تحقيق: زكية كردي

ليس الخيال وحده هو الذي يصنع الموضة، إنها الحياة التي تنتقل بنا من صورة ملائمة إلى أخرى أكثر ملاءمة، وكلما تطورت الحياة تغيرت ملامح الصور وتغيرت اتجاهات وخيالات المصممين والمبدعين، ولهذا نرى أن الأزياء يجب أن تلبي حاجات الحياة العصرية، وذوق المرأة العاملة والمتحررة والباحثة عن الراحة والأناقة معاً، في ألوان هادئة تعكس رقيها على مزاجها اليومي، وعلى عالمها المتغير.

ومن خلال التحقيق التالي، نحاول الإحاطة بملامح الموضة للعام الجديد، كما نحاول رصد التغيرات التي طرأت على الموضة عموماً خلال العشر سنوات الماضية.

تتميز اتجاهات الموضة لسنة 2016 بالرقي والفخامة وعودة اللون الأسود والأبيض ليتربعا على عرش الألوان لهذا الموسم، حسب مصممة الأزياء تمارا سريافيلي، وتركز صيحات الموضة لهذه السنة بشكل كبير على إبراز أنوثة المرأة وهذا ما برز جلياً من خلال عروض الأزياء للماركات العالمية مثل شانيل وألكسندر ماكوين وبرادا.

