بدأت النهضة العربية الحديثة منطلقة من المشرق العربي وتحديداً من أماكن أصبحت بمرور الزمن تشير إلى مراكز ثقافية تقليدية في وطننا العربي كالقاهرة ودمشق وبيروت، وأصبحنا نقرأ أسماء عديدة حفرت تاريخها في وجدان المثقف العربي ينتمي أغلبها إلى تلك المراكز والذاكرة لا يمكنها ترديد مئات من تلك الأسماء في حقول الفكر والأدب والفن ولكن منذ عقود قليلة فوجئنا بنهضة ملحوظة في المغرب العربي وباتت أسماء كالجابري والعروي وأركون وعبدالكبير الخطيبي وهشام جعيط وغيرهم دلالة على هذه النهضة ومؤكدة لها. في المقابل يشعر المتابع بصعوبة في تذكر أسماء مشرقية لامعة ومؤثرة كتلك الأسماء المغاربية. ونظراً لأهمية الموضوع تحدثنا مع عدد من المثقفين العرب لمعرفة هل تحول الأمر إلى ظاهرة تتمثل في صعود المغرب وهبوط المشرق؟

المفكر الطاهر لبيب اعتبر أن هناك نوعاً من الحيوية الفكرية التي تبدو أكثر نشاطاً وحضوراً في المغرب العربي في مجالات معينة مقارنة بالمشرق. وقال هذا يعني بالمقابل أن هناك في المشرق حيوية في مجالات أخرى. نستطيع القول إن كل ما يتصل بالخطاب والأجهزة المفاهيمية والإبستمولوجيا وتساؤل المعرفة حول ذاتها.. تبدو أنشط في المغرب العربي، في حين أن المشرق أكثر نشاطاً في ما يمكن أن يُدعى، وبقطع النظر عن قيمته، الفكر السياسي والعمل السياسي. وهذا عائد إلى اسباب تاريخية معروفة. فالمشرق تورَّط بالمعنى الإيجابي والنبيل في مسائل وأحداث سياسية لم تنقطع، بينما كان تاريخ المغاربة أكثر استقراراً. مثال على هذا: حالة المفكر الإيطالي غرامشي، نلاحظ أن المغاربة جعلوا منه مثقفاً بالدرجة الأولى، فاهتموا بالمثقف التقليدي والمثقف العضوي والعلاقة بالسلطة من وجهة نظر معرفية وتحليلية، بل إن الحركات الإسلامية في المغرب كانت سباقة إلى الاهتمام بغرامشي والاعتماد عليه في الدفاع عن مثقفها التقليدي الذي أرادت أن تجعله عضوياً، في حين أن غرامشي في المشرق ظل مناضلاً بالدرجة الأولى. غرامشي في المغرب هو: ما العمل؟ وغرامشي في المشرق هو: كيف نعمل؟.

وهذا المثال ينطبق على ماركس أيضاً وغيره من المفكرين الكبار. المشرقي عموماً يدافع عن التوجه السياسي، في حين المغاربي يبحث عن الخطاب عند هؤلاء.

وقال لبيب عندما نعود إلى التاريخ، نجد أن العلوم الانسانية، والاجتماعية بشكل خاص، اتخذت مسارين مختلفين في المشرق والمغرب. وهذا لا علاقة له بكفاءة هذا الطرف أو ذاك. بل له علاقة بالمرجعية. الشرق: مرجعية أنغلوساكسونية. والمغرب: فرانكفونية وفرنسية بالدرجة الأولى. وشاء التاريخ الحديث ألا يكون هناك تداخلٌ أو تبادل بين الطرفين، فنشأ نوع من النسق المغاربي في التفكير والتحليل، وآخر مشرقي. وأؤكد مجدداً أن ليس لهذا دلالة على تمايزٍ. عندما نأخذ مؤلفات مشرقية وأخرى مغاربية، سنجد أن المصادر والمرجعيات مختلفة. والاختلاف مصدره هو المرجعية وليس الاختلاف في الجهد والاجتهاد. هذان النسقان يعكسان التبعية وليس اجتهاد وطموحات كل طرف.

