والقرآن الكريم في بنائه الأخلاقي للإنسان جاء بكل ما هو راقٍ ومتحضر، وسما بسلوكه فوق كل الصغائر، ورسم له حياة راقية تغلفها المعاني الإنسانية الرفيعة ليكون إنساناً سوياً، قادراً على التعايش والتعاون مع كل المحيطين به، مترفعاً عن الصغائر، متجنبا للرذائل، مجسداً صورة زاهية لدينه، ملتزما في سلوكه وأخلاقه وتعاملاته مع الناس جميعاً بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه خالقه "وإنك لعلى خلق عظيم" .
نشر القرآن الكريم من خلال نصوصه الواضحة كل ما يؤدي إلى حسن الظن وتعميق الصلات والعلاقات الإنسانية بين كل أفراد المجتمع لما يترتب على ذلك من منافع ومكاسب للفرد والمجتمع، ومن شيوع للثقة بين الناس جميعاً .
لذلك كان شعار القرآن في العلاقات الإنسانية وفي المعاملات هو: إحسان الظن بالناس، وعدم التسرع في اتهامهم من دون أدلة وبراهين إدانة واضحة، وجعل هذا السلوك السوي خلقا يحدد ملامح شخصية أصحاب الأخلاق العالية والنفوس الطيبة .
ورفض القرآن بشكل حاسم سلوك هؤلاء الذين يسيئون الظن بالآخرين ويجسدون الخطايا فيهم من دون أدلة وبراهين دامغة، كما رفض ودان سلوك هؤلاء الذين ينظرون إلى الآخرين من خلال منظار أسود، هؤلاء الذين يوزعون اتهاماتهم وشبهاتهم حول خلق الله من دون مقتضى لذلك، فالأصل عند هؤلاء أن الناس جميعاً متهمون، بل مدانون ومذنبون ومتآمرون، حيث حذر القرآن هؤلاء من غضب الله عليهم وتوعدهم بسوء العاقبة نتيجة ما يقترفون من معاصٍ وذنوب وظلم للآخرين .
فما سوء الظن الذي حذرنا منه القرآن في قول الحق سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم"؟
يقول د . طه عبد السلام خضير الأستاذ بجامعة الأزهر: الظن هو إدراك العقل للشيء مع ترجيحه، وهو كل ما لا يوثق به، فهو علم من دون يقين، وقد قسمه العلماء إلى قسمين:
- ظن سيئ، ويكون في أمور منها: توجيه اتهامات للأهل والأقارب والناس في غير محلها، وهو الذي نهى عنه القرآن في قول الحق سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا اجتبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم"، وقال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث"؟
وقد قال القرطبي في معنى الآية السابق: المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم رجلا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك عطف سبحانه النهي عن سوء الظن، بالنهي عن خصلة سيئة أخرى تؤدي في الغالب إلى سوء الظن وهي التجسس، فقال: "ولا تجسسوا"، ذلك أن الشخص يقع في خاطر التهمة ويسيطر عليه سوء الظن، فيريد أن يتحقق فيتجسس ويبحث ويستمع إلى كل ما يقال له دعما لما يسيطر عليه من وهم وسوء ظن .
ظن حسن، وأصحاب هذا الظن الحسن لا يتهمون الناس ولا يخونون أحداً، بل هم ينظرون إلى الناس نظرة ثقة وحسن ظن، وينتظرون منهم الخير حتى ولو كانوا يخالفوننا في العقيدة، وهذا هو منهج القرآن في التعامل مع أهل الكتاب، فالله سبحانه وتعالى يقول في قرآنه العظيم في شأن أهل الكتاب: "ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من أن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً"، فالقرآن يثني هنا على من يلتزم بأداء الأمانة ولو كان غير مسلم، فما بالنا لو كان مسلما فإن الثقة به من باب أولى، ولذلك فلا ينبغي لمسلم أن يخون مسلما إلا لو ظهرت أدلة خيانته واضحة وحاسمة .
تأليف القلوب
ويوضح د . خضير أن حسن الظن الذي حث عليه القرآن يؤدي إلى تأليف القلوب، ونشر الثقة بين الناس بعضهم بعضا، وكل من يلتزم بأخلاقيات القرآن في إحسان الظن بالناس وعدم اتهامهم أو تخوينهم من دون دليل أو برهان يتحقق له حياة آمنة مستقرة في مجتمع متآلف متحاب، ينطبق على أفراده وجماعاته قول الحق سبحانه: "لو أنفقت ما في الأرض ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم"، كما يسفر هذا التآلف والتحاب وتلك الثقة عما يتطلع إليه أي مجتمع إنساني، وهو التعاون والتضامن والتكافل عملا بقول الحق سبحانه: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" .
ولذلك يطالب د . خضير كل مسلم بضرورة الحرص على حسن الظن، باعتباره خلقا قرآنيا يحقق للإنسان رضا الخالق وعفوه ورحمته، كما يجلب له حب واحترام وتقدير الآخرين، ويقول: يجب على المسلم حسن الظن بالناس جميعا، لأن عدم التخلق بهذا الخلق يؤدي إلى التباغض بين الناس وانتشار سوء الظن وما يترتب عليه من نزاعات ومشاحنات وجرائم وفساد في الأرض وكم أزهقت أرواح وحرقت بيوت ودمرت مركبات وخربت زراعات بسبب شائعة كاذبة أو سوء ظن برجل أو امرأة .
