قال تعالى: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكْنَنْتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سراً إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم * لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتّعوهن على الموسع قَدَره وعلى المُقتِرِ قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين * وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهنّ فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير * حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين * فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون * والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم (البقرة: 235-240) .
السؤال: لمَ أخر الإكنان عن التعريض في قوله تعالى: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم . .؟ (البقرة: 235)
- الجواب: الآية الكريمة اشتملت على بعض الأحكام المتعلقة بالعدة وأخر الإكنان (أي الإخفاء) في الذكر للتنبيه على أنه أفضل وأبقى على ما للعدة من حرمة، مع التنبيه على أنه نادر وقوعه لأنه لو قدمه لكان الانتقال من ذكر الإكنان إلى ذكر التعريض جارياً على مقتضى ظاهر نظم الكلام، والله أعلم .
السؤال: ما سر التعبير عن الوعد بالنكاح بالسر في قوله تعالى: ولكن لا تواعدوهن سراً إلا أن تقولوا قولاً معروفاً؟ (البقرة: 235) .
- الجواب: لأن مسبب النكاح الذي هو الوطء مما يُسَرّ به، وإيثاره على اسمه للإشعار بأنه مما ينبغي أن يسر به ويكتم، وحمله على الوطء ربما يوهم الرخصة في المحظور الذي هو التصريح بالنكاح . والله أعلم .
كناية قرآنية رفيعة
السؤال: ما نوع الصورة البيانية في قوله تعالى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة؟ (البقرة: 236) .
- الجواب: في قوله تعالى ما لم تمسوهن كناية حيث عبر عن الوطء بالمس، وتلك من الكنايات القرآنية الرفيعة التي تسمو بالنفوس، وتهذب الذوق والأخلاق، ومعنى الآية: لا إثم عليكم ولا تبعة من إيجاب مهر إن طلقتم النساء قبل الدخول بهن وفرض المهر . والله أعلم .
السؤال: علام يعود الضمير في أو يعفو في قوله تعالى: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح؟ (البقرة: 237) .
- الجواب: الأرجح - والله أعلم - أنه يعود على الزوج وليس على الولي على رأي بعض المفسرين، لأنه ليس للولي أن يهب مهر موليته صغيرة كانت أو كبيرة . ولأنه ليس المراد بالعقدة العقد، ولكن المراد به الأثر الذي ينشأ عن العقد وهو فكّ تلك الرابطة بالطلاق، وهذا يملكه الزوج لا الولي والآية الكريمة تقرر الحكم الإلهي بشأن النساء المطلقات قبل الدخول بهن، والمفروض لهن مهر، وذلك بأن من حق المطلقة في تلك الحالة أن تأخذ نصف مهرها إلا أن تعفو عن نصفه لزوجها أو يعفو الزوج عن حقه في نصف المهر تفضلاً . والله أعلم .
السؤال: لمَ صرحت الآية الكريمة بوجوب نصف المهر للمطلقة قبل الدخول والمقدر لها مهر وقت العقد ولم تصرح بوجوب دفعه، وذلك في قوله تعالى: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم . .؟ (البقرة: 237) .
- الجواب: لأنه ربما يكون الزوج قد قدم لها المهر كله أو نصفه أو أكثر من نصفه، فكان التعبير بالوجوب ليبين حق المطلق في استرداد ما دفعه أكثر من النصف، وليشمل وجوب الأداء ومقداره إن لم يكن قد دفع شيئاً أو دفع أقل من النصف . والله أعلم .
الصلاة الوسطى
السؤال: لماذا ذكرت الصلاة الوسطى بعد الأمر بالمحافظة على الصلوت - وهو يشملها - في قوله تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين؟ (البقرة: 238) .
- الجواب: أفردت الصلاة الوسطى بالذكر، للتنبيه على فضلها وشرفها بذكرها مرتين: مرة بدخولها في عموم الصلوات في قوله تعالى: حافظوا على الصلوات، ومرة بإفرادها بالذكر، وكأنها لفضلها ومنزلتها جنس آخر غير جنس الصلوات المأمور بالمحافظة عليها، لذا وجب التنبيه بإفرادها بالذكر، والعطف في الآية من باب عطف الخاص على العام . والله أعلم .
