بحلول يوم الخميس 5 نوفمبر/تشرين الثاني ،2009 يكون النظام الموريتاني الجديد قد وضع أقدامه على عتبة ال 100 يوم الأولى من ولايته التي تستمر لخمس سنوات. وهذه الأيام المائة كانت كفيلة بأن تظهر ملامح حكم ولد عبد العزيز ونهجه السياسي ونمط تعاطيه مع الشؤون الداخلية والخارجية للبلاد.
جاء انتخاب ولد عبد العزيز في ال 18 من يولو/تموز الماضي، وبنسبة 47.52% من أصوات الناخبين في الشوط الأول ليضع حداً للأزمة الدستورية الطاحنة التي اتخذت من العواصم العالمية مقراً للملف الموريتاني بعد سنة من المواجهات الدامية بين الجنرال المنقلب والمعارضة الرافضة للانقلاب. ثم انتهى المطاف إلى ولد عبد العزيز المنتخب الذي يتسلم بلداً منهاراً على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية.
ومن الطريف أن أولى الملاحظات التي تخرج بها موريتانيا من مائة يوم على حكم ولد عبد العزيز هي الضعف والتشرذم غير المسبوقين للمعارضة الموريتانية التي كانت أنشطتها لافتة خلال الفترة الماضية.
فطوال السنوات الخمسين الماضية من عمر الدولة الحديثة لم تكن المعارضة الموريتانية أضعف مما عليه اليوم. إذ يبدو أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة وضعت حداً لهيمنة المعارضة على الرأي العام والشارع بعد أن أدارت المعارضة هذه الهيمنة من السجون والشوارع ووسائل الإعلام ومن داخل المجالس الانتخابية وحتى من داخل الأنظمة نفسها.
إن الأمر ببساطة كما يراه أحد القياديين السياسيين يعود إلى انتخاب جنرال من الفولاذ على رأس السلطة، وهذا الجنرال يتمتع بنقاط القوة التالية:
* الولاء المطلق من طرف المؤسستين العسكرية والأمنية بعد خبرة ثلاثين سنة أمضاها في المؤسستين، ما يعني أن الرجل خبير بصمام الأمان الأول للحكم في موريتانيا، فضلا عن سياسته الجديدة المتعلقة بتحديث الجيش وإلهائه في الحرب على الإرهاب وضبط الأمور الأمنية العامة. يضاف إلى ذلك تمتع ولد عبد العزيز بقوات خاصة تمثل نخبة الجيش هي الحرس الرئاسي الذي أثبت ولاءه للرجل أكثر في ساعة الانقلابات والأزمات، من ولائه للجمهورية نفسها، ولا يعوز التبرير المنطقي لذلك كون ولد عبد العزيز هو المؤسس الفعلي للحرس الرئاسي، والأب الروحي لهذه القوات التي تستحيل دون مساندتها السيطرة على منطقة العاصمة نواكشوط، المقر المركزي لمؤسسات السلطة.
* الدعم الداخلي القوي من الأغلبية المسحوقة التي وجدت في خطاب ولد عبد العزيز اهتماما بها لأول مرة وعلى مستويات حساسة متعلقة بالمعاش والسكن والتعليم والكهرباء والمياه والتوظيف وإطلاق سلسلة من المشاريع الإنمائية والإعلان عن التخطيط لأخرى.
وآزر توجه الجنرال في هذا الاتجاه يأس أغلبية المواطنين من إمكانية وصول المعارضة للسلطة، وإحداث التغيير في ظلم حكم مدني مطلق على غرار تجربة الرئيس ولد الشيخ عبدالله التي كانت مخيبة للآمال وعلى كل المستويات، إذ انتقلت الأوضاع المعيشية للسكان في ظل ذلك الحكم إلى واحدة من أسوأ فتراتها في تاريخ البلاد.
* الدعم الخارجي القوي من قبل الدول العربية والغربية التي بالكاد استطاعت تجنيب موريتانيا الدخول إلى عالم الصوملة في منطقة المغرب العربي والساحل الإفريقي الحساسة جراء ملفات الإرهاب والهجرة السرية والمخدرات، وهو المثلث الذي بات يهدد المنطقة وأوروبا عبر الأراضي الموريتانية.
