إعداد:محمد هاني عطوي
لا شك أننا جميعاً عايشنا أو ربما سمعنا من هنا وهناك أن الجناة الحقيقيين لأحداث 11 سبتمبر/‏‏أيلول ليسوا من ارتكبها، أو أن الإنسان لم يحطّ أبداً بقدميه على سطح القمر، أو أن وفاة الأميرة ديانا لم تكن حادثاً أو أن الطائرة الماليزية المفقودة لم تتحطم.
والاستطلاع الذي أجرته مجلة «العلوم والحياة الفرنسية الجادة» يوضح ذلك، إذ بيّن أن الناس ليسوا بمنأى عن هذه القصص والمكائد السرية التي تحاك هنا وهناك في مكان ما، ومن جهتهم يحاول علماء النفس إثبات أن ميلنا نحو الاعتقاد بأن قصصاً ما ليست معقولة، له تفسير منطقي جداً، فأدمغتنا مبرمجة للاعتقاد في «نظرية المؤامرة». لا جديد من حيث المبدأ، فأمثلة المؤامرات الزائفة كثيرة في تاريخ البشرية، ويقول باسكال فاغنر أيجر، الباحث في علم النفس الاجتماعي بجامعة فرايبورغ في النمسا: «كان هناك دائماً شائعات عن تدبير العدو للمؤامرة في زمن الحرب أو الأزمات، لكن هذه الظاهرة الآن تأخذ منحى بعيداً للغاية».
ويجب علينا ألّا ننظر إلى المؤامرة، ولكن إلى الآليات التي تنسج عالمنا، فمنذ 5 سنوات، وعلماء النفس التجريبيون وغيرهم من المتخصصين في الإدراك عند الإنسان يدرسون هذه الظاهرة، والنتائج التي توصلوا إليها تقوض عدداً من الأفكار المنتشرة جداً، مثل الميل إلى مطاردة واكتشاف المؤامرات يستند على أنماط التفكير والصور العقلية المبتذلة، وبالتالي من هنا يأتي تأثيرها الهائل، كما أن أتباع «نظريات المؤامرة» ليسوا أغبياء ولا مجانين، بل هم في أغلبيتهم الساحقة عقلاء جداً وأصحاب تفكير سليم.
نستعرض فيما يلي أشهر نظريات المؤامرة المختلفة التالية، ونغوص خلالها لاكتشاف الأساليب التي تتلاعب في تفكيرنا لفهم أفضل لهذا الوباء العقلي الذي يجتاحنا، وللحفاظ على أعصاب باردة قبل أن نصيح: «مؤامرة».
* لو عدنا إلى ذلك العلم الأمريكي الذي يبدو أنه يحلق في مهب الريح وهو على القمر الذي لا توجد عليه رياح، سنجد أن ذلك غريب، بل إن الأمر الأكثر غرابة هو تلك السماء التي تبدو بلا نجوم، هذه الأمور الغريبة شجعت البعض على الاعتقاد بأن رائد الفضاء الأمريكي نيل أرمسترونغ لم يمشِ أبداً على سطح القمر.
ويرى جوليانو مازوني، الخبير في علم النفس الإدراكي في جامعة هال البريطانية، أن الأدلة المتراكمة منذ أوائل القرن العشرين، توجّه الدماغ البشري باستمرار نحو البحث عن أنماط في البيئة وربط العناصر فيما بينهما، فمن منا لم يرَ وجهاً أو حصاناً راكضاً في السماء، ومن منا لم يتخيل وجود وجه على البلاط أو حتى على القمر؟
ويطلق العلماء على هذه الوسيلة الإدراكية «الباريدوليا»؛ لأنها التي تدفع الدماغ إلى تحديد نمط معروف في شكل فضفاض وغير محدد مثل غيمة مثلاً، ووفقاً للنظرية الحالية في علم الأعصاب، فإن المادة الرمادية في دماغنا تعمل كمحرك احتمالي يترجم البيئة المحيطة بناء على معلومات معروفة ومشفرة.
ويبدو أن الحسابات الاحتمالية لدماغنا تعمل على الحد من المخاطر والمفاجآت حتى نخرج من دائرة إنتاج الوهم الخالص، وهو أمر تطوري مكتسب وموروث قديم عندما كان الإنسان يواجه الطبيعة العدائية.
ويبدو أن هذا الأمر كان بمثابة الضمان الآمن والفهم الأفضل للعالم، الذي جعل خيالنا يتحرر ويؤدي إلى اختراع أدوات مفيدة، فضلاً عن فن التخلص من الخطر والهروب، يقول بيتر بروغر، طبيب أعصاب في جامعة زيوريخ، إن هذا النمط الإدراكي المتأصل بعمق في الدماغ هو ضرورة تطورية، والأخطاء التي ينتجها عن طريق الإدراك الخاطئ للدماغ الذي لا يكلف نفسه عناء تصحيحها تؤدي بالبعض إلى تطوير الخرافات، وفي بعض الحالات الشك في وجود مؤامرة ما تحاك هنا وهناك، إلى درجة اعتبار أن وراء الخطوات الصغيرة الشهيرة لرواد الفضاء على القمر واحدة من أفضل الحيل والمؤامرات في تاريخ البشرية.
