يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود: لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها.

الحسد: هو تمني زوال النعمة عن صاحبها، وخصه بعض العلماء بأن يتمنى ذلك لنفسه.. والأصح أن الحسد: تمني زوال النعمة عن المنعم عليه سواء تمنى ذلك لنفسه أم لا.

ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم رجل آتاه الله مالا أي أعطاه إياه.. سواء كان هذا المال كثيرا أو قليلا.. فسلط على هلكته في الحق أي تغلب على شح النفس وحرصها على المال وأنفقه في الطاعات ولم يبق من شيء. والحكمة المراد بها في الحديث الشريف: القرآن.. وقيل المراد بها كل ما منع من الجهل.

الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية يوضح لنا دلالات هذا التوجيه النبوي الكريم فيقول: النعم الإلهية كثيرة لا تقع تحت حصر وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وتجاه كل نعمة واجب على المسلم أن يقوم به، وحق يجب عليه أن يؤديه، فإذا قام المسلم بما يجب عليه تجاه نعم الله، فقام بالواجبات، وأدى الحقوق، وشكر الله المنعم الوهاب، كان أهلا لزيادة النعم، ولرحمة الله ورضوانه، فهو بهذا قد أدى ما يمليه عليه إيمانه الصحيح من الشكر لربه.. أما إن تمرد ولم يؤد ما عليه، فقد جحد النعمة، وأخذ في أسباب الكفر بها، وعندئذ ينتظره العذاب الأليم.

نعمتان جليلتان

ومن أجل النعم الإلهية نعمتان، تتعلق الأولى منهما بما هو قوام الحياة الدنيا، وتتحقق بها ممارسة العمل والكسب والمعاش وهي نعمة المال.

وأما الثانية: فتتعلق بما هو قوام الدين، وعلى ضوئه يكون موقف العبد يوم لقاء الله، وهي نعمة الحكمة. ويتجه الحديث الشريف في توضيح هاتين النعمتين كما يقول الدكتور هاشم اتجاها يحرك الأشواق الكامنة إلى معالي الأمور، والتنافس الشريف المحمود إلى مكارم الأخلاق، ومحامد الفعال، فيقول لا حسد إلا في اثنتين.

والحسد قسمان: حقيقي ومجازي. فأما الحسد الحقيقي: فهو تمني زوال النعمة عن صاحبها سواء تمنى أن تكون النعمة له أم لا، ومتى تحقق هذا النوع فهو حرام بالإجماع قولا كان هذا الحسد أو فعلا أو تصميما، واستثنى العلماء من ذلك ما إذا كانت النعمة لجاحد أو فاسق يستعين بها على معصية الله عز وجل.

وأما النوع الثاني من الحسد فهو المجازي وهو المراد في هذا الحديث فمعناه الغبطة، وهي أن يتمنى مثل النعمة التي لغيره من غير أن يتمنى زوالها عن صاحبها، وهذا النوع يسمى منافسة، فإن كان في الطاعات فهو عمل محمود منه فليتنافس المتنافسون وإن كان في المعصية فهو الحرام، وقد حذر منه الرسول بقوله .. ولا تنافسوا وإن كان في الأمور الجائزة فهو مباح.. فالحديث الشريف يبين لنا أنه لا غبطة أعظم ولا أفضل من الغبطة في هذين الأمرين: الأول: رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق.. وتعبير فسلط يدل على قهر شهوة النفس البشرية التي طبعت على الحرص الشديد، وأن المؤمن الذي يثق بما عند الله، هو من ينفق ماله على هذه الصورة، وعبر بقوله هلكته أي هلاكه لبيان أنه لا يبقي شيئا منه.

ضوابط الإنفاق

ويضع الحديث الشريف ضابطا مهماً من ضوابط إنفاق المال على هذه الصورة هو قوله عليه الصلاة والسلام في الحق أي في الطاعات والوجوه المشروعة، ليزيل ما قد يلتبس على بعض الأفهام من الإسراف المذموم، والتبذير المنهي عنه في قوله تعالى: ولا تبذر تبذيرا.

ولا يغيب عن أذهاننا أن تقييد الإنفاق في الحق يحتفظ لصاحب المال بجانب كثير منه، ليؤدي واجباته، ويقوم به على رعاية أهله ومن تلزمه نفقتهم.

كما يشترط في هذا المال الذي يغتبط عليه صاحبه كما يقول علماء الحديث أن يكون مجموعا من الحلال، لا غش فيه ولا شبهة، وهذا الشرط واضح في قوله عليه الصلاة والسلام رجل أتاه الله مالا فإسناد الإتيان بالمال إلى الله يشير إلى أنه رزق منه سبحانه، قد ساقه للعبد جزاء وفاقا.. أما إن اكتسب إنسان مالا من حرام أو شبهة، وحاول أن ينفق منه في سبيل الله أو في أي عمل من أعمال البر، فإن إنفاقه منه غير مقبول، ولا غبطة في هذا المال.. قال عليه الصلاة والسلام: لا تغبطن جامع مال من غير حله، أو من غير حقه، فإنه إن تصدق به لم يقبل منه وما بقي كان زاده إلى النار.

لكن: ما أفضل النفقات؟ وبمن يبدأ الإنسان أولا؟

يقول الدكتور هاشم: عن هذا السؤال يجيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله.

هذا هو منهج الإسلام في الإنفاق، فبعد إخراج حق الله تعالى من المال، يبدأ بنفسه ثم بمن يعول ممن تلزمه نفقتهم من أهله، فالإنفاق على الأهل مقدم على غيره، ففي الحديث: دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك.

ويجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة على القريب الفقير مضاعفة الأجر فهي صدقة وصلة فيقول صلى الله عليه وسلم: الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة وبعد الأهل وذوي الرحم يأتي دور الإخوان والأصدقاء.

تدارس القرآن

والأمر الثاني الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها هو القرآن الكريم فهو الذي يغبط عليه الإنسان.. وقيل المراد بالحكمة: كل ما منع من الجهل وزجر عن القبح.. وفي حديث آخر ما يفيد المراد بالحسد المذكور، وهو الغبطة على القرآن.. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه: لا حسد إلا في اثنتين رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار فسمعه جار له، فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل.

وتعليم القرآن المشار إليه في الحديث ليس هو كما يفهم كثير من الناس مجرد تحفيظ القرآن أو بعض آيات منه.. فحفظ كتاب الله مطلوب ومحمود ومأجور عليه لا خلاف في ذلك.. لكن المراد بالتعليم هو ما عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده.

ومعنى تدارس القرآن كما يقول الدكتور يوسف القرضاوي محاولة التعرف على ألفاظه ومبانيه، وعلى مفاهيمه ومعانيه، وما يرشد إليه من العبر، وما يدل عليه من الأحكام والآداب.

فلا يكفي في تعلم القرآن، أن يحفظ الإنسان سطوره ويستظهر آياته، ثم لا يفهم لها معنى، وإن كان مثابا على مجرد الحفظ والاستظهار حسب نيته، وإنما عليه أن يفهم ما استطاع ماذا يريد الله منه.

والآية التي يتعلمها المسلم ستكون نورا وبرهانا له يوم القيامة، كما بشرنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الصحيح بقوله: من تعلم آية من كتاب الله، استقبلته يوم القيامة تضحك في وجهه.