وبعد إعلان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بدء ضخ التمويلات في شرايين الاقتصاد الموريتاني، وإعلان باقي الشركاء الاستراتيجيين لموريتانيا نيتهم دعم الاقتصاد الموريتاني بالتمويلات والهبات والمساعدات الفنية والاستثمارات في الثروات الطبيعية الموريتانية: النفط، المعادن، الصيد قطاعات البنية التحتية، أعلنت أوروبا بشكل واضح وقوفها القوي وراء نظام ولد عبد العزيز، وتجلى ذلك في زيارته قبل أيام لفرنسا وإسبانيا، وإعلان باريس ومدريد في بيانات متزامنة عن الفرح بالقيادة الموريتانية الجديدة ووصف زيارة عزيز بغير العادية مع إعلان الدول الأوروبية الوقوف مع موريتانيا صفاً وحداً في الحرب على الإرهاب.
من الواضح أن الاتحاد الأوروبي مرتاح لوجود قيادة موريتانية قوية في البلد الذي بات يهدد أمنها باتخاذه من طرف الشبكات الدولية معبرا للمخدرات والهجرة السرية وموقعاً لوجستياً للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والتي تهدد بإشعال كل الحشيش في أدغال إفريقيا الغربية بعد أن كانت قد اتخذت لها موطئ قدم في القرن الإفريقي.
هذه الحقيقة التي كشفت عنها المعارضة الموريتانية أكثر من مرة متهمة المجتمع الدولي بتعزيز ثقافة الانقلابات بالانتخابات، كانت فرصة للجنرال الذكي لم يفوتها بعقد شراكات عسكرية وأمنية سريعة مع دول الجوار والغرب، هي في حد ذاتها وسيلة للدعم المالي والسياسي وآلة قاتلة لطموح المعارضة المراهنة دوما على تدهور الأوضاع ونقص التمويلات الخارجية.
ويمكن القول إن ولد عبد العزيز تمكن في الأيام المائة الأولى من حكمه من تحويل المعارض الموريتانية إلى عملة فاقدة القيمة داخلياً وخارجياً، عملة لا تغادر جيوب أصحابها وغير قابلة للصرف في الشارع الذي تعود على تعدد العملات السياسية في بلد يشهد تحولات مفصلية في حياته.
مع أن قادة في المعارضة الموريتانية لا يرون لهذا الواقع سبيلا للبقاء ويجزمون أن عامل الوقت ونقص التجربة في الحكم والخبرة بطبيعة المجتمع كفيلان بتلطيخ صورة الجنرال ببيض الواقع المر.
كما تميزت الأيام المائة الأولى من حكم ولد عبد العزيز بإقدامه على تنفيذ أخطر التزام انتخابي متمثل في الحرب على الفساد، فقد بدأت بعثات التفتيش تجوب إدارات ومؤسسات الدولة مخلفة عبارة ملايين مفقودة تجب إعادتها في كل مكان حطت به، ما أدى لإقالة العديد من المسؤولين الكبار وسط دهشة الشارع ورعب قادة الأغلبية الذين تعودوا منح الولاء مقابل إطلاق أيديهم في المال العام.
بالفعل أقدم الجنرال الجريء على فتح عش الدبابير كما يقولون، ولم يبد عليه أنه كمن استحم بالزيت ونام في قرية النمل كما قال أحدهم، بل إن الرعب تحول إلى قلوب المافيا الإدارية التي لم تكن تتصور في أي يوم من الأيام أن يتجاوز شعار الحرب على الفساد الوقت القانوني للحملات الانتخابية.
ومما لا شك فيه أن مؤشر الفساد وصل في موريتانيا خلال الشهور الثلاثة الماضية إلى أدنى مستوياته رغم أنه لا يزال شامخ الرأس نتيجة للطبيعة الموروثة عن الإدارة القديمة.
