أبوظبي: فؤاد علي

وليد شاب طويل القامة عمره 28 سنة يعمل حفارًا لدى إحدى شركات الحفر في الدولة، وهو مفتول العضلات تتطلب طبيعة عمله مجهودًا عضليًا لنقل المعدات الثقيلة والإمدادات، و يصل عدد ساعات العمل إلى 12 ساعة عبر ورديات متناوبة، ويبقى وليد في الموقع لمدة شهر ومن ثم يغادره لمدة مماثلة لقضاء إجازته في بلده مغادرًا عبر مطار أبوظبي الدولي، وفي آخر إجازة له قضاها مع أهله للترويح عن نفسه لأن الطقس في المواقع البحرية أو البرية للحفار تكون درجة حرارتها عالية، وعندما تبقّى له يومان من إجازته قابل مصادفة صديقًا قديمًا له هاجر إلى أوروبا وعاد لزيارة أسرته و دعاه إلى سهرة في أحد المطاعم فلبى دعوته وحضر على الموعد وجلسوا جميعاً يدخنون وشعر بأن السجائر مختلفة عن السجائر التي يعرفها، ولما أبدى لصديقه ملاحظته أخبره بأنها محشوة بمخدر الحشيش، وعلى أثر ذلك توقف عن التدخين لأنه يعرف أنها ممنوعة في الدولة وكذلك في عمله، وفي صباح اليوم التالي بدأ يستعد للمغادرة وأخذ حقيبته الصغيرة وعند وصوله إلى المطار في بلده، و في صالة المغادرين حيث بدأ في إتمام إجراءات السفر جاءه شخص لا يعرفه يطلب منه أن يقدم معروفاً له، وسأله وليد: ماذا تريد؟ فأجاب: ابنتي مقيمة في أبوظبي ومريضة وهذه الحقيبة الصغيرة فيها عقاقير طبية أيمكن أن تأخذها إليها؟ تردد وليد في الإجابة وعندما فتح شفتيه للرد، تدخل ضابط الجوازات الموجود بينهما في مطار بلده وقال له:هذه خدمة إنسانية للمسكينة المريضة ولا تخف ليس داخلها ممنوعات، وكي تطمئن ضع الحقيبة على جهاز الأشعة، وبالفعل وضعها ولم يظهر أي شيء ما شجعه على أخذها وتوصيلها إلى صاحبة الأدوية وأخذ رقم هاتفها المحمول.

صعد وليد الطائرة المتجهة إلى مطار أبوظبي الدولي، وبعد إنهاء إجراءات دخوله اتصل بصاحبة الأدوية: «السلام عليكم أنا أحمل لك الأدوية من والدك، هل أنت موجودة في المطار؟ فردت عليه: لا غداً سأتصل بك لأخذ الأدوية منك شكرًا».

وخلال خروجه لمحه رجل الضبط الجمركي وطلب تفتيش الحقائب، وبعد التفتيش الذاتي استخرج حقيبة الأدوية وداخلها 100 علبة زجاج لشراب عقار «الترامادول»، وصعق من الصدمة حين علم بمحتويات الحقيبة فهو على علم بأنها من الممنوعات في الدولة، وبسؤاله أنكر علمه بطبيعة العقار، وكل ما يعرفه أن شخصاً قابله في صالة المغادرين في مطار بلده يطلب منه معروفًا لإيصال هذه الحقيبة إلى ابنته المريضة.
وقال لهم: إن كنتم لا تصدقوني عندي رقمها تحدثوا معها بخصوص تلك الأدوية، 10 سنوات وأنا أسافر عن طريق المطار ذهابًا وإيابًا ولم أجلب أي شيء ممنوع وتأكدوا من حركة الدخول والخروج، واتصل مسؤول التحقيق بالسيدة التي أكدت كلامه بأن الأدوية تعود إليها، وطلبوا منها الحضور إلى مركز الشرطة، وحين أخبروه بأنه مقبوض عليه ووضعوا الكلبشات على يديه أيقن أن رحلة معاناته قد بدأت، ولا يدري ماذا يفعل في قضية اتهم فيها بجلب مواد ممنوعة إلى الدولة، ولا يستطيع الفكاك من التهمة فهي تحاصره من كل اتجاه، ومستقبله ضاع من بين يديه لأجل معروف عمله ولسان حاله يقول: اعمل خيرًا شرًا تلق، وخسر عمله الذي يساعد به عائلته وعقوبة هذه التهمة قد تكون السجن المؤبد، وكل هذه المخاوف والوساوس التي تراءت له وهو ذاهب إلى مقر السجن الاحتياطي لحجزه على ذمة القضية، وهو مطأطىء رأسه يذرف الدموع لعلها تخفف عليه من الضغط النفسي الذي هو فيه، وألقي القبض على مالكة المؤثرات العقلية عندما وصلت إلى المركز، وتمت إحالتهما معاً إلى النيابة العامة.
وفي تحقيقات النيابة العامة اعترفت صاحبة الأدوية التي تعمل معلمة في مدرسة خاصة بملكية الأدوية وبأنها تتعاطى «الترامادول» بموجب وصفة طبية صادرة من خارج الدولة لما تعانيه من آلام في الظهر والمفاصل، وليس لديها ملف طبي أو وصفة طبية من داخل الدولة، ومن جهته أنكر وليد التهمة وحكى ما جرى معه في المطار، لكن وجهت إليه تهمة جلب مؤثرات عقلية من خارج الدولة بقصد الترويج، واتهم كذلك بتعاطي مخدر الحشيش، ووجهت للسيدة تهمة الاشتراك مع المتهم الأول لجلب المؤثرات العقلية، لكن قوة شخصة وليد وإصراره على عدم تبعية المؤثرات العقلية له، واعتراف صاحبة الأدوية بملكيتها المؤثرات العقلية أمام هيئة المحكمة.. كل ذلك فتح له آفاقاً جديدة من الأمل والفكاك من التهمة، وكذلك صدور تقرير الطب الشرعي الذي أثبت أن المتهمة في حالة صحية جيدة بعد إجراء الفحص السريري عليها، وظهر أن حركة جذع ومفاصل الركبتين والكاحلين ضمن الحدود الطبيعية وعدم وجود انزلاقات غضروفية أو اختلال في الجهاز العصبي، وبناء عليه لا يوجد ما يستدعي تناول المورفين أو الكودايين أو الترامادول، وعليه حكمت المحكمة ببراءة وليد من تهمة جلب المؤثرات العقلية وعدم اختصاصها للنظر في تهمة تعاطيه مخدر الحشيش لوقوعها خارج الدولة، وأدانت صاحبة الأدوية و حكمت بسجنها 4 سنوات وإبعادها عن الدولة.
هكذا فرح وليد كثيراً ببراءته بعد طول انتظار ليستعد للبحث عن وظيفة أخرى بعد إقالته من وظيفته السابقة بسبب قضائه شهورًا عدة في السجن.