ونظراً للأهمية الفائقة لهذه المأثورات وما تنطوي عليه من قيم ودلالات علمية وبلاغية وفقهية ولغوية وسياسية واجتماعية عليا هي بمثابة نبراس للحكام والمحكومين على مر العصور، فقد كرس العديد من حملة العلم والباحثين والفقهاء شطراً من حياتهم لشرح نصوص النهج البليغة منذ القرون الاسلامية الأولى إلى عصرنا الراهن، لكن يبقى من اشهر هذه الشروح واعظمها نفعاً شرح أبي الحديد المعتزلي، وشرح ابن ميثم البحراني، وموضع حديثنا هذا، وشرح الامام الشيخ محمد عبده.
يعبر الشيخ عبده عن عظمة ما قام به الشريف الرضي بجمعه خطب الامام وكلماته ورسائله، كما يعبر عن اعجابه باختيار عنوان مجلد هذه الخطب نهج البلاغة فيقول: ولا أعلم اسماً أليق بالدلالة على معناه وليس في وسعي ان أصف هذا الكتاب بأزيد مما دل عليه اسمه، ولا ان آتي بشيء في بيان مزيته فوق ما أتى به صاحب الاختيار. ولولا ان غرائز الجبلة، وقواضي الذمة، تفرض علينا عرفان الجميل لصاحبه، وشكر المحسن على احسانه، لما احتجنا الى التنبيه على ما اودع نهج البلاغة، من فنون الفصاحة، وما خص به من وجوه البلاغة، خصوصاً وهو لم يترك غرضاً من اغراض الكلام الا اصابه، ولم يدع للفكر ممراً إلا جابه.
اما ميزة هذا الاصدار البحريني الجديد الصادر عن مكتبة فخراوي والتي كان صاحبها الاستاذ كريم فخراوي موفقاً باختيار هذا الاصدار تحديداً لاهداء نسخة منه الى الشيخ محمد بن مبارك نائب رئيس الوزراء في معرض الكتاب الأخير بما يحمله توقيت الاختيار والمكان الذي ينتمي إليه صاحب الشرح من دلالات دينية ووطنية، حيث التوقيت يأتي قبيل ايام من ذكرى استشهاد الامام علي، وحيث المكان هو المكان نفسه الذي ينتمي إليه صاحب الشرح ابن ميثم ألا وهو البحرين وطننا المشترك. نقول ميزة هذا الاصدار تتمثل ليس في كون الطبعة فاخرة فحسب، بل وتشمل جميع المجلدات الخمسة لنهج البلاغة مجموعة في مجلد واحد أنيق وخفيف الوزن والورق، ومتضمناً المقدمة التي تتحدث عما قيل عن مؤلفات واعمال ابن ميثم البحراني وطريقته في التأليف، وابرز علماء عصره، ومزايا العصر الذي عاش فيه، وان كان كاتب المقدمة قد اخطأ في نهايتها في كتابة سين سترة بالصاد والنبيه صالح كتبها النبي صالح.
مهما يكن فإن في شرح نهج البلاغة من تأليف الشيخ ميثم البحراني، فائدة علمية عظمى ومتعة جمة. ومازلنا نرى من الأهمية بمكان ان تتضافر كل الجهود الوطنية الدينية والعلمية من أجل تحقيق ونشر كل اعمال هذا المفكر والفيلسوف البحريني المهمة باعتبارها تراثاً مهماً مشتركاً لكل البحرينيين.