أما عن تصاميمها وتجهيزاتها للعام الجديد، فتقول سريافيلي: «تصاميمي لموسم 2016 جمعت بين الأصالة والمعاصرة، فتشكيلة Sarelle تتميز بالبساطة مع الاهتمام بالتفاصيل المعقدة لتلائم قوام المرأة لتبدو أكثر أناقة ورقياً ولتبرز جمالها. فأنا أريد أن تشعر المرأة التي ترتدي فستاناً من تشكيلتي بالثقة والتميز. وبالنسبة لتشكيلة Demi Couture لهذا العام فاستوحيتها من لوحة الرسام ووترهاوس لشخصية أوفيليا، المرأة الجميلة الجالسة وسط بركة من الأزهار والماء في اللحظات الأخيرة من حياتها. أردت أن أخرج هذا الجمال مرة أخرى إلى الحياة. واعتمدت على الألوان الشفافة اللامعة الراقية، الحرير ودانتيل شانتلي مع التطريز بالأزهار والفضة لتضفي عليها بهاءً وبريقاً ويضفي طول الفستان مظهراً ملكياً. وأعمل حالياً على تشكيلة رمضان والعيد 2016 التي ستضم عبايات وقفطاناً بطابع عصري يلائم المرأة العربية التي تريد أن تتفرد بأسلوبها الخاص».
الموضة تتخذ من أزياء السنوات الماضية مصدراً لها، مع التجديد والتحديث، ويلفت المصمم فادي أبي حبيقة، صاحب دار سارة للأزياء، إلى أن الموضة تعود إلى مدة الستينيات، خصوصاً القصة وطول الفستان الذي يتفاوت بين الأمام والخلف، فيبدو قصيراً من الأمام وقصيراً من الخلف، أما بالنسبة للألوان فيوضح أن المصمم تحرر من عقدة اللون فالموضة هي كل الألوان، مشيراً إلى أن الألوان تتبع للمنطقة عادة، ففي منطقة حارة مثل الخليج لن تنتشر موضة الألوان الداكنة، لكن هذا لا يمنع من طغيان بعض الألوان على اتجاهات الموضة العالمية لهذا العام، مثل الأصفر الذهبي، والأحمر المائل إلى لون الخوخ، والتركواز على أخضر، والأسود مع الأبيض اللؤلؤي، والسكن (لون البشرة).
وعن تحضيراته للعام الجديد، يقول: «نعمل على تحضير مجموعة كبيرة من فساتين الأعراس، ونحاول خلق شيء جديد خارج عن المألوف، وقصات جديدة، فقد صار التميز يتطلب أن نتعامل مع الفستان على أنه قطعة فنية فريدة من نوعها، ولنميز أنفسنا خففنا من التطريز، وصرنا نلعب بالقصات بطريقة عصرية، وأدخلنا التصاميم الثلاثية الأبعاد بطريقتنا الخاصة، ونتوقع أن نقيم عدة عروض للعام الجديد في كل من أمريكا وفرنسا بالإضافة إلى دبي».
أما بالنسبة للعبايات، فتخبرنا مصممة الأزياء الإماراتية منى الهاشمي عن زيادة الإقبال على العبايات الكاجوال التي باتت الفتاة الخليجية عموماً تفضلها وتجدها أكثر راحة وتناسباً مع المظهر الذي يمثلها، وتبعاً لهذا الاتجاه العام، تذكر الهاشمي أنها ضمّت إلى مجموعتها الجديدة لشتاء 2016 مجموعة من العبايات المصممة على شكل جاكيت والتي تناسب السفر كما تناسب المشاوير اليومية للمرأة.
وعن تفاصيل هذه المجموعة، تقول: «ابتعدت عن الألوان، فأنا لا أحبذ الألوان الكثيرة في العباءة عادة، فغلبت الألوان الغامقة على مجموعتي، كما طغى عليها اللون الأسود بشكل واضح، أما بالنسبة للأقمشة فاخترت الأقمشة الشتوية الإسفنجية والصوف».
وعن ملامح عباية 2016، توضح أن هناك تركيزاً على أقمشة الينين، والكشمير التي يستخدمها معظم المصممين، أما بالنسبة إلى تصاميمها الأخرى فتفيد بأن مجموعتها ضمت عدداً من فساتين السهرة التي غيرت فيها اتجاهها في التصميم تماماً، كما اعتادت أن تفعل بين مدة وأخرى، فاعتمدت كثيراً على الكريستال والخرز والورود التي طغت على تصاميمها عموماً.
وتتحدث المصممة إخلاص الشيباني، عن الألبسة الشبابية (الكاجوال)، وتقول إنها اتجهت قبل سنوات إلى تقديم هذه الملابس التي يحبها الجميع، مضيفة: «يستمر إقبال الشباب والفتيات على الجينز الممزق، فلا يزال هو الموضة المسيطرة، وهناك اتجاه إلى الملابس الواسعة الفضفاضة، وعودة الكلوشات بأنواعها، وهذا العام تعود موضة المعطف الطويل حتى الركبة وبلا أكمام، أما بالنسبة للألوان للصيف المقبل فهناك اللون الزهري الفاتح، والأبيض اللؤلؤي، والأزرق الفاتح.
وعن مجموعتها الخاصة التي حضرتها للعام الجديد، توضح الشيباني أنها أحبت في هذا العام أن تتجه إلى الأزياء التاريخية التي أصبحت موضة أكثر من فساتين السهرة المعتادة، بفعل تأثر الجمهور العربي بالدراما، وتعتمد في تصاميمها هذه على الشيفون والجاكار الهندي، وعلى الألوان الكلاسيكية مثل المارون والكحلي، موضحة أنها مزجت في هذه المجموعة بين العديد من الحضارات الشرقية فاستخدمت الإكسسوارات الهندية، والأشرطة المغربية.
ومن متابعة عروض الأزياء والمجوهرات لفصلي الربيع والصيف لعام 2016 في عواصم الموضة العالمية مثل نيويورك، ولندن، ميلانو، وباريس، تشير شادية الإسماعيلية، مصممة مجوهرات وصاحبة دار ديمة للمجوهرات، إلى أن الاتجاه العام للموضة يعلن سيادة الأقراط الكبيرة والمزخرفة في عالم الإكسسوارات، وتقول: «جاءت هذه الأقراط بأشكال مختلفة، مثل أقراط على شكل طرابيش كبيرة من تصميم دار أوسكار دي لا رينتا. أما بالنسبة للمجوهرات الثمينة فحافظت على الخطوط الرئيسية في تصاميمها، ولكن طرأ عليها تغيير في طريقة لبسها أو استخداماتها. كما أن الأقراط الحلقية الكبيرة وهي من القطع الأساسية في خزانة مجوهرات المرأة، ستستمر في الظهور في العام المقبل. وسيشهد 2016، نوعاً من المرونة في قواعد استخدام المجوهرات، فمثلاً نرى ارتداء الأقراط الماسية الكبيرة أو الخواتم الكوكتيل مع هندام بسيط مثل الجينز بعد أن كانت ترتدى فقط في المناسبات الرسمية.
وتضيف: «الألوان الدارجة في 2016، يتوقع رواج اللونين الأحمر والأزرق بدرجاتهما المختلفة من الهادئة إلى الصاخبة، كما سنرى أيضا اللونين الأخضر والأصفر».