* اللجوء إلى النوايا السيئة: مجموعة سرية صغيرة، يطلقون على أنفسهم «المتنورين» (illuminati) إنها منظمة لا نعرف عنها شيئاً تقريباً، ولكن يبدو أنها مفعمة برغبة شرسة للسيطرة على العالم، أليس كذلك؟ حسن جداً، أعتقد أن ذلك الأمر خطأ، ولكن من أين يأتي هذا الشعور لمنظمة ربما لا تكون موجودة أصلاً؟
كل ذلك يأتي من استعداد مسبق وقوي للدماغ يدفعنا لا شعورياً إلى تفسير أصغر الإجراءات كنتيجة لنوايا كامنة تحيك عملاً سيئاً، والحقيقة أنه لا يوجد ما يثير الدهشة بالنسبة لعلماء الأعصاب الذين يعملون منذ 10 سنوات على فرضية «الدماغ الاجتماعي»، ووفقاً لهذا النهج، فإن العقل البشري شهد تطوراً جعله مهيّأ لاستباق الأحداث وعملية إدراكية أساسية للبقاء والتعاون.ويشير روبن دنبار، اختصاصي علم النفس التطوري في جامعة أكسفورد، إلى أنه في هذا السياق المنسوج من العقود الاجتماعية الضمنية، يجب أن نكون قادرين على التنبؤ بعواقب أفعالنا، وتظهر دراسات عدة أن حجم الشبكة الاجتماعية للفرد تتناسب مع حجم القشرة الدماغية الحديثة.
* الشك في المصادفات: هل كان من قبيل المصادفة اختفاء رحلة الطائرة الماليزية (MH370) في 8 مارس/‏‏‏‏آذار 2014 التي كانت تحمل 20 خبيراً تابعاً لشركة «فريسكالي» التي تعمل في أشباه الموصلات والإلكترونيات العسكرية؟ وهل كان إسقاط طائرة أخرى تابعة للخطوط الجوية الماليزية في 17 يوليو/‏‏‏‏تموز 2014 فوق أوكرانيا مصادفة؟ القائمة مثيرة للقلق، لكن سيباستيان ديغيز، الخبير في الطب العصبي النفسي بجامعة فرايبورغ،يشير إلى أن تصورنا العام للمصادفة يبقى موضع شك، إذ أثبت العلماء أن أتباع نظرية المؤامرة والمتحفظين عموماً يشكون في وقوعها، فضلاً عن ذلك فإن الدراسات الخاصة بالخرافات تبين أن الدماغ يميل إلى رصد المصادفات، وذلك بسبب غريزة البقاء التي تدفعنا للربط بين أحداث مستقلة تماماً.
* الحذر من الغرباء: من المفترض أن الخطوط البيضاء في السماء نتاج للطائرات التي تركتها خلفها أثناء التحلق عالياً، وربما نجد أن استمرارها غريب، لكن يعتقد البعض أن هذه الخطوط هي نتاج عملية لنشر المواد الكيميائية في الجو بواسطة طائرات عسكرية للسيطرة على السكان وتعقيمهم أو إضعافهم، ولكن لنتوقف عن الشطح في الخيال فهذه الخطوط الناتجة عن وجود نسبة من بخار الماء في الطبقات العليا لا علاقة لها بأي نظرية مؤامرة.
ويشير جون ويليم فان برويجن، وهو طبيب نفساني في جامعة أمستردام، إلى أن الجميع يميلون بالفطرة إلى عدم الثقة بالجماعات البشرية القوية، وليس أدل على ذلك من الدراسة الحديثة التي أجريت على 193 موظفاً أمريكياً، والتي بينت مدى أهمية نظرية المؤامرة التي يلصقها الموظفون برؤسائهم، ويرى أن هذا الإدراك يأتي في الواقع، من الإرث الطبيعي لنظامنا الإدراكي للتهديدات الاجتماعية.
* حالات الرعب تغير تصوراتنا: أحداث باريس الإرهابية التي نفذها إرهابيان مدججان بالسلاح وسط العاصمة الفرنسية نتج عنها مذبحة في مكاتب صحيفة «شارلي إبدو»، وسقوط ضابط شرطة وشرطية واحتجاز رهائن، ولكن بعد ذلك بدا كل شيء غير آمن، فالوضع بدا خارج السيطرة وبدا لكل التفاصيل معنى: هناك مهاجم نسي بطاقة هويته، وهناك مسألة مرايا لون السيارات التي استخدمها الجناة، ووجود رئيس الدولة على ساحة الجريمة في وقت قياسي، وانتحار مفوض شرطة التحقيق بعد بضعة أيام، فهل نحن أمام مؤامرة أو مسرحية مدبرة؟
هذا البحث عن معنى للأحداث يستجيب لحاجة الإنسان الأساسية وهي السيطرة على الوضع، كما تشير جوليانا مازوني من جامعة هال، فالنظام الإدراكي لدينا يحاول بمزيد من القوة استعادة السيطرة على بيئته، بتحديد سريع لأنماط ذات معنى في المجال البصري، إلا أن هذا البحث عن المعنى لا يخلو من الالتفاف والنواتج الوهمية.