السؤال: لمَ عبر عن الصلاة بالذكر في قوله تعالى: فإذا أمنتم فاذكروا الله . .؟ (البقرة: 239) .
- الجواب: لأن معظم أركان الصلاة تشتمل على الذكر، وللإشارة إلى أن المغزى فيها ذكر الله تعالى، وأن الصلاة بغيره لا تسمى صلاة ولو كانت مستوفية الأركان الظاهرة . والله أعلم .
الخوف والأمن
السؤال: لماذا حذف متعلق الخوف في قوله تعالى: فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً؟ (البقرة:239) .
- الجواب: للتعميم، أي ليعم الخوف من العدو وغيره من كل ما هو ضار أو يسبب ضرراً ينتج عنه خوف . والله أعلم .
السؤال: ما سر تعليق الشرط الأول ب (إن) والثاني ب (إذا) في قوله تعالى: فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون؟ (البقرة: 239) .
- الجواب: أوثر استخدام (إن) الشرطية التي تدل على الشك في جانب الخوف للإشارة إلى قلّته وإلى ندرة حدوثه، واستخدمت في جانب الأمن (إذا) الشرطية التي تدل على تحقيق وقوع الشرط، للإشارة إلى أن حال الأمن هي الغالبة وأنها أمر محقق ثابت وأنها هي الكثرة، وأن حال الخوف هي القلة وأنها ليست أمراً مؤكداً ثابتاً بل عارضاً، وفي ذلك إشارة إلى نعمة الأمن والأمان والاطمئنان التي وهبها الله تعالى للإنسان، وأن ما يكون من خوف وجزع واضطراب هو من فعل الإنسان . والله أعلم .
السؤال: ما المراد من التشبيه في قوله تعالى: فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون؟ (البقرة: 239) .
- الجواب: المراد تشبيه هيئة الصلاة التي في حال الخوف بهيئة صلاة الأمن . هذا باعتبار (ما) موصولة، والمعنى على تقدير كونها مصدرية: فاذكروا الله ذكراً كائناً مثل تعليمه إياكم . والله أعلم .
السؤال: ما سر توسيط آيات الصلاة بين الآيات الخاصة بأحكام المعتدات؟
- الجواب: لعل السر في ذلك - والله أعلم - أن يتوسط التهذيبُ النفسي التعاملَ الاجتماعي، وليستبين المؤمن أن التقوى أساس الصلات التي تربط آحاد الأسرة، وأن التقوى لازمة لتكون روح الاتصال، وميزان الاعتدال عند قيام الحياة الزوجية وعند انقطاعها .
السؤال لمَ عبر بالحول بدل السنة في قوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج . .؟ (البقرة:240) .
- الجواب: هذه الآية الكريمة فيها وصية لأهل الميت أن يبقوا زوجة ميتهم عندهم حولاً كاملاً جبراً لخاطرها، وبِرّاً بميتهم، ولهذا قال: وصية لأزواجهم . وعبر بالحول بدل سنة، لتمام الاستفادة من المدة كاملة، فالحول فيه دلالة على التحول حتى يعود التاريخ الذي كانت فيه الوفاة، ولو قيل: إلى سنة لاحتمل أن ينتهي الانتفاع بالسكن بانتهاء السنة التي حدثت فيها الوفاة، ولو لم يحل الحول، ولذا كان التعبير بالحول نصاً في أن يمر عام كامل من وقت الوفاة على بقاء المتوفى عنها زوجها لتستفيد من السكنى والنفقة . والمشهور عند المفسرين أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهم أربعة أشهر وعشراً (البقرة: 234) . والله أعلم .
السؤال: لماذا عبر عن حق انتفاع المتوفى عنها زوجها بالسكنى والنفقة بأنه وصية وبأنه متاع في قوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج؟ (البقرة: 240) .
- الجواب: عبر عنه بالوصية، للإشارة إلى أنه حق يثبت بعد وفاة الزوج لامرأته في ماله لا على أنه ميراث، بل على أنه وصية أوجبها الله تعالى بموجب الفرقة بالوفاة دون أن يكون له أثر في قدر ميراثها في تركة زوجها . وأما التعبير عنه ب متاع فلأنه في مقابل ما للمطلقات من متاع في قوله تعالى: وللمطلقات متاع بالمعروف (البقرة:241) . والله أعلم .