وعن أعمالها، تذكر الإسماعيلية أنها ستطلق تشكيلات جديدة هذا العام تجمع بين الخطوط التراثية والإسلامية والطبيعة، موضحة أنها راعت في المجموعة أن تكون ذات استخدامات مختلفة، وقابلة للتغيير إلى قطع مختلفة، فمثلاً الحلق بإمكان المرأة لبسه كحلق وكذلك تغييره إلى دلاية، والكثير من المفاجآت الأخرى. كما وضعت في الاعتبار، التنوع في أذواق النساء، فترى في كل مجموعة، مجوهرات بتصاميم مفصلة وأخرى بسيطة تتناسب مع مختلف المناسبات والأوقات.

واختارت الإسماعيلية الدولة لإطلاق مجموعتها إيماناً منها بأن دبي أثبتت، بلا منازع، بأنها عاصمة الموضة لمنطقة الشرق الأوسط، فهي من الوجهات الأكثر أهمية على مستوى العالم للتسوق للمنتجات الفاخرة، كما أنها، من دون شك، المدينة الأكثر استقطاباً للزوار في المنطقة، كما أن مدينة دبي تحتضن العديد من الجنسيات والثقافات، الأمر الذي جعل منها المكان المناسب لإطلاق الأفكار والإبداعات الجديدة في عالم الموضة.

ليلى عمراوي، مصممة القفطان المغربي، ترى أن من الصعب توقع ملامح الموضة للعام الجديد بدقة ولكن بشكل عام هناك توجه إلى المزج بين الكلاسيكي والحديث، وفي بعض الأحيان إدراج العديد من الموديلات التي كانت في أوج شهرتها في عقود مضت مثل فترتي الأربعينيات والخمسينيات، وتؤكد أن السنوات العشر الأخيرة كانت مدة خلاقة في حياة الموضة، وكان هناك الكثير من الإبداع والحيوية في نفس الوقت في خطوط الموضة، كما أصبحت الموضة تلبي احتياجات المرأة من كل الجوانب، وأن أهم السمات التي اكتسبتها بالتدريج تمثلت بأنها أصبحت حيوية وعملية في الوقت نفسه، فالموضة حالياً خفيفة وأنيقة وهذا لم يتغير في يوم وليلة بل إنه جاء بعد تجارب طويلة لإيجاد الأنسب للسيدات.
وعن آلية تأثير الموضة بالذوق العام، تقول: «الموضة فن، وللفن أهمية كبيرة بتحسين طريقة التفكير والمزاج العام للأشخاص، وأظن أنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالذوق العام، فما من شخص مهتم بخطوط الموضة وعالم الأزياء إلا وأثر ذلك بالإيجاب طبعاً على كل جوانب حياته».
وتضيف: «أعمل على مجموعة جديدة من القفاطين لموسم شتاء 2016، التي عرضت منها بعض القطع المختارة في نهاية عام 2015 وسيتم إطلاق المجموعة كاملة في مارس/آذار المقبل، وتتضمن العديد من الموديلات والتنوع في الأقمشة، فاستخدمت مجموعة كبيرة منها خصوصاً الدانتيل، الذي يضيف لمسة ساحرة من الأنوثة على القفاطين».

