أم القيوين - محمد هجرس:
يبقى تراث الإمارات الذي تركه الأجداد شاهداً على أنهم سبقوا العديد من الأمم، وأنشأوا الموانئ التجارية التي جعلتهم يتواصلون مع العالم، وهو ما يؤكده ميناء الدور بأم القيوين الذي لعب دور الوسيط بين الدولة وبعض التكتلات الاقتصادية الآسيوية والعربية والأوروبية، مثل الهند وشبه الجزيرة العربية وسوريا وبلاد الرافدين وحوض البحر المتوسط .
استمد ميناء الدور أهميته التاريخية من وجوده على بحيرة ضحلة ومجموعة هائلة من الجزر التي تكاثرت في بعضها أشجار المنجروف، إضافة إلى مجموعة كبيرة من الكثبان الرملية العالية التي مثلت حائط صد وحماية له من الرياح البحرية التي تتميز بها تلك المنطقة، وتمنع رؤيته، وتنبسط أرضه خلف هذه الكثبان الممتدة لأكثر من كيلومتر مربع للداخل، في حين أن الأواني الفخارية تنتشر في خارجه لمسافة طويلة .
وجدت أدلة قاطعة تؤكد أن الميناء الأثري شهد استيطاناً حضرياً من البشر امتد من كيلومترين إلى 3 كيلومترات مربعة، وأنه يرجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد، لكنه بقي خالياً لقرون عديدة واكتشف في داخله مبنى مربع الشكل له أسوار عالية مبنية من الحجر الصلب، وقلعة مسورة ذات أربعة أبراج مستديرة، ويبلغ قطر كل منها أربعة أمتار، وفي داخلها عثر على ثلاث غرف ومعبد مكون من غرفة واحدة ذات بابين، بجانب عدد هائل من المساكن حولها، وتقول علياء الغافلي المسؤولة في دائرة الآثار والتراث: "مرفأ الدور يشكل موقعاً مهماً في جنوب الخليج العربي، لأنه الميناء والمورد الغذائي عن طريق البحر، في حين أن مدينة "مليحة" التي تجاوره كانت تهتم بالمنتجات الزراعية والمواد الاستهلاكية الأخرى غير المتوافرة في الدور، وكونت المستوطنات البشرية قوة اقتصادية هائلة، إضافة إلى القوة الدينية والسياسية" .
وقالت: "صدرت عملة موحدة خاصة به ما دفع "الدور" للمشاركة في التجارة العالمية، مشيرة إلى أن كميات كبيرة من البضائع المستوردة وصلت إلى المنطقة لأن حياة السكان كانت مزدهرة فوجود الماء الذي كشف عنه بالآبار الموجودة في الموقع أدى إلى الاستيطان وتوافد التجار فموقعه يشكل نقطة توقف رئيسية بين "شارلس" وشمال غرب الهند للحصول على الماء والتزود بمؤن أخرى حتى يمكنهم مواصلة الرحلة" . وتشير إلى أن اسم "الدور" ظل غامضاً حتى بعد حملات استكشافية عدة والأسماء التي أطلقت عليه غير معروفة كما وصفه المؤرخ "يلايني" بأنه ميناء "عمانا" الشهير، وظل هذا الاسم محل نقاش بين المؤرخين، موضحة أنه مهما كانت الحال، فإن الخليج العربي لم يكن معروفاً لتجار الغرب الذين لم يبحروا في تلك المياه، ولم يسمح الوضع السياسي بذلك العمل التجاري لأن الحركة البحرية سيطر عليها مواطنو المنطقة، ورغم كل تلك الأمور فإن ازدهار موقع الميناء كان نتيجة التجارة التي كانت تعتمد على أسس دولية .