وأضاف لبيب بنوعٍ من المجازفة، نستطيع القول إن هذا الاختلاف هو بين فرنسا من جهة وأمريكا وبريطانيا من جهة أخرى. إذن، التباعد بين النسقين، من دون أن يكون هذا حكم قيمة، هو تباعد بين مرجعيتين. عندما نتحدث عن شيخوخة، فأنا أرى أن هناك شيخوختين. شاخ المغاربة، والمشارقة شاخوا أيضاً. ولكنهما شيخوختان مختلفتان بحكم المرجعيتين. والسؤال هو: كيف شاخا؟ بينما المرجعيتان لا زالتا تتطوران؟ أعتقد أن العامل الحاسم في شيخوخة الطرفين هو عدم متابعة المرجعيتين اللتين يتبعانهما. تخلّف الطرفان عن المرجعية بمعنى المسافة المعرفية، ولكن من دون قدرة على إنتاج معرفي خاص. لا استطاعا الالتحاق بمن هما تابعان لهما، ولا استطاعا انتاج معرفة محلية متطورة. عندما تقول لي إن المشارقة شاخوا أكثر، أوافقك الرأي، وهذا ما أسمعه باستمرار من زملاء مشارقة ينظرون بإعجاب إلى التجربة المغاربية. ولكن هذا يحتاج إلى تفسير وتبرير. ما يبدو فرقاً بين الشيخوختين: واحدة مشرقية طاعنة أكثر، سببها أن العلوم الانسانية بشكل عام، وخاصة الاجتماعية منها، ذات صيرورة إمبيريقية تجريبية في المشرق، متأثرةً بحكم التبعية المرجعية، في حين أن المغاربة تأثروا بالتنظير الفرنسي. عندما تباعد الطرفان عن المرجعيتين، ولم يُنجزا إنتاجاً معرفياً خاصاً بهما، تعرَّت الإمبيريقية بسرعة أكبر من التنظير، حيث كشف ذلك عن سطحية. كل ما هو إمبيريقي عجز عن بناء نماذج متماسكة انطلاقاً منه. في المغرب العربي، التخلف عن المرجعية عرّى الواقع ولم يُبقِ سوى بقايا تنظير. الفارق أن التنظير أكثر لمعاناً من التجريب، لأنه يقوم على جدال وممارسة فكرية أكثر من العمل الإمبيريقي، علماً بأن المغاربة أنتجوا بالفرنسية أكثر مما أنتج المشارقة بالانجليزية. وهذا جعلهم أكثر متابعةً وقدرة على المتابعة مما هو متاح لدى المشارقة.

ويواصل لبيب اليوم هناك خوف حقيقي من تراجع أكثر للعلوم الانسانية والاجتماعية، لأن ثمة توجهاً واضحاً نحو الانغلاق. وإذا انغلقت العلوم، سيكون تطورها مستحيلاً. وهذا يعود إلى عوامل خارجية أحياناً، كما هي الحال حين تغلق أوروبا حدودها بوجه العرب بحجة الأصولية. وها هم يشهرون أصولية جغرافية في وجهنا. وهذا ما يميز بين الجيل السابق والجيل الحالي من العاملين في هذا الحقل. العالم اليوم ينتج أجيالاً مغلقة حتى في المغرب العربي. المفكر العربي الذي يُدعى إلى نشاط ما في الغرب عليه أن يتحمل إهانات السفارات التابعة للدول التي هو مدعوٌّ إليها لكي يحصل على تأشيرة دخول. الجيل الجديد يعاني من الانغلاق والعداء من قبل المرجعية الغربية، وهذا يجعل الفكر الناتج عن مشاريع وتجارب هذا الجيل يزداد تخلفاً... وهذا يعني، في النهاية، جرعات إضافية من الشيخوخة التي نتحدث عنها. وهي شيخوخة لا يسلم منها المشارقة ولا المغاربة. فالطرفان هما شيء واحد في مرآة المرجعية.