2016 عام المرأة العاملة

تتجه الموضة في سنة 2016 نحو المرأة العاملة، فصارت الملابس أكثر بساطة، وتم التخفيف من الشك والتطريز وغير ذلك في الوقت نفسه، فالملابس مفعمة بالأنوثة والرقة، حسب مصممة الأزياء مرمر حليم. وعن التغيرات التي طرأت على الموضة في السنوات العشر الأخيرة ترى أن الموضة أصبحت تتجه لإيجاد الملابس المريحة والعملية لدى السيدات، حتى فيما يتعلق بفساتين السهرات فغلّب القماش الشفاف في حال كان الشك والخرز مستخدماً، كما قلّت الطبقات المتعددة للفساتين. أيضاً كان هناك تغيير ملحوظ في الأقمشة المستخدمة، فصارت الأقمشة الخفيفة مرغوبة بشكل كبير.

وتقول حليم: «أتمنى أن تؤثر الموضة في الذوق العام بشكل أكبر، فهي لم تشكل بعد جزءاً كبيراً من حياة جميع الأفراد أو المجتمعات، لكنني أثق بأننا بهذا الاتجاه، فهناك تطور كبير في تعامل السيدات مع الموضة في العالم العربي، خصوصاً في الخليج، فهنّ على اطلاع واهتمام بخطوط الموضة، بالإضافة إلى أن الموضة بحدّ ذاتها تحاول أن توفر للمرأة العربية احتياجاتها»، مشيرة إلى أنها ستطلق مجموعتها الجديدة في مارس/آذار المقبل، وهي مجموعة تتجه لتلبية احتياجات السيدة العاملة، فهي تصاميم بسيطة وراقية، وتتميز باستخدام قماش الشبك.

مزيد من الحرية

يبدو أن المصممين يتجهون نحو المزيد من الحرية والإتقان في 2016، كما ترى المصممة سارة بنت محمد، مشيرة إلى أن الاتجاه العام للموضة صار يجنح إلى الخروج عن المألوف فلا حدود أمام الإبداع، كما أن الموضة في الفترة الأخيرة، تحررت من القيود التي كانت تحد خيال المصمم في السابق.

تقول: «اليوم دخلت التكنولوجيا لتعزيز الإبداع، وأصبح اليدوي والآلي خطين متلاقيين دائماً، وأعتقد أن التغييرات التي طرأت، هي تطور مستمر في عالم الأزياء وفتح أبواب جديدة نحو إبداعات جديدة أيضاً، وتبقى المسألة مرتبطة بتطور علم الأزياء وفنونه المتعددة، وفتح أبواب جديدة أمام المصمم ليكون أكثر مرونة، وبالتالي لتقديم تصاميم مرنة ومليئة بالحياة. وما تغير هو أفق الأزياء ككل، وطريقة تعامل الناس معه، فصارت الموضة جزءاً مهماً في حياة الكثيرين».
وعن تأثير الموضة في الذوق العام، توضح سارة بنت محمد، قائلة: «المجتمع المهتم بالموضة هو مجتمع متطور في غالب الأحيان، ولهذا نرى أن دور الأزياء تتمركز في المدن المهتمة بهذا الجانب والتي بالتالي تتميز بالتقدم والتطور والأناقة، وهي غالباً سبّاقة في العديد من الجوانب. والذوق العام طبعاً هو أحد هذه الجوانب، وتعتبر الدولة مثالاً على ذلك، فهي رائدة في العالم العربي بالتقدم واحتضان المواهب المختلفة في مجال الأزياء».
وتضيف: «أعمل على مجموعة جديدة أطلقها في مارس/ آذار المقبل، وهي مجموعة من القفاطين الجديدة بموديل (High- Low) استخدمت فيها أقمشة متعددة، خصوصاً الحرائر، كما أطلقت بضع قطع مختارة في ديسمبر/كانون الأول الماضي».