في العام الماضي استضافت البحرين المؤتمر الأول الذي عرضت فيه ونوقشت بحوث ودراسات حول تراث وأعمال المفكر والفيلسوف والامام اللغوي البحريني كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني. وقبل فترة وجيزة من رمضان الجاري استضافت طهران المؤتمر الثاني حول تراث واعمال المفكر المذكور، وشارك في المؤتمر وفد من الباحثين ورموزنا الاسلامية برئاسة رئيس المجلس الاسلامي الأعلى الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة. وخلال السنة الجارية صدرت في البحرين لأول مرة طبعة فاخرة لواحد من أهم اعمال هذا العلامة المفكر الفقيه الا وهو شرح نهج البالغة للإمام علي بن ابي طالب رضي الله عنه الذي استشهد غيلة في المحراب وهو يؤم المسلمين في جامع الكوفة على يد احد الخوارج المتطرفين. ومن المعلوم ان نهج البلاغة يجمع بين دفتيه خطب وكلمات ورسائل آخر الخلفاء الراشدين الاربعة خلال خلافته القصيرة التي لم تستمر اكثر من خمس سنوات. وقد قام بجمعها السيد الشريف الرضي.

ونظراً للأهمية الفائقة لهذه المأثورات وما تنطوي عليه من قيم ودلالات علمية وبلاغية وفقهية ولغوية وسياسية واجتماعية عليا هي بمثابة نبراس للحكام والمحكومين على مر العصور، فقد كرس العديد من حملة العلم والباحثين والفقهاء شطراً من حياتهم لشرح نصوص النهج البليغة منذ القرون الاسلامية الأولى إلى عصرنا الراهن، لكن يبقى من اشهر هذه الشروح واعظمها نفعاً شرح أبي الحديد المعتزلي، وشرح ابن ميثم البحراني، وموضع حديثنا هذا، وشرح الامام الشيخ محمد عبده.

يعبر الشيخ عبده عن عظمة ما قام به الشريف الرضي بجمعه خطب الامام وكلماته ورسائله، كما يعبر عن اعجابه باختيار عنوان مجلد هذه الخطب نهج البلاغة فيقول: ولا أعلم اسماً أليق بالدلالة على معناه وليس في وسعي ان أصف هذا الكتاب بأزيد مما دل عليه اسمه، ولا ان آتي بشيء في بيان مزيته فوق ما أتى به صاحب الاختيار. ولولا ان غرائز الجبلة، وقواضي الذمة، تفرض علينا عرفان الجميل لصاحبه، وشكر المحسن على احسانه، لما احتجنا الى التنبيه على ما اودع نهج البلاغة، من فنون الفصاحة، وما خص به من وجوه البلاغة، خصوصاً وهو لم يترك غرضاً من اغراض الكلام الا اصابه، ولم يدع للفكر ممراً إلا جابه.

اما ميزة هذا الاصدار البحريني الجديد الصادر عن مكتبة فخراوي والتي كان صاحبها الاستاذ كريم فخراوي موفقاً باختيار هذا الاصدار تحديداً لاهداء نسخة منه الى الشيخ محمد بن مبارك نائب رئيس الوزراء في معرض الكتاب الأخير بما يحمله توقيت الاختيار والمكان الذي ينتمي إليه صاحب الشرح من دلالات دينية ووطنية، حيث التوقيت يأتي قبيل ايام من ذكرى استشهاد الامام علي، وحيث المكان هو المكان نفسه الذي ينتمي إليه صاحب الشرح ابن ميثم ألا وهو البحرين وطننا المشترك. نقول ميزة هذا الاصدار تتمثل ليس في كون الطبعة فاخرة فحسب، بل وتشمل جميع المجلدات الخمسة لنهج البلاغة مجموعة في مجلد واحد أنيق وخفيف الوزن والورق، ومتضمناً المقدمة التي تتحدث عما قيل عن مؤلفات واعمال ابن ميثم البحراني وطريقته في التأليف، وابرز علماء عصره، ومزايا العصر الذي عاش فيه، وان كان كاتب المقدمة قد اخطأ في نهايتها في كتابة سين سترة بالصاد والنبيه صالح كتبها النبي صالح.

مهما يكن فإن في شرح نهج البلاغة من تأليف الشيخ ميثم البحراني، فائدة علمية عظمى ومتعة جمة. ومازلنا نرى من الأهمية بمكان ان تتضافر كل الجهود الوطنية الدينية والعلمية من أجل تحقيق ونشر كل اعمال هذا المفكر والفيلسوف البحريني المهمة باعتبارها تراثاً مهماً مشتركاً لكل البحرينيين.