إعداد: إبراهيم باهو

كم هو جميل المثل القائل: «الغريق يتعلق بقشة»، ثلاث كلمات تعبر بعمق وصدق عن عدم اليأس والتمسك بالبقاء على قيد الحياة ومجابهة كل الصعوبات الاستثنائية، واليقين في أن الإرادة قادرة على توصيلك إلى بر الأمان لتكتب لك حياة جديدة.

في كثير من الأحيان يغمر الإنسان حدس بأنه قادر على البقاء رغم صعوبة المواقف التي تعترضه، والتي ربما تؤدي به إلى الهلاك لا محالة، هنا نسرد لكم أجمل القصص لأشخاص أقل ما يقال عنهم إنهم أبطال، نجوا من النهاية المحتمة وأصروا على البقاء على قيد الحياة متمسكين بقشة الأمل، ومتسلحين بالإرادة والإصرار على تجاوز أصعب المواقف، لنستخلص منها العبر بأنه لا مستحيل أمام الإصرار وحب الحياة.

بيثاني هاملتون تهزم القرش

عندما خرجت راكبة الأمواج الأمريكية بيثاني هاملتون، وهي في ال13 من عمرها لممارسة رياضتها المفضلة في مياه البحر، لم تكن تعلم بأنها ستواجه أخطر لحظات حياتها خوفاً ورعباً. ففي عام 2003 ذهبت إلى شاطئ تانيلز الواقع في جزيرة «كاواي» في ولاية هاواي الأمريكية برفقة أصدقائها، وبينما كانت بيثاني مستلقية على لوحها، وذراعها اليسرى تتدلى في المياه، ظهر قرش «النمر» الذي يبلغ طوله نحو 4.5 متر وقضم ذراعها تحت الكتف.

هرع أصدقاؤها آنذاك إلى مساعدتها وسحبها من المياه، وفور وصولهم حاولوا وقف النزيف الحاد في ذراعها، ونقلوها للمشفى في وقت كانت فقدت نحو ٦٠% من دمها.
ومن باب الصدفة، كان من المفترض أن يخضع والد بيثاني لعملية جراحية في المستشفى نفسه الذي نقلت إليه ثم أدخلت إلى غرفة العمليات التي كان من المفترض أن يخضع والدها فيها إلى عملية جراحية في ركبته.
بقيت هاملتون في المستشفى أكثر من أسبوع، وعلى الرغم من الصدمة التي تعرضت لها بعد الحادثة، فإنها أصرت على معاودة ركوب الأمواج، واستطاعت فعلاً العودة إلى المياه من جديد، حيث مارست رياضتها المفضلة في مدة لا تتجاوز شهراً واحداً من تعرضها للحادثة.
وكجزء من عدم فقدان الثقة بنفسها وإصرارها وإرادتها القوية شاركت في سباق كبير بعد التدرب على ركوب الأمواج بذراع واحدة، وفازت بجائزة التميز في الأداء السنوي لأفضل عودة للرياضي (Best Comeback Athelete ESPY Award) في شهر يوليو/‏تموز من عام ٢٠٠٤، كما نالت «جائزة شجاعة» في جوائز اختيار المراهقين (Teen Choice Awards) خلال العام نفسه. وفي عام ٢٠٠٤ أصدرت إحدى الشركات كتاب بيثاني، «راكبة الأمواج الملهمة» أو «Soul Surfer» الذي يروي قصتها الحقيقية عن الإرادة، والكفاح لركوب اللوح من جديد، وصدر فلم وثائقي يحمل عنوان الكتاب نفسه عام ٢٠١١، مثلت فيه الممثلة الأمريكية آنا صوفيا روب دور بيثاني.

يقطع ذراعه ليعيش

هل تخيلت يوماً أن تقطع طوعاً قطعة من جسدك؟ مجرد التفكير في هذا القرار يجعلك في تخبط وقلق وارتباك وخوف، كل هذه الحالات الشعورية من المؤكد أن متسلق الجبال الأمريكي أرون لي رالستون من اسبين بولاية كلورادو، مر بها قبل أن يضطر إلى بتر ذراعه اليمنى بسكين مزدوجة غير حادة لتخليص نفسه بعدما انحشرت ذراعه تحت صخرة كبيرة.

