات 18 يوليو/تموز 2009 المطعون فيها حسب الوثيقة.

وانتقدت العريضة حالة البلد، معتبرة أن الظرفية السياسية تجعل إمكانية التناوب الديمقراطي على السلطة مجرد ضرب من الخيال.

ولا تعني هذه الفقرة سوى شيء واحد وهو إعلان مسبق من المعارضة عن استعدادها لدعم أي انقلاب عسكري يطيح الرئيس ولد عبد العزيز.

وجاء في العريضة أن موريتانيا اليوم تشهد انحرافا استبداديا للنظام، وانعداما لدولة القانون، وترهيبا لنخبة البلاد السياسية والإدارية والاقتصادية، بالإضافة إلىتصفية الحسابات التي كانت - منذ الوهلة الأولى- سمة تصريحات النظام القائم.

وختمت المعارضة عريضتها بالفقرات المبدئية الاعتيادية كالدعوة إلى إقامة حوار سياسي، وتحديد مكانة الجيش ودوره في بناء موريتانيا ديمقراطية.

وفي حفل توقيع العريضة، تناوب قادة المعارضة الهجوم على الجنرال عزيز متهمين إياه بأنه يمارس تصفية حسابات قبلية بسجنه الانتقائي لرجال الأعمال الثلاثة المعتقلين، وأن الجنرال لم يفتح ملف الفساد في الفترة الانتقالية الماضية التي أدارها، وأن محاربة الفساد المتبعة حاليا ما هي إلا تصفية حسابات مع الخصوم السياسيين، واعتبرت أنه كشف عن وجهه الحقيقي وهو الانتقام ومعاقبة السكان على مواقفهم الانتخابية.

وقال أحمد ولد داداه إن المعارضة ستواصل عملها القوي والجاد ضد الفساد والانتقائية التي يمارسها النظام، منتقدا ما اعتبره الحملة الظلامية التي يشنها النظام الرسمي ضد المعارضة.

أما مسعود ولد بلخير رئيس البرلمان فقد أكد أنه التقى ولد عبد العزيز وحذره من الحرب على القبائل والعرقيات، وأكد أن رجال الأعمال سجنوا ظلما وعدوانا وأن ملفهم يهدد النسيج الاقتصادي للبلد كون مؤسساتهم تكاد تكون ركيزته الأساسية والسعي إلى مصادرة ممتلكاتهم أو تفليسهم هو إضرار بالمعيشة اليومية للمواطن الموريتاني.

واعتبر ولد بلخير أن البلد مهدد اليوم بشكل حقيقي في صميمه ووحدته وحتى ثقته في نفسه ومهدد بالتشريد وبالتشتيت بين قبائله وجهاته، ومهدد بالغياب السافر للديمقراطية وبالديماغوجية السائدة مع الأسف. وسخر ولد بلخير من وصف النظام للمعارضة بالمدافعة عن الفساد، مؤكدا أن استغلال هذا الشعار والتلويح به لن ينخدع به أحد وما يخدعون إلا أنفسهم.

وشدد ولد بلخير أن المعارضة ماضية كجبهة واحدة في ردع الدكتاتورية والانحراف.

وعاد ولد بلخير للسخرية من جهود الجنرال عزيز في مجال الأمن الذي تم اتخاذه كشعار وهزت له العضلات وألبست له البزات وقيل بأنه كان منفلتا إلى أن أتوا هم الأبطال، أصبحت الأوضاع على ما يرام والأمن تحت السيطرة. مضيفا غير أن حال الأمن يكفي عن سؤاله ولا أدل على ذلك من اختطاف أجانب بالقرب من العاصمة بجانب المحيط وبسرعة خارقة في يومين تأتي الأنباء بوجودهم في حدود مالي الشرقية، ما يعني مرورهم بأغلب الأراضي الموريتانية دون مشاهدتهم، وابتهل ولد بلخير إلى الله أن لا يكل إلى غيره حفظ أمن البلد.

وكشف ولد بلخير أنه وجه نصيحة صادقة للرئيس محمد ولد عبد العزيز: قلت له إن تسيير الدولة ليس فقط بالعنف ووضع السيف على رقاب المعارضين، وبينت له أنه قد بلغ الحد الأقصى المسموح به على رأس هرم الدولة ومن مصلحته للبقاء في السلطة فترة من الزمن إن كان لا يسعى لتنصيب نفسه إمبراطورا أو ملكا أن يراعي مصالح الموريتانيين كافة.

أما محمد المختار ولد أحمين أعمر، رئيس عمد شمال موريتانيا، فقد اعتبر أن وجه النظام الحالي هو إهانة السكان وتصفية الحسابات ومعاقبة الناس على خياراتهم السياسية.

وأكد أن الذنب الوحيد لرجال الأعمال الموقوفين هو أنهم أقارب للرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع الذي أطاح به الرئيس ولد عبد العزيز في انقلاب عسكري سنة 2005 واستغرب ما اعتبره الانتقائية في معالجة أزمات موريتانيا.