صور نمطية

وقال الشاعر عباس بيضون: الصورة العامة لحال المشرق العربي ومغربه تبدو مائلة لمصلحة الطرف الثاني، خصوصاً إذا حصرنا الكلام على حقول الفكر الفلسفي والنقد الحديث والعلوم الإنسانية والاجتماعية. ولكن هذه الحيوية لا تعني أن المشرق لا يُنتج جديداً في هذه الحقول نفسها. صفة الشيخوخة المقترحة لوصف حال المشارقة مقارنةً مع شباب وحيوية حال المغاربة، لا ينبغي التعامل معها على أساس أنها مسلمة أو معطى بديهي. الأرجح أن الفارق موجود في كمية المنتوج الثقافي ونوعيته في آنٍ واحد. لدى المغاربة أنساق وأطروحات فلسفية وفكرية، مصحوبة بممارسة جِديَّة ومتواصلة في حين أن هذه الأنساق غير واضحة المعالم في المشرق العربي، فضلاً عن أن الممارسة المشرقية تبدو متقطعة في أكثر من موضع وأكثر من أطروحة. البعض قد يردّ السبب إلى قرب المغاربة ومجاورتهم للمشهد الأوروبي، وخصوصاً فرنسا، حيث تصلهم آخر المستجدات والمساجلات في شؤون الفكر والفلسفة. وإذا تتبعنا هذا التأويل، سنجد أن ما يحضر ويُناقش في ممارسات المغاربة مختلفٌ بهذا المقدار أو ذاك عما يحضر ويُناقش لدى المشارقة. كما أن تكوين المفكرين والمثقفين المغاربة أنفسهم يعود إلى اتصال متين وقوي بالفلسفة والفكر، بينما يتدخَّل الشعر والأدب عموماً في تكوين المشارقة. ربما هذه الصورة المتداولة غير دقيقة أو خاطئة كلياً، إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل الفكرة السائدة عن المشرق الشاعر والمغرب المفكر. حتى إن البعض يُعيد هذا التصور السائد إلى جذور تاريخية، فالمغاربة بحسب هؤلاء هم أحفاد ابن خلدون، ومن الطبيعي أن تصلهم المذاقات التأسيسية لعلم الاجتماع، ومن الطبيعي أيضاً أن يربطوا إرثهم القديم مع التطورات التي مرّ بها هذا العلم. بحسب الكثير من المحللين، يبدو هذا العامل حاسماً، إلا أننا مرة أخرى- ينبغي ألا نكتفي بالصور العمومية التي غالباً ما تتجاهل التفاصيل والجزئيات، وتجعلها خارج رؤيتنا الصحيحة لها.

وأضاف بيضون إن أي شهادة قائمة على هذا النوع من العوامل العامة وغير الممحَّصة بعناية، ستكون شهادة غير عادلة وغير دقيقة. هناك حيوية وتواصل في المغارب. هذا صحيح إلى حد ما. ولكن هذا يجب ألا يعني أن الشرق، في المقابل، شائخ ومتأخر. القصد أن الفرضية الأولى يجب ألا تعيش بنفي المعنى نفسه عن الفرضية الثانية، وكأن إحداهما تحدد مصير الأخرى. المغاربة يمتلكون صورة أو مشهداً أفضل في العلوم الانسانية والاجتماعية. حسناً، على الذين يذهبون إلى هذا الرأي أن يبحثوا عن أسباب أخرى أكثر عمقاً وتعقيداً. لعلنا حينها نعثر على أسباب حقيقية للفارق الحاصل بين الطرفين. وفي النهاية، ماذا إن كان هذا المشهد يعكس واقعاً قائماً؟ لماذا علينا أن نستخدم لغة الندب والتهويل؟ لماذا لا نبحث عن حيوية مختلفة. لماذا لا نفكر في حقول وميادين أخرى؟.

نهضة تعليمية

ورأى د. سعيد توفيق أستاذ الفلسفة في إحدى الجامعات المصرية أنه لا نستطيع أن نتحدث عن الثقافة باعتبارها أحادية الأبعاد، وقال: إذا أردنا تأمل الوضع الثقافي في بلاد المغرب فيمكننا أن نرصد حالة من الصعود في مجالات بعينها تتجلى في تدفق الدراسات الخاصة بالعلوم الإنسانية بشكل عام والإنتاج الفلسفي على وجه الخصوص، هذه النهضة مردها في الأساس إلى التمكن من اللغة الفرنسية التي ساعدت الباحثين والأساتذة المغاربة على الاطلاع والمتابعة للإنتاج الثقافي الأوروبي مباشرة وفي مصادره الأصلية.

