بيروت البير خوري:

من «أوراق في دفاتر شجرة رمان» إلى روايتها العربية الأخيرة «لما كنت..» والفرنسية (ما هو تسمي)، والاثنان قيد الطبع، مروراً ب«ماكينة الخياطة»، «تماثيل مصدعة»، «انتعل الغبار وأمشي»، وغيرها من العناوين الروائية، قطعت مي منسى شوطاً كبيراً من حياتها الأدبية والإعلامية.. تفسر إصرارها على مواصلة الكتابة بقولها: «لأنني أموت عندما لا أكتب»، على حد قولها.. وهي في ذلك، تصر على الحياة والتماهي مع أبطال رواياتها المستوحدين والتراجيديين.
تلتقط منسى المشهد والحدث، أكان عادياً أم استثنائياً، لتأخذ أناملها تخط حروفها من وجع وألم وقهر ورعب وعنف، تشبك الواقعي مع الخيالي، بعبارات جميلة لينة، ساخنة متمردة ومتحركة، جعلت صاحبتها إحدى سيدات الرواية اللبنانية والعربية بامتياز. فيما يلي حوار معها:

} من يطوّع من في مهاراتك المتعددة؟، ما دور الإعلام في تطويع الأدب عموماً، والرواية خصوصاً؟
لعلّ العمل الصحفي، وخاصة عندما يكون تحت راية رجل عظيم هو غسان تويني، لا تعود الكتابة الصحفية مجرد حدث، أو خبر.. بل تتحول إلى ما يشبه الملحمة. بدأت أتدرب على الكلمة، لأن فوق رأسي جناحاً كبيراً، كان يستلذ بالعبارة الجميلة اللينة، غير الجامدة، وكنت في كل جوارحي، أرغب أن أكون عند حسن ظن هذا الرجل الكبير. فبعد اختصاصي في الأدب الفرنسي وقراءتي بنهم الكتّاب الوجوديين والسرياليين والشعراء الكبار بالفرنسية، بدأت شيئاً فشيئاً ألوذ إلى الأدب العربي، وكنت تركته بعد تخرجي من المدرسة، صرت أقرأ الأدباء العرب. مضيت إلى طه حسين وتوفيق الحكيم وصديقي الكبير يوسف حبشي الأشقر الذي غرز في أسلوبه في الكتابة الواقعية. لعلّ شغف الكتابة في جريدة «النهار» جعلتني في تطور دائم. صار المقال رؤية، شعراً، روحانيات، تأملات، إلى أن بدأت الحرب تعصف في أدمغتنا. صرت أرى البلد يتدمر، يسقط. القيم تنهار، ونحن نركض تحت المدافع والقنابل، لنؤدي دورنا في الجريدة. فقدنا الكثير من زملائنا.. كل ذلك فرض الرواية على ذاتي. صارت واجبي. فكانت «أوراق في دفاتر شجرة رمان»، حكاية حرب وشعب وعائلة. كان الكتاب خليطاً من الدم اليابس، وقد لاقى تحية من المطران جورج خضر وغسان تويني وجورج شحادة.. ومن كل الذين حضروا توقيع الكتاب، من أدباء ونقاد وجمهور. كانت المرة الأولى التي يبيع كتاب بهذا المقدار في معرض الكتاب. طبعاً ما كانت الرواية، وكل الروايات التي حملت حروفي فيما بعد، تحقق هذا النجاح، لو لم تكن الكلمة ثمينة عندي، أُنقب في الكلمة حتى أجد أجمل منها، دعني أؤكد لك وبكل صدق أنني لا أستخف بالكلمة، فهي حياتي كلها وليست جزءاً منها، وبهذا الإحساس صدرت بعد سنتين روايتي الثانية «أوراق من دفاتر سجين». وهنا أُشير إلى أن الواقع أساس كل ما كتبت. أمضي في الخيال عندما أنتهي من تأسيس الرواية المولودة من حدث: العائلة، الحرب، الزملاء، «أوراق من دفاتر سجين» هو هذا السجين الذي بقي عشرين سنة في الزنزانة. وهنا أسأل: كيف نتعلم أن نكون أحراراً؟ هل بالصلاة؟، هنا تقصر المسافات بين الإنسان وخالقه عندما لا يعود شيء يشغله عن الله. الله كان كل شيء في حياة السجين مروان الذي ما إن يغادر زنزانته حتى يقول: خرجت من سجن صغير إلى سجن كبير.

} أسلوبك ارتبط إلى حد كبير بالرواية الكلاسيكية العالمية، وتحديداً الفرنسية؟

ارتباطي بالأدب الفرنسي لا يعني أنني اكتفيت وارتويت. الكون عابق بالأدب، بالكتب. بالأنطولوجيات، بالتاريخ، بالفلسفة.. فهل الكاتب الفرنسي يحتوي على كل ذلك؟، درست الأدب الروسي كما درست تقنيات الموسيقى الروسية حتى أتمكن من تحليل ونقد العازفين الكبار أمثال تشايكوفسكي ورحمانوف، أحببت الأدب والموسيقى الروسيين كما الموسيقى الألمانية والإيطالية. ومن شغفي بالمطالعة، تعمّقت في الأدب المغربي. أحببت وجع الكتّاب المغاربة وغربتهم. اشتغلوا في فرنسا، لكن اشتياقهم إلى الوطن الأم لم يغب عنهم أبداً، الأم هي الأرض، التربة، المدفن.. علاقتي مع كل هؤلاء علاقة الأخت بأخيها. لست متعصبة دينياً، إنما متعصبة بشدة للغة. اللغة دين، محبة، غضب وليس الثأر، وإن كانت اللغة ثورة، فأنا كائن ثائر على الغباء والتعصّب والعنف والقتل.

