(لا قيمة لنافذة لا تبصر/أشرعة الأفق/ ولا تترامي/صوب سفوح قزحية/ ومزن مثقلة الأرداف/بألوان ماء رقراق/ ولا تسمع أهداب الدنيا/ وهي تغادر/أجفان الصمت المطبق/ وتحيل الهمس ربابة/ والصخرة بالواد الميت غابة/لا قيمة لنافذة لا تغدو/ قلبا أخضر يشتاق/ لملء عناق)

أنت تقلب صفحات كتابه الرائع «الإطار المتكسر للشاعر الإماراتي ناصر جبران، يأخذك إلى عوالمه المتوهجة بالهدوء هكذا دفعة واحدة. وكما هو معروف عنه بسماحته ورحابة قلبه وسعة صدره، حيث يستقبل أصدقاءه بابتسامة معهودة تفيض على معنى واحد هو الملتزم ببوح ما هو جميل في هذا العالم، إلا أنه وبحنكة متمرس في اقتراف فعل الكتابة يحاول جاهداً أن ينفض الغبار عن وجوه تراكمت عليها بفعل الإنسان أو بفعل الأدلجة البغيضة والتي شطرت كيان الإنسان ودمرت كل ما هو جميل ولم يتبق لنا ثمة هواء في رئتنا. إذ يأتي هذا الشاعر المبدع بحسه وإيقاعه ويبث في هواء الساحة الثقافية شذى الإطار المتكسر.
والإطار المتكسر المقصود فيه أضلاعنا (أنت وأنا ونحن) وإن استقام الإطار مهدت لنا درباً نعبره باطمئنان، وهي مخفورة بالورد وتبجيل وكما أسلفت أن انحراف الإطار هو انحراف ذواتنا وانحراف بوصلة الحقيقة النابضة والساطعة في القلب الناصع الأخضر.
الشاعر والأديب ناصر جبران، إيقاع هذا الاسم مقترن بساحل عجمان وإن كنت لا أحبذ أن أقيد هذه الترنيمة بمساحة جغرافية ضيقة بحد ذاتها، إلا أن الشاعر ناصر جبران والذي يعتبر بالنسبة لنا هنا في الساحة الثقافية الإماراتية رمزاً -تفوق أن يعبر إلى مدى أكبر وأبعد من محليته ولاسيما أن ما ينجزه من خلال إسهاماته على مستوى الشعر والقصة القصيرة والرواية - تشفع له ولسيرته الأدبية أن تمتد وتأخذ في الانتشار على مستوى الوطن العربي، وكما أن التكريم اللائق الذي حظي به من خلال هذه المسيرة الحافلة ما قامت بها وزارة التربية والتعليم بإدراج قصص مختارة من إبداعه ضمن المساق الدراسي هنا في دولة الإمارات العربية المتحدة، بجانب أدباء وشعراء آخرين، لكن هذا الأمل وهذه النيران المشتعلة في أعماقه وهذه الشهوة لا تستكين إلا بإنجاز عمل أدبي يليق ويقفز به إلى عوالم الشعر بفضاءاته الرحبة بلغة غير متكلفة شفافة وحارقة - بامتياز حيث يقول في نص ملتهب بعنوان «الكرسان»: هذا الكرسي/‏‏‏الإنسان /‏‏‏أو الإنسان الكرسي/‏‏‏ حين يصيران شيئاً واحد../‏‏‏ سيان/‏‏‏ شقي هذا الكائن/‏‏‏ المتخلق/‏‏‏حين ينام/‏‏‏ وحين تلازمه الصحوة/‏‏‏ وتضيع الراحة من بين/‏‏‏أصابعه/‏‏‏ وتغيب الحكمة عبر/‏‏‏ دهاليز الحجرات/‏‏‏ ويكون الميزان الفصل/‏‏‏ لهذا الكائن المتخلق/‏‏‏ وحده/‏‏‏ لا شيء قبله/‏‏‏والكرباج /‏‏‏أداة الطاعة /‏‏‏وتدمير مدن بكاملها/‏‏‏ راحة بال /‏‏‏وفعل هين/‏‏‏ أو الموت مع الكرسي/‏‏‏ ولاعرش من/‏‏‏ بعدي/‏‏‏ أنا الكرسان/‏‏‏ الإنسان/‏‏‏ الكرسي/‏‏‏ أو الكرسي/‏‏‏الإنسان/‏‏‏سيان).
كعادته أجده هادئاً مبتسماً يركن وحيداً في زاوية مقهى رابضاً على لسان الساحل، يأخذك بالأحضان دون تكلف يفتح قلبه لك، قلبه عليك - أيها الإنسان؟
وجل ما يحدثك عنه هذا الشاعر المسكون بالإبداع هو انشغاله بهموم وقضايا الإنسان العربي، الإنسان المهمش والمغبون لذا لا تغيب شمس الحكمة وشمس التأمل بين كلمات نصوصه واضعاً الإصبع على الجرح الذي لا يندمل واضعاً كرامة هذا الإنسان وآماله وتطلعاته وحقه في العيش كما يليق به، معنى ذلك أنه لا يطالب أو يدعي الفضائل الكبرى سوى الكرامة ومحاربة التخلف والغطرسة وكنس الظلم من الطرقات والشوارع وفي بطون المكاتب التخمة وإيقاظ هذا (الكرسان) من غفلته وسباته العميق وحرمانه من لذته (الأبيقورية) التي طالما لن ولم تصمد وتركن في النهاية إلى أقرب سلة للمهملات. كذلك حين نقرأ هذا النص الناري (ماء) حيث يعري الذات البشرية المتعجرفة والمتغطرسة ويعيد الأسئلة الأولى إلى الأذهان (ماء/‏‏‏ والهمزة شفرة الأسرار/‏‏‏ وهذا الصخب الرقراق/‏‏‏ المتسرب مثل عروق/‏‏‏شفاف روح/‏‏‏تتغلغل خارطة/‏‏‏الأرض والأحياء/‏‏‏وهذا الإنسان/‏‏‏الكائن النطفة الدمعة/‏‏‏ مغمور. معمد قبل قماطه/‏‏‏وكل دبيب أنفاسه/‏‏‏ماء/‏‏‏ وإلى آخر نبض فيه/‏‏‏ وحين يموت/‏‏‏ يخضب ببقايا/‏‏‏عطر في دنياه /‏‏‏ثم يلف/‏‏‏ مثل قماط الأمس/‏‏‏كفنا/‏‏‏ ويرش على تربة/‏‏‏مثواه /‏‏‏ماء/‏‏‏ يارب/‏‏‏ يا من أكرمنا /‏‏‏ترى من يغسل الماء/‏‏‏ ويعمده/‏‏‏إلا إياك وحدك/‏‏‏ولا شيء سوى/‏‏‏ دم شهيد ما/‏‏‏ يمهر جباهنا الملوثة/‏‏‏ بكرامته الطاهرة/‏‏‏ نقاء/‏‏‏ ماء) كثيراً ما أفتقده، لكن موقناً بأنه خلد إلى صمته وإلى عوالمه وعلى طريقة الصوفيين واتباع الطرق ساهماً في التأمل ومترصداً لما يجري من حولنا من انكسارات وتهشيم للقيم والمبادئ.