ويشير د. توفيق إلى النهضة التعليمية التي شملت تونس والمغرب بشكل خاص خلال العقود الأخيرة في مقابل حالة التردي التعليمية التي ميزت الفترة الزمنية نفسها في بلدان المشرق العربي وفي مقدمتها مصر فبعدما كان الأساتذة المصريون يعارون إلى تلك الدول وغيرها لينهل أهل تلك البلاد من علمهم وثقافتهم وبعدما أسهموا في تشكيل أجيال جديدة من الباحثين شهد ربع القرن الأخير تراجعا هائلا في ذلك الدور المصري، في الوقت الذي بدأت فيه الأجيال المغاربية الجديدة تتخذ طريقها، وتثبت حضورها على ساحة البحث والدراسة في مجالات الإنسانيات على وجه الخصوص، إذ توفر لهم الدراسة على أيدي أساتذة عظام للفلاسفة ودعموا ذلك بتواصلهم مع الغرب عبر التمكن من اللغة.

أما في مصر بحسب د. توفيق فقد انقطع جيل الرواد ولم يحل محله إلا حالات فردية لا تصنع ظاهرة، والملاحظ أن ذلك التراجع النقدي الفلسفي في المشرق واكبه ازدهار في مجال الإبداع الأدبي بأشكاله المختلفة، لأن الإبداع الأدبي لا يرتبط بالتمكن من الترجمة عن الآخر، ولا يخضع للظرف السياسي أو الاقتصادي، بل أحيانا ما يمثل تعقد ذلك الظرف دافعا مهما للإبداع على عكس ما يحدث في بقية مجالات الإنسانيات.

ويلفت د.توفيق إلى أنه على رغم مواكبة حركة الترجمة المغاربية للإنتاج الفكري الأوروبي فإن هناك خللا رئيسيا في كثير من تلك الترجمات تتعلق بعدم إجادة اللغة العربية ويتجلى ذلك في كتب النقد التي تقدم مصطلحات غرائبية غير مفهومة أو ما يسمى المصطلح الهجين الذي يدمج العربية بالفرنسية من دون أن تكون له دلالة واضحة لذا تظل كثير من الإسهامات الثقافية المغاربية غير مفهومة.

وبرغم تعقد هذا الوضع يرفض د.سعيد توفيق وصف المرحلة التي يمر بها المشرق العربي بالشيخوخة ويقول: ما يصدق على الثقافة يصدق على الحضارة فكلاهما يخضع لفلسفة التاريخ وقد سمى توينبي الحال المشابه لوضع المشرق الآن بأنه مرحلة سكون وكمون، فالحضارات لا تشيخ وتتآكل وإنما تمر بمرحلة كمون وهي في وطننا العربي فترة قصيرة في عمر التاريخ، وربما يكون هذا هو السبب الذي يجعل الإنتاج الأدبي في المشرق يصارع تلك الحالة من الكمون والتراجع، لأن المنطق الذي يحكم الأدب يختلف عن ذلك الذي يؤثر في حركة الفكر والإنتاج الثقافي في المجالات الأخرى.

التوازن

ويتفق الدكتور صلاح قنصوة مقرر لجنة الفلسفة في المجلس الأعلى للثقافة في مصر إلى حد كبير مع رأي د. سعيد توفيق ويقول: يجب بداية أن نفرق بين مصطلح العلوم الإنسانية الذي يقصد به عادة العلوم الاجتماعية وبين الإنسانيات، التي تشمل مآلات عدة، أهمها الفلسفة والنقد وعلم الجمال، إذ إن تلك الفروع لا يمكن تصنيفها والتعاطي معها بنفس بمعطيات العلوم الأخرى نفسها، لما لها من طبيعة خاصة يصعب التحكم فيها عبر المناهج العلمية الحاكمة للعلوم الأخرى. ويضيف د. قنصوة: المغاربة في هذا الإطار أثبتوا بالفعل تفوقا في الفلسفة على وجه الخصوص، لكن هذا التفوق لا يرجع لتمكنهم من الإبداع الفكري بقدر ما يرجع لكون معظمهم نقلة جيدين عن الفرنسية، في حين يتواجد في المشرق نقلة غير جيدين، كما أن العلوم الاجتماعية لا تزال أكثر ازدهارا في المشرق، كما أن أعداد الباحثين المغاربة أقل كثيرا من نظرائهم في المشرق، ولا يمكن إنكار أنهم أكثر إنجازا في مجال الفلسفة، لكن كثرة الباحثين في المشرق يعوض قلة الإنجاز به ويتيح بلورة بعض الجهود الفردية في مجالات الفكر والنقد والفلسفة، بحيث تبدو الصورة النهائية أقرب إلى التوازن، ولا يقلل ذلك الوضع العام من إنجاز بعض المفكرين المغاربة الذين لا يكتفون بالنقل، وإنما نجحوا فعلا في الإضافة العلمية لهذا المجال، من بينهم المفكر الإسلامي الكبير محمد أركون والعروي والجابري، فهناك قلة مجتهدة بينما يتميز المشرق بكثرة الباحثين الذين تتفاوت جودة عملهم، لكن كثرة العدد تعوض ضعف الإنجاز.