واجب المسلم في كل الأحوال أن يستجيب لنداء خالقه ويتجنب سوء الظن والتجسس والغيبة والنميمة، وهو مطالب بالاستجابة لنداء رسول الله الخاتم صلى الله عليه وسلم: " . . . لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا" . فالنهي هنا للتحريم وليس للكراهة، فعلينا أن نحسن الظن بالله وبالناس، حتى يتحقق لنا وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يموتن إلا وهو يحسن بالله الظن" .
ومعنى حسن الظن بالله الوارد في قوله سبحانه: "أنا عند حسن ظن عبدي بي" أن يظن المسلم أن الله يعفو عنه ويرحمه .
من فعل الشيطان
عالم السنة النبوية د . إسماعيل الدفتار الأستاذ بكلية أصول الدين وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر يحذر من سيطرة سوء الظن على المسلم، ويؤكد أن ذلك من فعل الشيطان الذي يزين للإنسان سوء الظن بالناس واتهامهم بما ليس فيهم .
ويقسم د . الدفتار سوء الظن إلى قسمين، كلاهما من الكبائر:
- الأول: سوء الظن بالله: وهو أعظم إثما وجرما من كثير من الجرائم، لتجويزه على الله تعالى أشياء لا تليق بجوده سبحانه وكرمه .
- والثاني: سوء الظن بالمسلمين: وذاك أيضا من الكبائر، فمن أساء الظن بغيره ونسب له شراً بمجرد الظن، حمله الشيطان على احتقاره وعدم القيام بحقوقه وإطالة اللسان في عرضه والتجسس عليه وكلها مهلكات منهي عنها .
وهنا ينبه عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر إلى خطورة هذه الرذيلة، ويقول: واجب المسلم أن يحسن الظن بالله تعالى، لأن سوء الظن بالله محرم، فهو أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، ويجب عليه أيضاً أن يحسن الظن بالمسلمين، لأن سوء الظن بالمسلمين حرام، خاصة الذين يكون ظاهرهم العدالة والصلاح .
إحسان الظن
وحسن الظن كما يوضح د . الدفتار يجلب لصاحبه منافع ومكاسب عديدة، فالإنسان المسلم حسن الظن يحظى بفضل ربه، وهو عندما يحسن الظن بخالقه يكافئه الله بإجابة الدعاء، وإذا أحسن الظن بربه عندما يتوب إلى الله، يقبل الله توبته . فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا عند حسن ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" .
أيضاً من مكاسب ومنافع حسن الظن بالله، أنه سبحانه يغفر ذنوب عبده إذا أخطأ وأراد أن يتوب ويرجع إلى الله تعالى، حتى ولو عاد للذنب مرة بعد أخرى ما دام في كل مرة كان صادق العزم وأراد أن يتوب وأقبل على التوبة صادقا مخلصاً .
إن لفضيلة "حسن الظن" أثرها على استقرار حياة الإنسان في الدنيا حيث يؤدي إلى تفريج الكروب وفي الآخرة يثمر حسن الظن غفران الذنوب وبقدر حسن ظن الإنسان في خالقه ورجاء رحمة ربه ينال الإنسان من فضل الله تعالى وكرمه أكثر مما يتوقع، وعلى كل مسلم أن يوقن أن الله سبحانه قريب منه ويحقق له ما يريد .
صيانة الأعراض
الداعية الأزهري الدكتور صبري عبادة وكيل وزارة الأوقاف المصرية يذكر كل المسلمين بقول الله تعالى: "اجتنبوا كثيراً من الظن"، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن الله تعالى حرم على المسلم دمه، وماله، وعرضه، وأن يظن به ظن السوء" .
ويضيف: يجب أن يحذر هؤلاء الذين لا يتخلقون بأخلاق القرآن، فيسيئون الظن بالناس، واتهامهم بما ليس فيهم ويأخذون الناس بالشبهات .
على هؤلاء سيئي النية والقصد أن يدركوا أن الإسلام لا يقبل التجسس على الناس لكشف عيوبهم، فالإسلام دين ستر وعفو وقد تعددت تحذيرات القرآن من هذه السلوكيات السيئة .
القرآن لا يدفع الناس إلى أن يفتشوا في حياة بعضهم بعضاً بحثاً عن العيوب، وتصيد الأخطاء وتحويل الخطأ إلى خطيئة والخطيئة إلى كفر، بل هو يحض على ستر العيوب وتقديم النصيحة الصادقة لكل من به عيب لكي يصلح من حال نفسه من دون فضيحة أو تشهير أو إساءة .
على كل مسلم أن يدرك أن صيانة أعراض الناس والمحافظة على حرماتهم وسمعتهم وكرامتهم من فرائض الإسلام وواجباته الأساسية حتى تقوى صلات الأفراد، وحتى يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، وبذلك تختفي من بينهم كل سبب من أسباب الفرقة وينتفي كل ما يزرع في النفوس العداوة والبغضاء ولكي يتم ذلك، أوجب الإسلام على المسلم أن يحسن الظن بإخوانه المسلمين، فلا يحل لأحد منهم أن يتهم غيره بفحش أو ينسب إليه الفجور أو يسند إليه الإخلال بالواجب أو النقص في الدين أو المروءة، أو أي فعل من شأنه أن ينقص من قدره أو يحط من مكانته ما لم يكن هناك سبب يوجب تهمته .
لقد أمر الله بالتثبت ونهى عن تصديق الوهم والأخذ بالحدس والظن، فقال: "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً" .