كانت مفاجأة مدوية عام ،1962 عندما رشحت أكاديمية العلوم والفنون الأمريكية الممثلة بيتي ديفيز لنيل جائزة أوسكار أفضل ممثله وعمرها 54 عاماً، عن فيلم What ever happened to baby Jane ، وهو أفضل أدوارها السينمائية على الإطلاق، وكان السر وراء ذلك القناعة الكاملة لصناع السينما العالمية بأن الفنانة تفقد بريقها وألقها بمجرد بلوغها الأربعين، وهو الرأي الذي نجح في فرض نفسه عقوداً طويلة حتى تغيرت المعادلة تماماً قبل عامين، حيث لم يعد عمر الممثلة العامل الحاسم في شهرتها وبقائها بدائرة الضوء على الشاشة الفضية، ولم تتراجع فقط صدقيه هذه الفرضية، بل على العكس بزغ نجم فنانات تخطين ليس فقط حاجز الأربعين بل الخمسين والستين، وقدمن أروع أدوارهن في السينما، وأفضل مثال على ذلك ميريل ستريب، وهيلين ميرين، وليزلي مانفيل، وغيرهن ممن ينتقلن من نجاح إلى آخر حاصدات المزيد من الشهرة والجماهيرية .
جاءت أفضل أعمال هوليوود في العامين الأخيرين من بطولة ممثلات تخطين حاجز الأربعين، وحافظت أسماء لامعة مثل جوليا روبرتس ونيكول كيدمان، وناعومى واتس وكيت بلانشيت، وهالي بيري وساندرا بولوك، على مكانتهن المتميزة سينمائياً سواء من حيث الجماهيرية، أو الأجور اللاتي تقاضينها، أو عائدات شباك التذاكر .
وحسب إحصائية لنقابة ممثلي الشاشة الأمريكية، قدمت الفنانات فوق سن الأربعين 11% من إجمالي الأعمال الفنية (سينما وتليفزيون) خلال عام ،2003 وارتفعت إلى 28% عام ،2009 في حين لم يتأثر الفنانون -إلى حد كبير- بعامل السن، إذ قدم في العام نفسه 42% من إجمالي الأعمال السينمائية نجوماً تخطوا حاجز الأربعين . وأسهمت عوامل عدة في مراجعة العلاقة العكسية بين عمر الفنانة ووجودها على الشاشة، أهمها النجاح الكبير لجيل من الممثلات اللاتي تخطين الأربعين، في تقديم أعمال سينمائية جذابة، وعلى رأسهن تأتي ساندرا بولوك 45 عاماً التي حازت عن فيلمها The blind side أوسكار أفضل ممثلة العام الماضي، ونجحت في أول فيلم يعتمد على بطولة نسائية فقط في حصد أكثر من 200 مليون دولار عائدات شباك تذاكر، مع استمرار الفيلم أكثر من 28 أسبوعاً بدور العرض الأمريكية، ومن بعدها حجم المبيعات الهائل للفيلم عند طرحه على دي في دي .
تضاف إلى ذلك عودة نوعية قديمة ومختلفة من الكتابة السينمائية -كانت الأهم والأبرز بالخمسينات والستينات ثم تراجعت لاحقاً- اهتمت بالمعالجات الاجتماعية خاصة الكوميديا الرومانسية، نجحت في تحقيق أرباح تجارية، كانت قاصرة لعقود سابقة على أفلام الخيال العلمي والرسوم المتحركة والأكشن، وهو التنوع الذي منح فرصة لفنانات مثل هالي بيري 44 عاماً لأداء أدوار مختلفة عامي 2009 - 2010 وأهمها FRANKIE AND ALICE الذي حازت عنه جوائز عدة، وهو اقتباس عن قصة حقيقية لامرأة سوداء تعاني تعدد الشخصيات، إحداها عنصرية بيضاء، قدمتها بيرى باقتدار وحرفية عالية، وكانت مشاهد معاناتها وهي تتنقل من نموذج إلى آخر موضع إشادة النقاد، وكان النجاح الكبير للفيلم سبباً في ازدحام جدول أعمال هذه الفنانة في العامين التاليين، حيث عرض لها هذا العام Dark tide و New year's eve ، وتصور حالياً مشاهدها في فيلمي CLOUD ATLAS ، و MOVIE 43 المنتظر عرضهما العام المقبل .
اعتبر نجاح كثير من أفلام الفنانات اللاتي تخطين الأربعين مؤشراً مهماً على رغبة المجتمع في تمثيل شريحة كبرى منه تمثلها السيدات بمنتصف العمر، وتقدمهن بكامل حيويتهن وأناقتهن، وتأكد ذلك مع الإحصائية التي أصدرتها شركة موشن بيكتشرز أوف أمريكا، وأشارت إلى أن السيدات هن الأكثر إقبالاً على الذهاب لدور العرض السينمائي بنسبة 55%، في حين يفضل جيل المراهقين البقاء بالمنازل لممارسة الألعاب الإلكترونية، أو التفاعل مع أصدقائهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي . وكان لهذه الأرقام دلالتها الخاصة التي قرأها بدقة صناع السينما في هوليوود، وتوجهوا نحو إنتاج أعمال تخاطب المرأة التي تجاوزت ال35 عاماً، وتهتم بقضاياها أكثر من أي وقت مضى، وهو ما أكده آندرو كوسوف مؤسس شركة آلكون للترفيه ومنتج فيلم THE BLIND SIDE عندما قال عكست موجة الأفلام الأخيرة نبض واقع افتقدته السينما الأمريكية أوقاتاً طويلة .
