أطفأت مسارح برودواي أنوارها حداداً على نجمتها الراحلة ناتاشا ريتشاردسون، ليُظلم رحيلها الدرامي ليس فقط المسرح، ولكن حياة زوجها المحب النجم ليام نيسون، وطفليها، ووالدتها الممثلة القديرة صاحبة المواقف المساندة للحق الفلسطيني النجمة فانيسا ريد جريف، وذلك إثر سقوطها أثناء تزلجها في كندا قبل أيام معدودة، وإصابتها في رأسها لتتوفى تاركة صدمة كبيرة لدى كل من أحبها.

شاءت الصدفة الغريبة أن يكون هذا الثنائي المحب على موعد مع سيناريو مشابه، منذ حوالي 8 سنوات، عندما تعرض نيسون لحادث أثناء قيادته دراجته البخارية، وأصيب في رأسه، إلا أنه تماثل للشفاء وتجاوز الأزمة ليتكرر نفس السيناريو مؤخراً مع اختلاف النهاية، حيث لم تعد أبدا ناتاشا من إصابة الرأس التي تعرضت لها وهي تتزلج في منتجع كندي، لترحل عن الحياة من دون وداع زوجها المحب، الذي كان يصور وقتها أحدث أفلامه في تورنتو، وتوجه على الفور إلى المستشفى الذي نقلت إليه زوجته، لينقلها بعد ذلك إلى مستشفى آخر في نيويورك، ليصدم بفاجعة وفاتها دماغياً، وان عليه اتخاذ أصعب قرار في حياته، وهو الموافقة على نزع أجهزة التنفس عنها.

وتستمر سلسلة القرارات المصيرية، الإنسانية التي وجد نيسون نفسه فجأة، ودون سابق إنذار أمامها، ليتخذ ووالدتها قراراً في منتهى الإنسانية والشجاعة، وهو التبرع بأعضاء الراحلة لمصلحة إجراء المزيد من الأبحاث حول مرض الإيدز، وهو الذي طالما حاربته ناتاشا، بعد أن توفي والدها بسببه عام 1991.

كانت ناتاشا، قد تزوجت من النجم ليام نيسون عام ،1994 بعد قصة حب عنيفة بدأت عندما تشاركا في بطولة مسرحية آنا كريستي، وكانت ريتشاردسون وقتها، زوجة للمنتج السينمائي روبرت فوكس، لكنها سرعان ما وقعت في غرام نيسون الذي لم تكن له تجارب زواج سابقة، وإنما صداقات وحكايات ومغامرات عاطفية مع جميلات هوليوود جوليا روبرتس، هيلين ميرين، باربرا سترايسند، بروك شيلدز، لتحصل بعدها ناتاشا على الطلاق، وتتوج قصة حبها العنيفة بالزواج في حفل أنيق أشبه بحكايات ألف ليلة وليلة، حيث أجريت مراسم الزفاف في خيمة بيضاء كريستالية، ارتدت خلاله فستاناً ملائكياً من تصميم دونا كارين، في حضور 70 شخصاً فقط من المقربين منهما، وتخلل الحفل موسيقا راقية على آلتي البيانو والكمان، وهو ماكان يتناسب مع طبيعة النجمة الرقيقة الراحلة، وهدوء زوجها.

أثمر زواجهما عن إنجاب طفلين هما مايكل ريتشارد انطونيو 13 عاماً، ودانييل جاك 12 عاماً، ليضربا المثل في هوليوود بنجاحهم فنياً، واستقرارهم عائلياً.. وليعطيا صورة أخرى مضيئة عن الحياة الفنية في هوليوود التي لا نسمع عنها سوى أخبار الخيانة والطلاق والمغامرات العاطفية غير المحسوبة.