واعتبر قادة الأحزاب المعارضة أن ما يقوم به الجنرال من تصفية حسابات انتقائية، دليل على ما يقول المعارضون إنه الفساد الأكبر.

لكن الجنرال عزيز، أثبت أنه يحمل بعضا من صفات العنقاء، ولا يقبل الحرق بسهولة، كما أثبت أنه رجل شارع بامتياز، وأنه استولى على كل شعارات المعارضة.

فقد تحرك بسرعة واختار النزول للشارع، وبالذات من جانب أسرة المرضى الفقراء في مستشفى الشيخ زايد، شرقي العاصمة نواكشوط، حيث تساءل بلغة مثيرة عند العامة: لماذا تدافع اليوم شخصيات المعارضة عن المفسدين بعد أن ظلت لسنوات تطالب بمحاربة الفساد.

وبالعفوية التي يحبها الشارع، قال ولد عبد العزيز إن الجيش فاسد تماما لفشله في اعتراض الخاطفين، وإن قوات الأمن لا تملك الإمكانات، وأن ذلك نتاج تركة ثقيلة من الفساد، وهاجم رجال الأعمال المفسدين والمعارضة المدافعة عن الفساد.

وأكد ولد عبد العزيز أن رجال الأعمال المعتقلين اختلسوا 14 مليار أوقية من البنك المركزي بدون أي وجه حق وأن أموال الشعب الموريتاني لا بد أن تعود.

وفي اليوم التالي عاد الجنرال للشارع عندما استقبل مسيرة حاشدة نظمها الحزب الحاكم للدفاع عن سياسة محاربة الفساد، وقال الجنرال إن برنامجه الانتخابي قائم على محاربة الفساد وإنه لن يتراجع، بل سيزداد صرامة في هذه السياسة حتى يتوب المفسدون.. مرة أخرى حشر الجنرال معارضيه ضمن زاوية المدافعين عن الفساد والعقبة في وجه الإصلاح.

حرب الاتهامات المتبادلة بين المعارضة والنظام بلغت أوجها وستدور على القمة طويلا، ويستخلص من هذا الأسبوع الذي دفع الرمال السياسية للغليان:

1- أن الجنرال نقل المعركة مع المعارضة فتجاوز شرعية الانتخابات إلى الدخول في صراع على طبيعة الحرب على الفساد والملفات الأخرى، وهي ملفات قابلة للمزايدة وحتى للعيش بالصراع (الحميد) فترة طويلة، عكس مسألة الشرعية الانتخابية.

2- أن المعارضة تمكنت بالفعل من إيجاد السكة التي ستتحرك عليها بعد أن تاهت لأربعة أشهر في فراغ سياسي، كاد يجعلها خارج حسابات النظام والرأي العام معا.

ولكن إلى أين ستؤدي الحرب التي اندلعت من شبابيك البنوك في موريتانيا؟

الجواب في رحم الأيام القادمة، وقبل ذلك هذا ما لاحظته الخليج هذا الأسبوع:

فقد استقبل الرئيس ولد عبد العزيز عدة شخصيات معارضة ومؤثرة بينها بيجل ولد حميد، والنائبة البرلمانية العزة بنت همام، ويعني هذا أن الرئيس استأنف تجفيف منابع المعارضة.

كما استقبل ولد عبد العزيز رئيس حزب التيار الإسلامي المعارض، ووصف جميل منصور رئيس الحزب اللقاء الذي استمر ساعتين ل الخليج بأنه كان لقاء إيجابيا. والشعور السائد هنا في نواكشوط أن عزيز ضمن مبدئيا دعم الحزب الإسلامي القوي على الأقل أو تحييده في لعبة النزول للشارع التي ستكون عنوان المرحلة القادمة.

ومن شباك السجن أيضاً

حرب الجنرال عزيز على الفساد، وحرب المعارضة على فساد الحرب على الفساد، ووجود شباك البنوك لأول مرة في اللعبة السياسية الداخلية، وسيل الوعود ضد هذا الطرف أو ذاك، زاد من تركيز الموريتانيين؛ نخبة ومواطنين، هذا الأسبوع، على شباك آخر، شباك يثير الضحك، والسخرية، والجدل، والحنق، والخوف والفرح، ولن يكون حتما أقل إثارة من أي منشأة سياسية في دولة الرمال المتحركة.

فتطبيقا لوعده الانتخابي، ببناء سجن للمفسدين حتى يتعفنوا فيه، ابتدع الجنرال نغمة جديدة لم تكن مألوفة في سيمفونية القضبان الموريتانية.. اسمها سجن المفسدين.

سجن المفسدين ترسخ في الوعي الجماعي قبل أشهر خلال أكبر مهرجان انتخابي في تاريخ البلاد في ساحة الأمل بمقاطعة عرفات بنواكشوط، حيث كشف الجنرال أمام مئات الآلاف من مناصريه عن أكبر صفقات الفساد في تاريخ الدولة، تضمنت تحويل مليارات الأوقية من البنك المركزي لصالح حساب شخصيات من أقارب الرئيس الأسبق ولد الطايع، وتعهد الجنرال يومها باسترجاع تلك الأموال المسروقة.