- نظامنا الإدراكي يتقوقع داخل معتقداته: من يمكن أن يعتقد أن للإنسان تأثيراً في الغلاف الجوي للأرض؟ أو أن العلماء قادرون على وضع نموذج لمناخ نهاية القرن، على الرغم من أنهم غير قادرين على التنبؤ بحالة الطقس لمطلع الأسبوع المقبل؟ إنها في الواقع مؤامرة تذكرنا باللقاحات الإلزامية التي قيل، إنها تعزز من ظهور مرض التوحد عند الأطفال.
هذه مجموعة من المعتقدات غير العقلانية تبنى بشكل طبيعي جداً، والسبب يعود إلى واحدة من أكثر الظواهر الموثقة في علم النفس وتسمى «التعليل»، وهي وسيلة التأكيد في نظامنا الإدراكي الذي يميل إلى الأخذ بالحجج والحقائق التي تتماشى مع المعتقدات الأولية على حساب المعلومات التي تدحضها، ونتيجة لذلك، فإن المعتقدات الأولية لدينا تتعزز بشكل أكبر.
ويقول هوغو مرسييه، الباحث في جامعة نوشاتيل: «التحليل المنطقي البشري لا يعمل من أجل اتخاذ القرار الأفضل، ولكن لأخذ القرار الذي يمكن من خلاله إقناع الأعضاء الآخرين في المجموعة، وبهذا المعنى، يمكن أن تكون وسيلة التأكيد اختيرت عن طريق التطور».
والنتائج المترتبة على هذا الوضع في معالجة المعلومات كبيرة، ففي رؤية لعالم تحاك فيه المؤامرة، تأتي وسيلة التأكيد لتسهم في أن تصبح نظريات المؤامرة التفسير الافتراضي أو الطبيعي لكل حدث كبير، كما يقول مايكل وود، الباحث في علم النفس في جامعة كينت.

العقل أكثر المتآمرين الطبيعيين

يقول سيباستيان ديغيز، المتخصص في الطب العصبي النفسي بجامعة فرايبورغ: «لا معنى لأن ننظر إلى معتنقي نظرية المؤامرات على أنهم مرضى»، وهناك بالطبع تفسيرات عقلانية أو منطقية لذلك، فنحن نمتلك كل الآليات الإدراكية التي تجعلنا نصدق بهذه النظريات، بحسب جان ويليم فان بروجون، الباحث في علم النفس في جامعة أمستردام.
ويذهب برترام مال من جامعة براون، إلى أبعد من ذلك، فيقول: «هذا الضعف في الميل إلى نظرية المؤامرة يكمن في أكثر قدرات أدمغتنا عجباً وهي القدرة على كشف الأشكال والأسباب والمعاني والنوايا»، فعلى المستوى الدماغي، نحن مجهزون لربط عناصر تبدو لنا بعيدة ومنفصلة، ولكنها تسمح لنا بتفسير أحداث مختلفة في حياتنا، وهذا أمر تكيفي تماماً، وليس نوعاً من الخلل أو الجنون.
ويرى روبي ساتون، وهو طبيب نفسي في جامعة كينت، أن المؤامرات هي نتيجة طبيعية لطريقة تعاملنا مع المعلومات التي تصل إلينا، وتصر زميلته كارين دوغلاس على تأكيد ذلك بالقول: «دماغنا في الحقيقة هو أكثر المتآمرين الطبيعيين في حياتنا، وذلك لأسباب وجيهة ترتبط بتاريخنا التطوري».

استبعاد الأسباب البسيطة في الصدمات الكبرى

هل يمكن لأميرة أن تموت في حادث سير عادي؟ ربما يحدث ذلك، لكن من الصعب أيضاً أن يصدق البعض ذلك. وسرعان ما يغرينا الأمر في أن ننظر إلى المستفيد من هذا، لكن لماذا يكون من الصعب أن نعترف بالطبيعة العرضية لحدث بهذا الحجم؟
يقول عالم النفس روبرت بروثرتون: «صدمتنا السريعة تجعلنا نستبعد فرضية القاتل، بعد اغتيال شخصية مشهورة، أو العطل الميكانيكي البسيط الذي نتج عنه حادث تحطم طائرة».
هذا البحث عن الترابط والتفسير للأحداث، يكون أكثر قوة كلما كانت العاطفة المحيطة بالحدث كبيرة، ففي أواخر 1970، أجرى اثنان من علماء النفس الأمريكيين اختباراً لردود الفعل على سيناريو جريمة قتل ناجحة لرئيس دولة ما، وكيفية مواجهة حالة أخرى لمسؤول كبير نجا من المحاولة، وتبين أن المشاركين في الاختبار كانوا أكثر ميلاً للاعتقاد بوجود مؤامرة في الحالة الأولى عنها في الثانية.