كان النجمان حريصين على إبعاد حياتهما الشخصية عن فضول الصحفيين وعدسات المصورين، فطوال 14 عاماً، من الزواج لم يتحدثا عن حياتهما الخاصة، في أي لقاء تلفزيوني، أو صحافي، وكان نيسون بالذات حريصاً على التركيز على أعماله السينمائية، منشغلاً بالبحث عن الأدوار القوية، التي اشتهر بأدائها، خاصة بعد تميزه في فيلم لائحة شندلر للمخرج ستيفن سبيلبيرج. وشاركته زوجته الراحلة نفس تحفظاته فكانت قليلاً ما تجري حواراً فنياً، إلا إذا كان هناك جديد تؤديه على المسرح، وعندما طرحت عليها مجلة بيبول تساؤلاً حول حياتها العائلية، قالت باختصار إنها محظوظة بعائلتها، عاشت حياة مستقرة مع والديها، والآن لديها الزوج المحب الذي تعتقد ان كل النساء تحسدها عليه، وأبناؤها رائعون، لكنهم لا يفضلون مشاهدة المسلسلات القديمة بالأبيض والأسود، التي يحبها نيسون، ويتساءل لماذا لا تتفرجون معي؟ وهو حريص دوماً على جلسة مسائية تجمعنا معاً، ويعتبر أن تناول العشاء في المنزل، والتحدث معنا حول ما جرى طيلة اليوم من الأشياء المهمة جداً.

وأضافت انهم يفضلون البقاء في منزلهم الريفي في ميلبروك بنيويورك، وهو منزل مبني على الطراز العتيق، يرجع تاريخه إلى عام ،1810 ويقيمان فيه منذ زواجهما لأنه هادئ، وشاهد على أجمل أيامهما وذكرياتهما معا، كما ان نيسون شخص محب للهدوء، لذا كانت تعتقد أنهم لن يفكروا في الانتقال إلى لوس انجلوس حتى يكونوا بالقرب من هوليوود. وهو نفس المكان الذي قال عنه نيسون بعد وفاتها لا أعرف كيف سأدخل المنزل ولا أجدها؟

وكما كانت حياتهما العائلية دافئة ورائعة، كذلك كانت حياتهما الفنية، حيث حصلت ناتاشا على جائزة توني المسرحية عام ،1998 عن أدائها الرائع لشخصية سالي بولز في المسرحية الموسيقية كباريه، وبعدها حصل نيسون على دوره الرائع الذي ترشح عنه للأوسكار في فيلم قائمة شندلر، وعلى الرغم من أنه لم يحصل بعد على أي من جوائز الأوسكار، إلا أن أداءه وتمثيله الرائعين لا يحتاجان إلى تعليق، فكثير من النقاد يعتبرون أن مجرد وجود اسمه على أي فيلم يعني أنك أمام قصة قوية، وسيناريو محترم، خاصة فيلمه الأخير Taken، الذي لاقى إعجابا كبيراً عند عرضه العام الماضي، في أمريكا وأوروبا وحتى الصين، واكتسح شباك التذاكر الأمريكي بنجاح، واحتل قمته لأسبوعين، وشكل مفاجأة لكل النقاد الذين اعتقدوا أن سن نيسون (56 عاماً )، غير مناسب للعب دور أكشن، لكنه أثبت بأدائه المتميز ان مثل هذه النوعية من الأدوار لا تحتاج إلى رجل عملاق شديد المراس حاد القسمات حتى ينجح، لكن يكفي ممثل جيد قادر على كسب تعاطف الجمهور مع البطل.

وفي تعليقه على نجاحه غير المتوقع في الفيلم، قال نيسون في إحدى جولاته للترويج للفيلم انه الحب الذي يجعلك دائماً تؤدي أفضل ما لديك وتسعى لإدخال البهجة من خلاله في نفوس الآخرين، وأرسل وقتها تحياته وقبلاته لزوجته المحبة، التي يراها السبب الأول في أي نجاح يحققه.

إلى هنا وصل القطار بناتاشا فجأة، وترجلت منه لتترك بقية أسرتها والدتها وأختها وولديها، وزوجها المحب، يكملون الرحلة بدونها، لكنها سنة الحياة، التي تفقدنا الأحباء من دون سابق إنذار، ويبقى العزاء دائماً الذكرى الرائعة التي يتركها كل من يأتي دوره ليرحل.