يضاف إلى ذلك دخول جيل جديد من الكوادر الفنية النسائية مختلف مجالات صناعة السينما، خاصة التصوير والإخراج، وإقبال ممثلات على خوض تجربة الإنتاج للمرة الأولى، ومنهن نيكول كيدمان (43 عاماً) التي لعبت بطولة فيلم RABBIT HOLE ، وهو باكورة إنتاج شركتها السينمائية blossom films ، وبلغت تكلفة إنتاجه 5 ملايين دولار فقط، ووضع أداء كيدمان المميز فيه كأم ثكلى فقدت طفلها الوحيد على لائحة أفضل خمس ممثلات رشحن لنيل جائزة الأوسكار العام الماضي، وعكس بجانب تجارب عدة لأخريات ذكاء خاصاً لهؤلاء الفنانات اللاتى تطورن مع الواقع بشكل مرن، وبحثن عن أفكار جديدة وجريئة تناسبهن، وكانت معظم شركات الإنتاج عازفة عنها، فقدمن أفلاماً راقية حملت معاني إنسانية جميلة .
على الصعيد الاقتصادي أيضاً، نجحت كثير ممن تخطين حاجز الأربعين في تحقيق أرباح هائلة لم يكن يتوقعها أكثر المنتجين تفاؤلاً، وأفضل دليل على ذلك فيلما ميريل ستريب (61 عاماً) الأخيران جولي وجوليا ،2009 وأمور معقدة مع أليك بالدوين ،2010 اللذان حققا 476 مليون دولار في أمريكا، و809 ملايين دولار في دور العرض العالمي .
دونا لانجلي المديرة المشاركة في شركة يونيفرسال بيكتشرز التي قامت بتوزيع الفيلمين قالت عن ميريل ستريب: إنها فنانة عبقرية، توظف إمكاناتها الفنية لخدمة الشخصية التي تقدمها، لا تشعر معها بأنك أمام ممثلة تؤدي، بل شخصية حقيقية بكل معاناتها، وأفراحها . وأضافت لقد نجحت ستريب في المحافظة على جمهورها الكبير، واجتذاب معجبين جدد في كل دور تقدمه .
ولعل هذه الآراء هي التي دفعت التكهنات للحديث عن وجود مشروع سينمائي تعتزم يونيفرسال إنتاجه ويجمع بين ميريل ستريب وساندرا بولوك وأوبرا وينفري، يكتبه ويخرجه مايكل باتريك .
الفنانة ناعومي واتس (43 عاماً) التي قدمت أفضل أدوارها العام الماضي أمام النجم مايكل دوجلاس في فيلم وول ستريت . . المال لا ينام، وفيلم اللعبة العادلة التي جسدت فيه شخصية عميلة المخابرات المركزية الأمريكية فاليري بلاك علقت قائلة لا مكان للاعتزال الآن، لم يعد الأمر كما كان في الماضي عندما كانت الأفضلية لنجمات العشرين والثلاثين، نحن موجودات بقوة ولا أنكر فضل ساندرا بولوك، وميريل ستريب في ذلك .
الممثلة تيلدا سوينتون (52 عاماً) قضت 11 عاماً حتى يبصر إنتاجها الأول النور، وحصد فيلم IAM LOVE عن قصة لسيدة تقع ضحية فضيحة عائلية النجاح، رغم أن عائداته لم تتجاوز 5 ملايين دولار، إلا أنه لفت الانتباه إلى قدرات سوينتون التمثيلية، واجتهادها في إتقان التحدث باللغتين الإيطالية والروسية أثناء أداء الشخصية .
كانت سوينتون قد بدأت مشوارها السينمائي وهي بنهاية العشرينات من عمرها، إلا أن أفضل أدوارها جاء بعد تخطيها الأربعين والخمسين، خاصة دورها في Chronicles of narnia ، وعلقت هي على ذلك بقولها بعد الأربعين يدرك الأشخاص جيداً ما يجب عليهم فعله .
أما المخرجة ليزا تشولودينكو فقد بحثت أعواماً طويلة عن شركة إنتاج تتحمس لإنجاز قصة فيلم الأطفال بخير، والسبب كان واضحاً، أن بطولته الرئيسية تعتمد على فنانتين تجاوزتا الخمسين، حتى نجحت في إقناع فيلييب هيلمان وجوردان هوريتز بإنتاجه، ولعبت بطولته جوليان مور (50 عاماً)، وآنيت بينينج (52 عاماً)، وحصد الجائزة الأولى لمهرجان صن دانس السينمائي .
لعل نمط الحياة الصحي الذي تتمتع به نجمات هوليوود يعد واحداً من أهم العوامل التي جعلتهن يحتفظن بجمال طبيعي أخاذ - بصرف النظر عن لجوء الكثيرات للبوتوكس- وبالتالي عدم ظهور التجاعيد وملامح الشيخوخة عليهن، ولم تعد النجمة فى الخمسين تبدو كهلة، كما كان الحال عليه بالماضي، ولعل أفضل مثال على ذلك الدور الذي قدمته الممثلة البريطانية ليسلي مانفيل (54 عاماً) عن امرأة لعوب في فيلم Another year ، والذي علقت عليه بقولها لكل مرحلة عمرية جمالها وطابعها الخاص، وعلى العكس يمكن أن تكون الشيخوخة سبباً في تحرير الممثلة من قيد الجمال الذي تعتمد عليه أدوار كثيرة، وأعتقد أن أفضل مثال على ذلك النجمة هيلين ميرين التي تجاوزت 65 عاماً ومازالت تقدم أعمالاً رائعة .