في مايو/‏أيار 2003 وأثناء ممارسة هوايته بين جبال وصخور واد ضيق ب«كانيون» ولاية يوتا الأمريكية، هوت عليه كتلة صخرية تزن نحو 362 كيلوغراماً أعاقته عن الحركة تماماً لمدة ستة أيام، حتى ظن أنه ميت لا محال.
بعد تلك الأيام الصعبة قرر اتخاذ قرار يصعب على أي شخص اتخاذه وهو قطع يده للبقاء على قيد الحياة، وسجل تلك اللحظات المصيرية عبر كاميرا فيديو خاصة وجه فيها 3 رسائل لوالديه وصديقه المقرب، بكى كثيراً قبل أن يكسر عظام يده بسكينه غير الحاد الذي كلفه ألما بالغاً طوال 5 ساعات كان يستميت من أجل كسر عظام وعروق يده اليمنى، فصل يده عن جسده بعد جهد فائق، تحرر أخيراً حتى التقطته طائرة مروحية كانت تبحث عنه بينما يبتلعه الوادي وتحبسه الصخور.
المهندس الميكانيكي الذي ضحى بيده من أجل حياته، في مشهد يقعشر له البدن، يستخدم الآن يده الصناعية ويؤكد أنه سيواصل هوايته بيد واحدة فهو مدين لتلك اليسرى بالكثير، هي التي انتشلته وكانت وراء استمراره حياً حتى اللحظة.
وثقت تجربة أرون لي رالستون في ترجمة ذاتية من تأليفه بعنوان «Between a Rock and a Hard Place» وكانت محور في فيلم بعنوان «127 ساعة» عام 2010.

ستيفن كالاهان قاهر البحر

لم يدرك المهندس والكاتب والمخترع الأمريكي ستيفن كالاهان أنه سيصارع وحيداً لمدة 76 يوماً في عرض المحيط الأطلسي، أسماك القرش والأمواج العاتية والعواصف، وأنه سيخوض أخطر وأشجع لحظات حياته ويقطع 1800 ميلاً بقارب النجاة الصغير المتعطل ويتحمل الجوع والعطش بمغامرته لقطع المحيط الأطلسي.

بدأ كالاهان رحلته الخطرة من جزر الكناري في المحيط الأطلسي التابعة لإسبانيا في عام 1982 متجهاً إلى جزيرة أنتيغوا في جزر الهند الغربية بالبحر الكاريبي على متن قاربه الصغير «نابليون سولو» البالغ طوله ستة أمتار ونصف المتر فقط الذي صنعه بنفسه.
بعد مرور أوائل أيام الرحلة بسلام، وتحديداً في اليوم الرابع، وقعت الكارثة في الليل، عندما كان نائماً واستيقظ على سماع دوي صوت هائل عند جانب القارب، حيث هاجمت قاربه سمكة قرش أو حوت ما أحدث ثقباً في القارب، وبدأ الماء يتدفق بقوة إليه.
لم يكن لدى ستيفن الكثير من الوقت للتفكير لذلك استطاع الهروب عن طريق قارب مطاطي يبلغ طوله 6 أقدام، واضعاً فيه ما يبقيه على قيد الحياة، منها 8 غالونات ماء، وخيط لصيد الأسماك، وخرائط ملاحية، وأقلام رصاص ومشاعل وخلايا شمسية لتنقية مياه البحر، وإمدادات طعام تكفي لأيام قليلة ومسدس لصيد السمك.
إلا أن ما أخذه من طعام نفد بسرعة وبدا البحر خالياً حتى من الأسماك، ومع مرور الأيام بدأ بتجميع «البرنقيل»، الحيوان المفصلي المائي من المياه ليضعه على الجزء السفلي من زورقه المطاطي الأمر الذي أخذ يجذب الأسماك الصغيرة.
في اليوم الثالث والأربعين غمر كالاهان اليأس عندما أحدثت سمكة فجوة في زورقه، حيث استشعر بأنه مهدد بالغرق والموت لأن أسماك القرش أحاطت به، مستذكراً أنه بدأ بالصراخ مثل الطفل، بدأ بعدها محاولات يائسة ليصلح الفجوة باستخدام خيط الصيد وشوكة، وبجنون خلال هذه الفترة، شاهد سبع سفن تمر على مسافة قريبة لكن لم ترصد أي منها زورقه الصغير.
إلى أن جاءت الليلة الرابعة والسبعين حيث رصد كالاهان بعض الأضواء من جزيرة ماري غالانتي بالبحر الكاريبي، وفي اليوم التالي عثر عليه الصيادون الذين جذبتهم أسراب الطيور التي كانت تحلق بالقرب من زورقه الذي في الأساس اجتذبته أسماك «دورادو» التي كانت تسافر معه.
بعد نجاته من مغامرته ألف كالاهان كتاباً بعنوان «Adrift: 76 Days Lost At Sea» تحدث فيه عن محنة الغرق، وأصبح ستيفن كالاهان بنجاته من تلك الرحلة المثيرة واحداً من أبرز خبراء العالم في البقاء على قيد الحياة، كما أنه أصبح المستشار الفني لفيلم المغامرات الذائع الصيت «حياة باي»، ويذكر أن مخرج الفيلم «انغ لي» وظف خبرات كالاهان مستغلاً تجربته الواقعية، ويبلغ ستيفن كالاهان من العمر الآن 63 عاماً.

بروسبيري تاه 10 أيام في الصحراء

يعتبر ماراثون الصحراء المغربية الأصعب في العالم، فمن يقرر الاشتراك فيه عليه الاستعداد لمواجهة صعوبات ربما تكون خطرة وتودي بالحياة، ولعل أكبر شاهد على هذه الصعوبة، تجربة رجل شرطة إيطالي من صقليلة عام 1994 عندما نجا بأعجوبة بعد أن تاه أكثر من 9 أيام في رمال الصحراء.