لم يأخذ أي أحد كلام الجنرال المرشح وقتها على محمل الجد، وصنفه المراقبون على أنه مجرد طعم انتخابي لآلاف المواطنين الذين لا يشعرون بشيء أكثر من حنقهم على ظاهرة الفساد المستشرية في البلد. الظاهرة التي رسخت قاعدة شعب فقير في دولة غنية وأدت في بعض الفترات لإشاعة تعبير دولة نداءات الاستغاثة العاجلة.

لكن ما إن جلس الجنرال على كرسي الرئاسة منتخبا (5/8/2009) حتى لاح في الأفق وبالفعل أسلوب جديد في التسيير، ولاحت القضبان ليس في مخيلة الشعراء، وإنما من شبابيك البنوك ودهاليز المال العام.

فقد تم مؤخرا تجريد وإقالة وإعفاء عشرات المسؤولين من مناصبهم، وتم استرجاع 360 مليون أوقية من مسؤولين آخرين اختلسوها، كما وجهت مفتشية الدولة إنذارات محددة الأجل لمئات المسؤولين بإعادة أكثر من مليار أوقية.

وحسب معلومات الخليج فإن أكثر من 80 مسؤولاً سامياً تلقوا إنذارات، وهناك أيضا قائمة من 300 مسؤول ستضاف لهذه اللائحة، التي أمام أصحابها إجراءات محددة جداً تقول بالتسديد والإقالة معا أو السجن، حتى أن جمعا من المديرين في الدولة شكل رابطة غير معلنة للتشاور في التعامل مع هذا الملف والتضامن في ما بينهم وفق شعار نسدد معا أو نسجن معا كما قاله أحدهم ل الخليج هذا الأسبوع.

وفيما يستعد العشرات لمواجهة مصير السجن بسبب ضياع الأموال التي اختلسوها، كانت الترتيبات تقضي بأنهم سيسجنون في السجن المركزي بنواكشوط. الأمر الذي سيضع السلطات في حرج دائم بسبب مظاهرات الأقارب وحملاتهم الإعلامية. لكن المفاجأة جاءت في ال 28 من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، يوم عيد الاستقلال، حيث دشنت السلطات السجن الجديد في ولاية البراكنة وسط البلاد. وسمي السجن بسجن ألاق، لكن الاسم الشعبي له هو سجن المفسدين، والغرض منه سجن أكلة المال العام في منطقة بعيدة نسبيا عن العاصمة، 250 كلم شرق.

وقد رصدت الحكومة مبلغ 800 مليون أوقية كتكلفة لبناء السجن الجديد الذي باتت هويته تثير الرعب في كل المسؤولين الحاليين والسابقين وذويهم.

واشتهرت منطقة ألاق بصعوبة الإقامة فيها بالنسبة لغير أبناء المنطقة، فهي تمتاز بمناخ بالغ الحرارة صيفا، وبالغ البرودة شتاء، كما أن لسعات البعوض فيها يضرب بها المثل في موريتانيا.

وكان الاستعمار الفرنسي قد نقل المجاهد الموريتاني الكبير ولد أمسيكه ال سجن ألاق بداية القرن الماضي، وعندما قيل له إن البعوض يحول موسم الخريف إلى جحيم حقيقية، قال كلمته الشهيرة قولوا ذلك لمن سيخرف هنا وبعد أيام دبر محاولة رائعة للهرب من السجن، اعترفت على إثرها قوات المستعمر بدهاء المجاهد وذكائه.

وتمهيدا لتحويل هذا السجن إلى جحيم وتحصينه من الهرب، قررت السلطات نقل قواعد عسكرية بينها قوات الصاعقة والدبابات إلى محيط السجن الجديد.

وأثار الإعلان عن بناء سجن المفسدين العديد من المخاوف ليس في الطبقة المتورطة في الفساد فحسب، وإنما أيضا على مستوى النخبة السياسية، فالموالون والرأي العام يتخوفون من سجن مئات المسؤولين المرموقين اجتماعيا دفعة واحدة، ما قد يؤدي لردة فعل عكسية قد تطيح النظام نفسه والذي أصبح أول نظام يجرؤ على تحدي مافيا الفساد وتدشين الحرب على أكلة المال العام.

حتى أن حزبا معارضا، كالتيار الإسلامي، أسدى نصيحة لولد عبد العزيز بأن الواقعية تقتضي الاعتراف بأن الفساد ظاهرة منتشرة للأسف ما يعني إمكانية مواجهة معارضة قوية.

وفي تعليقه على بناء السجن الجديد، قال المصطفى ولد بدر الدين، زعيم اليسار الموريتاني، ورئيس كتلة التقدم البرلمانية، إن صفقة بناء السجن الجديد نفسها فاسدة لأنها صفقة تمت بالتراضي.

وقال إن ما يقوم به نظام ولد عبد العزيز ليس سوى محاربة الفساد بالفساد، وتصفية الخصوم السياسيين والانتخابيين.