وإذا تمكن الجنرال من مواصلة هذه الحرب على هذا النمط فإن العديد من المراقبين يرون أن أمامه خيارين لا ثالث لهما وهما تحوله إلى بطل وطني سيتمكن من إحداث نقلة نوعية في تسيير البلاد، أو سقوطه من الحكم جراء تحالف مافيا الفساد الخبيرة إلى حد بعيد باكتساح هرم المؤسسة الاجتماعية التي كان لها الدور الكبير في بقاء هذا النظام أو رحيل ذاك.
والملاحظة الأخرى في هذه المائوية العزيزية هي أن ولد عبد العزيز لم يتمكن حتى الآن من خلق نخبة سياسية ذات كفاءة قادرة على الدفاع عن نظامه وسياساته، بل لا تزال الإدارة السياسية للنظام في مهب الريح، وفريسة متنازع عليها من قبل عارفين بكل شيء إلا اللعبة السياسية.
وهكذا لا يزال ولد عبد العزيز مكشوف الظهر سياسياً في حين تجري المعارضة الموريتانية مراجعات متأنية للكشف عن أي ثغرة يمكن من خلالها النفاد إلى مقتل الجنرال.
وفي الإطار السياسي الداخلي دائما، يتضح يوماً بعد آخر أن ولد عبد العزيز لا يزال ممتنعا عن الدخول في حوار مع المعارضة الرافضة لنتائج الانتخابات (التكتل والجبهة)، ويترتب على ذلك حرمان المعارضة من النفاد إلى وسائل الإعلام العمومية والاطلاع على ملفات الدولة الحساسة.
وتؤكد المؤشرات الأولية أن الجنرال لا يريد تضييع الوقت في نقاشات عقيمة لقتل الوقت في ظل كل الدعم الداخلي والخارجي الذي لقيه نظامه حتى الآن.
ويقول أحد مقربي الرئيس إن هذا الأخير لن يرتكب الخطأ بمد طوق النجاة لحفاري قبور الأنظمة (المعارضة) بعد أن ارتكب الرئيس المنتخب السابق ولد الشيخ عبدالله الخطأ نفسه وكان بالنسبة لنظامه قاتلا.
أما في الشأن القومي فقد أصبح من شبه المؤكد أن ولد عبد العزيز مصمم على رفض كل الإغراءات الأمريكية والغربية المتعلقة بإعادة العلاقات مع الكيان الصهيوني بعد أن كان أول رئيس للبلاد يجرؤ على طرد سفارة الكيان الصهيوني من موريتانيا.
ويقول مصدر في الرئاسة الموريتانية إن عودة تلك العلاقة مستحيلة.. مستحيلة وإن ولد عبد العزيز يرى أنه أعطى في قمة غزة بالدوحة عهداً لكل عربي ومسلم بإنهاء تلك العلاقة التي تغضب الشعب الموريتاني قبل غيره.
في السياق الإقليمي لوحظ حتى الآن أن ولد عبد العزيز لم يتمكن بعد من طمأنة الجزائر إلى عدم انحيازه للمغرب بالرغم من المساعي التي يقوم بها في هذا الاتجاه منذ انتخابه في يوليو/تموز الماضي، وهو ما قد يخلق متاعب لموريتانيا الساعية لاستثمارات ضخمة في شمال البلاد متعلقة باستخراج النفط من حوض تاودني وكذلك توسيع عمليات شركة الحديد والمناجم (أسنيم) كبرى شركات البلاد.
وقد ارتفع الجدل السياسي مؤخراً في الشارع الموريتاني حول نمط حكم ولد عبدالعزيز، أهو قابل للاستمرار، أم أنه سيكون مجرد فقاعة في بحر من الانقلابات والانتخابات؟
على الأرجح أن الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز بعد ثلاثة أشهر من حكمه الجديد أعطى للمراقبين وللساحة الداخلية والخارجية رؤية محدودة لنمط حكمه باتخاذه اجراءات ميدانية واضحة وكشفه عن تصورات لمستقبل بناء وتسيير الدولة، ولكن في موريتانيا من يقول إن المشكلة ليست دائما في العين وسلامة نظرها، بل قد تكون في المنظور إليه أيضاً، والذي غالباً ما يعطى صورة لا تطابق تماماً حقيقته.