لم يكن يدرك ماورو بروسبيري أنه لن يصل إلى خط النهاية كباقي المتسابقين عند بدء السباق، ولم يتخيل أبداً أنه سيجد نفسه في اتجاه خاطىء، والسبب في ذلك عاصفة رملية دفعته للابتعاد عن مسار السباق، وعلى الرغم أنه كان يملك بوصلة، إلا أن عدم قدرته على تحديد نقطة مركزية تساعده على تحديد موقعه جعله يبتعد كثيراً ويجد نفسه وحيداً في رمال الصحراء القاحلة.
في تلك الأثناء تسرب الخوف في نفس ماورو إلا أنه وبالرغم من ذلك ظل متماسكاً بإرادته القوية وهذا كان مهماً للغاية حيث دفعه ذلك للتفكير والتركيز بإيجابية، ضل الشرطي الإيطالي طريقه نتيجة العاصفة القوية إلا أنه أصر على الاستمرار حتى وجد شجرة احتمى بها إلى أن هدأت العاصفة.
من أكبر المشكلات التي واجهت ماورو كيفية الحصول على الماء والطعام، لذلك لم يجد بديلاً عن الاستعانة ببوله وأكل الثعابين، وكان ذكياً إذ كان يسترخي طوال النهار، لتفادي حر الشمس، ويستأنف السير في المساء والصباح للحفاظ على طاقته.
بعد ثلاثة أيام من السباق اعترضته عاصفة رملية أخرى دامت نصف يوم، إلى أن وجد نفسه أمام مسجد مهجور، هرع نحوه وبرقت عيناه فرحاً وهو يجد بعض الطعام، لكن يتعين عليه صيده، إذ لم يكن ذلك الطعام سوى بعض الخفافيش، التي كان يفصل رأسها عن بقية الجسد فيشرب دمها قبل أن يتغذى على لحمها نيئاً. فقد ماورو الأمل مع مرور الأيام، فقرر أن يضع حداً لحياته، محاولاً الانتحار بقطع شرايينه لكن المفاجأة أنه لم ينزف سوى بضع قطرات لتجف الدماء بعدها بسرعة، لافتقاد جسده للسوائل.
ثم حاول من جديد البحث عن سبيل للعودة، إلى أن وجد نفسه أمام إحدى الواحات ومكث فيها يومين إلى أن مرت قافلة من الرحل بالواحة، وحملته إلى مستشفى قريب من المنطقة، مكتشفاً أنه في الجزائر، وقطع أكثر من 300 كم بعيداً عن مسار السباق، وفقد 18 كيلوغراماً من وزنه. لم يستسلم ماورو وعاد وشارك في الماراثون الصحراوي في المغرب عام 1998 ونجح هذه المرة وبسلام.

سيمبسون وسيمون والحبل الرفيع

في العام 1985 قرر المغامران البريطانيان جو سيمبسون وسيمون ياتيس تسلق جبل «سيولا غراندي» في مرتفعات الأنديز في البيرو البالغ ارتفاع أعلى قمة فيها نحو 6344 متراً، وبعد نجاح مغامرتهما ووصولهما إلى القمة بدأ بالانحدار، هنا حدثت الكارثة عندما انزلق سيمبسون بشكل مفاجئ ما أدى إلى كسر ساقه وجرح يديه، هنا حاول صديقة ياتيس سحبه من الأسفل وذلك بمساعدة حبل من قطعتين بطول نحو 90 متراً إلّا أنه لم يستطع بسبب عدم وضوح الرؤية والظروف الجوية الصعبة مع حلول الظلام واشتداد البرودة وعدم سماع زميله، وبشكل مثير للجدل قطع ياتيس الحبل الذي يربطه بصديقه ما أدى إلى سقوط سيبمسون في صدع بالجبل وأصيب بعدة إصابات، هنا ظن ياتيس أن صديقه مات فقرر النزول من الجبل وعاد إلى معسكر المتسلقين، ليلتقي برفاقه الذين ألقوا باللوم عليه، معتقدين جميعًا وفاة زميلهم، ليمضي ثلاثة أيام من العذاب مع الحزن والشعور بالذنب للتخلي عن (سيمبسون)، لكن المفاجأة أن سيمبسون كان قادراً على النزول إلى أسفل الجرف الجليدي الذي استقر عليه، حيث أمضى 3 أيام في سحب نفسه عبر 8 كيلو مترات من التضاريس الوعرة بلا طعام أو ماء وبألم شديد ليصل للمعسكر، قبل لحظات من مغادرة أصدقائه له.

هذه القصة المروعة والمشوقة للنجاة، رويت بالتفصيل في كتاب ألفه سيمبسون بعنوان «لمس الفراغ» أو «Touching the Void»، صدر عام 1988، وحول إلى فيلم وثائقي يحمل الاسم نفسه، حاز على العديد من الجوائز منها جائزة «ألكسندر كوردا» لأفضل فيلم عام 2003 في جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون الأفلام والتلفزيون (BAFTA).