شرارة الشعر تندلع من تلك اللغة وتلك المعاني العميقة وبحس إنسان يرى الكون وفق منظوره حيث يقول في (بائعة الأساور): مساء/‏‏‏تحتل خريطة المكان/‏‏‏ امرأة تتحاشى الشمس/‏‏‏المنزلقة بأهداب/‏‏‏العين/‏‏‏وأشجار البلوط/‏‏‏أناملها تلعب بخيوط/‏‏‏الكتان/‏‏‏فيما الكرات الملونة/‏‏‏تتضاءل في يديها/‏‏‏أشكال أساور/‏‏‏تتوقف الوجوه عند/‏‏‏خفتها الأنيقة/‏‏‏منخطفة بالوقت/‏‏‏والأسورة تأخذ دورتها/‏‏‏تتبعها اسورة/‏‏‏ تتأملها العيون. تتفحص/‏‏‏ ما ارتسم على خديها/‏‏‏ المقلوبين/‏‏‏ إنها تحمل وجه/‏‏‏ شريط واحد/‏‏‏ اقترب منها أنا الآخر/‏‏‏ أسبح في عطر نسيج /‏‏‏الأسماء/‏‏‏ وهمس يديها/‏‏‏ وخارطة الأوطان/‏‏‏ وأعود بذاكرتي الحاضرة المرة/‏‏‏ تتأملي /‏‏‏ أدنو منها/‏‏‏ تسألني/‏‏‏بماذا تأمرني /‏‏‏تسألني/‏‏‏ بماذا تأمرني/‏‏‏أيها الصافن في حيرة؟ /‏‏‏هل اكتب اسمك/‏‏‏ أو أرسم لك وردة/‏‏‏ أو أنقش اسما آخر لصديق/‏‏‏عشيقة. حبيبة. أما. عما../‏‏‏ ماذا يخطر بالبال/‏‏‏انو/‏‏‏ فقط انو وتوكل/‏‏‏اصفن ثانية/‏‏‏ اقلب جمرات العمر/‏‏‏اسمع ما يشبه همسا/‏‏‏ماذا قلت بربك/‏‏‏تسعفني/‏‏‏أرد عليها بأ ن/‏‏‏لا شيء/‏‏‏سوى إني أتذكر/‏‏‏حبيباتي/‏‏‏قالت/‏‏‏ هل كن من الكثرة/‏‏‏ بهذا القدر/‏‏‏قلت:نعم/‏‏‏تحتاجين لمقدار عمري/‏‏‏ اعماراً/‏‏‏ ولعمرك اضعافاً/‏‏‏ اضعافاً/‏‏‏ وتحتاجين لشريط/‏‏‏ من هذا الكتان الماثل/‏‏‏ بين يديك/‏‏‏ بطول ضفاف/‏‏‏ البحر/‏‏‏ قالت/‏‏‏ أعرف عن جانيت وجولييت/‏‏‏ وكليوبترا/‏‏‏ وشهريار وشهرزاد/‏‏‏ وقيس وليلي وعبلة/‏‏‏ لكن اعذرني/‏‏‏ لم اسمع عنك/‏‏‏ قلت/‏‏‏ أنا أهوى الدنيا/‏‏‏ وحبيباتي/‏‏‏ظبية وخولة وطفول وجميلة وكلثم/‏‏‏ وأسماء مواقع/‏‏‏ وقرى ومدن وأمصار/‏‏‏ بعضهن تعرفت عليهن/‏‏‏ قبل مجيئي للدنيا/‏‏‏ وأخريات/‏‏‏ ما بعد القرن الفائت/‏‏‏ وكن/‏‏‏وكن/‏‏‏وكن/‏‏‏ أكثر مما تسعفني/‏‏‏الذاكرة/‏‏‏ من الخندق وعين جالوت/‏‏‏ وهافانا ودير ياسين وهو شيء منه/‏‏‏ ولننجراد وباريس والكرامة/‏‏‏ والمكلا وبغداد وغزة/‏‏‏ وبورسعيد وكيب تاون وتطوان وطنب/‏‏‏ وطنب الكبرى ونزوى وغرناطة وطشقند/‏‏‏ وكسلا والصير/‏‏‏ وآخرهن القصير/‏‏‏ هذي التي فقأت/‏‏‏ عين السد/‏‏‏ رأيت من بين صفوف/‏‏‏الجمع الواقف/‏‏‏ امرأة/‏‏‏ تطرح عبرتها وتقول/‏‏‏ هذه ابنتي/‏‏‏ تطلب اسورة/‏‏‏ باسمها/‏‏‏فهل حققت أمنيتها/‏‏‏ سيدتي/‏‏‏كي تعبر غربتها بحرير/‏‏‏ قالت بائعة الأساور في ود/‏‏‏ اقتربي صغيرتي/‏‏‏ تعالي ما اسمك/‏‏‏ جالت الصغيرة بعينيها/‏‏‏ وابتسمت/‏‏‏ في أفق الأحضان الصامتة/‏‏‏ بفتور/‏‏‏واستلمت وجه الشمس/‏‏‏ وقالت/‏‏‏القصير/‏‏‏القصير).