وتقول رانيا حسين منقبة آثار بدائرة الآثار والتراث: "موقع ميناء الدور في أم القيوين هو المكان المناسب لميناء "عمانا" الذي سكنه عرب كانت لهجتهم تشبه لهجة جنوب شبه الجزيرة العربية، مع معرفتهم باللغة الآرامية، والتجارة لعبت في حياتهم دوراً مهماً، إذ إن الآثار التي تم اكتشافها في الموقع من عملات وفخاريات وقناني ومعادن مصنعة وخرز كلها دلت على وجود تبادل تجاري واتصال بين عمانا وجنوب شرق إيران وكرمان والهند وبلاد الرافدين وسوريا وجنوب شبه الجزيرة العربية وفيلكة والبحرين والعالم الروماني" .
عرف السكان عدداً من الصناعات المحلية مثل صناعة القوارب والملابس والحديد والذهب، إضافة إلى بعض المنتجات الزراعية وامتهان حرفة الصيد والغوص وصناعة القوارب والسفن، وأتقن الناس كل تلك الحرف لأن الحياة دفعتهم إلى ذلك نظراً لاحتياجاتهم . وأوضحت أن حرفة الصيد البحري والبري ورعي الأغنام مارسها الناس في ذلك الوقت، موضحة أن الميناء يقع بالقرب من الطريق الذي يربط بين إمارتي الشارقة ودبي وبين إمارة رأس الخيمة ويبعد نحو كيلومتر مربع من خور ضحل ويعرف باسم خور البيضاء الذي كان مرفأ للسفن في العصور القديمة، وتبلغ مساحته 4 كيلومترات مربعة، ويوجد إلى الغرب منه كميات من الأصداف وعظام الأسماك .
ونوهت بوجود تشكيلات جنائزية بمساحات متفاوتة مبنية من حجارة ساحلية متناثرة في الموقع، تزيد مساحتها على 20 ألف متر مربع وتضم مجموعة من الهياكل العظمية لذكور وإناث أعمارهم مختلفة، موضحة عادات الدفن والمراسم الجنائزية في تلك المرحلة، وأن تلك المقبرة تمثل أكبر المقابر التي عثر عليها داخل الإمارات، مؤكدة وجود عملات ذهبية وبرونزية بلغ عددها 400 قطعة ذات أحجام وأوزان مختلفة، تعرف باسم "إيبيل"، ومنها مسكوكة على شكل الاسكندر الأكبر أو هرقل أو النخلة، ومعظم هذه العملات موجودة في شمال شرق الجزيرة العربية .
وأشارت إلى أن منطقة جنوب شرق الجزيرة العربية أرادت في تلك الفترة سك عملة فضية محلية مبرهنة على قوتها السياسية والاقتصادية، حيث ظهرت هذه الإصدارات من النقوش الآرامية مع اسم "إيبيل"الذي يعود إلى شخصية مشهورة ربما كانت ملكية في منطقة جنوب شرق الجزيرة العربية، حيث لا يزال الجدل مستمراً حول اسم "إيبيل" وسكّت أنواعاً أخرى من العملات منها عملة الاسكندر الأكبر بطريقة التقليد، مضيفة أنه تم العثور على كتابات باللغة الآرامية في ميناء الدور تتكون من 9 أسطر منقوش على أحد جوانبها مبخرة على شكل حجر مستطيل موضوع على أحد المذابح بالقرب من المصهر وهو يعد من أكبر وأطول النقوش الآرامية التي عثر عليها في جنوب الخليج العربي، لكنه تعرض للتلف ولم يسع أحد لحمايته .
المستوطنات التي تكونت في ذلك الوقت، كما تقول علياء الغافلي المسؤولة في دائرة الثقافة والتراث بأم القيوين دائرة الآثار والتراث قوة اقتصادية ودينية وسياسية، وأصدرت عملة موحدة خاصة بها، ما دفع إلى مشاركة ميناء الدور في التجارة الدولية، مؤكدة أن الميناء من أكبر المواقع الأثرية على مستوى الدولة، وعثر فيه على مقبرة بداخلها هيكل عظمي وعدة رؤوس وسهام حديدية وسيف وأطباق من الزجاج وقطعة من حجر الكاليسيت على شكل رأس حية .