د. رشاد سالم *

وردت كلمة «ميت» (بالتشديد للمفرد) اثنتي عشرة مرة، وورد جمعها مرفوعاً «ميتون» مرتين، وورد مجروراً مرة واحدة (بِمَيِّتِينَ).
بينما وردت كلمة «ميت» (بالتسكين) خمس مرات، وكانت الكلمة منصوبة في المرات كلها، وذكرت كلمة «الميتة» ست مرات.
فما سر هذا التفاوت في التعبير؟ وما الفرق بين الكلمتين (ميت - ميّت)؟
الميت بالتشديد: هو الحي الذي فيه الروح، والميت بالتخفيف: هو الذي خرجت روحه منه.
الميت بالتشديد: مخلوق حي، ما زال يعيش حياته، وينتظر أجله، ومجيء ملك الموت إليه ليقبض روحه، أي إنه ميت مع وقف التنفيذ! ولا يدري متى يبدأ التنفيذ؟
ولدى النظر في سياق الآيات التي استخدمت كلمة «ميت» نرى هذا المعنى واضحاً، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ»، [الزمر: 30-31].
تخاطب الآية أحياء، تخاطب الرسول وتخبره أنه سيموت (إِنَّكَ مَيِّتٌ). وأن خصومه الكفار سيموتون (وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ).
إذن كل حي ميت حال حياته، أي إنه حي ينتظر قدوم الموت وحلول الأجل.
أما الميت بالتسكين، فهو المخلوق الذي مات فعلاً، بأن خرجت روحه، وأصبح جثة هامدة، وقد أطلق في القرآن على ما يأتي:
البلد الميت: الذي لا حياة فيه، فيحييه الله بالمطر، قال تعالى: ((وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ))، [الزخرف: 11].
الأرض الميتة التي لا نبات يها فيحييها الله بالمطر، قال تعالى: ((وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ))، [يس: 33].
البهيمة الميتة التي خرجت روحها من دون ذبح شرعي، ولذلك حرمها الله علينا، قال تعالى: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ))، [المائدة: 3].
الميت: هو الإنسان الذي مات وخرجت روحه، وقد شبه الله الذي يغتاب أخاه بمن يأكل لحم ذلك الإنسان الميت، قال تعالى: ((وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا))، [الحجرات: 12].
فالميّت - إذن - هو الحي الذي ينتظر الموت، والميْت هو الذي مات فعلًا وخرجت روحه من جسده.. وإن صياغة الكلمتين وحركاتهما توحي بهذا الفرق بينهما:
فالميت ياؤه مشددة، ولعلها إشارة إلى إقبال الإنسان الحي على حياته الدنيا، وانهماكه فيها، وحرصه عليها بكل ما أوتي من قوة وشدة.
أما الميت الذي خرجت روحه، فياؤه ساكنة غير متحركة، ولعلها إشارة إلى سكون هذا الإنسان بعد خروج روحه، وتوقفه عن الحركة.
يقول الشاعر:
وتسألني تفسير ميْت وميّت
                  فدونك ذا التفسير إن كنت تعقل
فمن كان ذا روح فذلك ميّت
                  وما الميْت إلا من إلى القبر يحمل


* مدير الجامعة القاسمية بالشارقة