الشاعر ناصر جبران يعمل على تلك الوتيرة الهادئة التي لا تثير صخباً أو ضجيجاً إلا أن هذا الفعل الابداعي يحرك شيئاً في دواخلنا الضحلة والتي بحاجة إلى مياه نقية، بحاجة إلى أشجار سيقانها متدلية بكريستال العافية، تعشش طيور الحرية بين أكتافها، بحاجة إلى هواء ينثر قرنفل، إلى طيور تسدل على نوافذ عمياء، إلى بحر متلاطم الأشواق وإلى كلمات تفيض على معنى السلام والطمأنينة. هكذا كنت موقناً وكما أسفلت بأن الشاعر ناصر جبران سوف يطلق سهامه في قلب الظلام وينبلج فجراً جديداً، فجراً يحمل معاني كثيرة تفيض بالمحبة والسلام أيها (الجنرال الكاذب).

إضاءة

صدر له ستة مؤلفات هي: «ماذا لو تركوا الخيل تمضي»، ديوان شعر-عن منشورات المجلس اللبناني الجنوبي بيروت 1986م - (ميادير) مجموعة قصصية - منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات الشارقة 1989م، وديوان (استحالات السكون) منشورات دار الحوار اللاذقية 1993، وله مجموعة قصصية بعنوان (نافورة الشظايا)، ومجموعة مقالات نشرت تحت عنوان (عطر الحقول) دائرة الثقافة والإعلام الشارقة 2003، ومجموعة مقالات تحت عنوان (محطات في حياة الناس)، (الإطار المتكسر) دائرة الثقافة والإعلام الشارقة2013، و رواية واحدة بعنوان (سيح المهب) عن منشورات وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع واتحاد كتاب وأدباء الإمارات.