أسأل نفسي أحياناً: هل أنا كل ذلك؟ هل تلك الفترات التي تخرج من روحي للكتابة، هل هي أنا بروح أخرى؟ هل أنا آتية من عالم آخر؟ ولماذا أكتب عن ذلك؟ لماذا أحلم بهذا الكاتب الذي لا أعرفه، وفي اليوم التالي أجد كتابه في المكتبة. الغموض يلفنا، الأسرار تلفنا، وكلما زاد الغموض، اشتد تعلقنا بالحياة، حتى المحتضر يتعلق بحياته، أختصر لأقول: أنا أكتب من ذاتي وأروي ذاتي كأني بلا ادعاء، أنا الرؤية التي لا تنتهي.

} هل ترين ذاتك محكومة بسلطة الكلمة؟.. ألم يحن الوقت للتحرر منها؟

لابُدّ أن تتوقف الكلمة، أن تجفّ في حلقي. أن أشعر بيباس قلمي حين لا أعود أشعر بشيء، يعني عندما أموت، قلت أمس للطبيب وأنا أعاني أوجاعاً في المفاصل، سألني: كيف عساي أعالج أوجاعك؟ قلت: ربما الوجع ضروري حتى نشعر بأننا نحيا. الحياة بلا وجع هي الموت.

منذ سنوات أمضيت ثلاثة أيام في «الغيبوبة» على أثر حادث تعرضت له في غرفتي. وحين سألني الطبيب: ماذا رأيت في هذه الأيام الثلاثة؟ هل رأيت نفقاً؟ هل رأيت ضوءاً؟ أجبته: كنت فوق في الأعالي، وكان جسدي مسطحاً على الأرض.. ما فسره البعض أنه في غضون هذا الوقت، انفصلت روحي عن جسدي، لكني عدت إلى الحياة. وهنا أسأل: هل نسيت شيئاً لأفعله قبل أن أُغادر هذه الفانية؟ ربما، ولابُدّ من تنفيذه قبل الرحيل الأخير.

} في كل رواياتك التزام واضح ومباشر بالقضايا الإنسانية ما علاقة روايتك بالواقع اللبناني، وإلى أي مدى تلتزمين هذا الواقع اجتماعياً وسياسياً وثقافياً؟

أنا من هذه الأرض، ولا يمكنني أن أُسافر بقلمي إلى أماكن لا أعرفها، و أتحاكى مع ناس لا أعرف لغتهم ولا تقاليدهم ولا عاداتهم. أنا أكتب من «المونة» اللبنانية. من زيتونه وزيته وقمحه وطحينه.. كل ذلك يمدني بالكلمة التي أرجوها. لغتي اشتقها من الطبيعة. لذا عندما أكتب، هو الوطن الذي يغتصب هدوئي وسكينتي.. هو من يأمرني بالكتابة.

في لبنان، كما الوطن العربي الكبير جراح كثيرة، لا أدّعي أنني بالكلمة أشفيها. لا أدّعي أيضاً أن شخصيات رواياتي أبطال. كلهم منكسون تراجيديون. من الفقر والإجحاف والظلم. هم على صورتي. هكذا أعود إلى سؤالك السابق: هل أكتب من ذاتي.؟ هل ذاتي تفرض علي الكتابة؟ هل الكلمة تستبد بي أم أستبد بها؟ أنا والكلمة توأم. لا أعيش بدونها، وأخالها استأنست العيش معي. لذا أكتب وأنا نائمة، أستيقظ لأجد أصبعي يكتب فجأة على الشرشف، هل اسمي ذلك هذيان أم وسواس؟ ما همّني طالما أعرف نفسي عاشقة الكلمة.

} يلفك حدث ما، عادي أو استثنائي.. لكن الحدث يتربص بك في وجودك الفيزيائي والروحي، كما يتربص بأحلامك وخياراتك؟ كيف ومتى تخرجين من هذه الحالة؟

أحلم كثيراً. الكتاب الذي أكتبه الآن بعنوان «لما كنت..» يبدأ بحلم، تتلقى الكاتبة رسالة في الحلم بصوت يقول: أرسلت لك رسالة على أمواج البحر عساها تصلك قريباً. تعرف الكاتبة من هذا الصوت، إنها الأخت التي فارقت الحياة من زمان، تعود إلى هذه الأخت المتوحدة. إلى التوأم التي خلال حياتهما اعتبرتها مريضة، اعتبرتها داخل هذه الفقاعة لا تفكر كما يفكّر الآخرون. وها هي من هناك تناديها.

قد تسألني: لماذا المتوحدة؟ دعني أخبرك شيئاً: لطالما شعرت وأنا في بيت أهلي بأني متوحدة، كنت أجالس نفسي، أركن إلى حالي، عندما كان البيت يعج بالنقاش ويسوء التفاهم، كنت أهرب إلى هذه الفقاعة التي ينزوي فيها المصاب بالتوحد.