ويرفض د. قنصوة أيضا وصف حال المشرق العربي بالشيخوخة ويرى أن إمكانات النهوض لا تزال موجودة داخله وان كانت كامنة بسبب الظروف السياسية التي لا يمكن أن تنعزل عنها حركة وتطور الإنسانيات.

تعتيم إعلامي

الدكتور مصطفى النشار أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة اختلف مع الرأي السابق ونفى صحة ما يتردد حول غزارة الإنتاج الفكري والنقدي المغاربي، مؤكدا أن إنتاج دول المشرق لا يزال الأكبر عددا والأكثر تنوعا، وقال إن القدرة على الاتصال بثقافة الآخر والنقل عنه لا يمكن أن يضمن تفوقه فكريا، ورد د. النشار مسألة رواج الإنتاج الفكري المغربي إلى الاهتمام الإعلامي الذي يصاحب تلك الإصدارات في حين تلقى مثيلاتها في المشرق إهمالا متعمدا من شتى وسائل الإعلام، فهناك تعتيم على المفكرين المشارقة، وفي مصر على وجه الخصوص توقفت متابعة الفلسفة عند المفكر الكبير زكي نجيب محمود ولم تسع أية جهة لتسليط الضوء على الإصدارات التي سبقت مثيلاتها الأوروبية في تحليلها للظواهر المهمة كالعولمة مثلا.

ويلفت د. النشار إلى أن تمكن المغاربة من الفرنسية يقابله تنوع اللغات التي تتم الترجمة عنها هنا في دول المشرق فالمشروع القومي للترجمة في مصر اهتم بكثير من اللغات إلى جانب الفرنسية والإنجليزية كالألمانية واللغات الشرقية، بل إن بعض الجامعات المصرية خصصت أقساما لتدريس الكورية والإيطالية. هذا التنوع في مصادر الاطلاع لا يتوافر كما يرى د. النشار إلا في دول المشرق العربي، التي تسعى رغم كل الظروف المحيطة للاحتفاظ بمكانتها العلمية في مجال الإنسانيات، لما لها من تاريخ طويل يشهد بتفوقها.

عقد معرفية

وقال الشاعر العراقي جاسم بديوي رئيس نادي الشعر في الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين: لا أحبذ أن ننجر وراء هذه العقد المعرفية إذا جازت التسمية وهذه العقدة المعرفية لها من القدم الكثير، حيث بدأت مع الدولة الإسلامية عند النهوض المعرفي وبروز المشرق العربي بفلاسفته وبمفكريه بعد حركة الترجمة والعصر الذهبي المعرفي، حيث بيت الحكمة وتعرف المجتمع العربي والفكر العربي إلى مصادر المعرفة الغربية بشكل عام. حيث أصبح المشرق العربي هو المركز السياسي للدولة الإسلامية بدءا من الدولة العباسية والدول التي تلتها. ما أسس نوعاً من هذه العقدة باعتبار أن مصادر المعرفة كانت في المشرق وتحديدا في بغداد فعرف ابن سينا والفارابي والغزالي وغيرهم وحتى مدارس التصوف والمدارس الكلامية.

وأضاف بديوي ان هذه المنظومة الفكرية التي بدأت في المشرق العربي أشعرت بعض مفكري المغرب العربي بنوع من العقدة، ولا أقصد هنا ابن رشد وقامته الكبيرة وابن ماجه أو ابن الطفيل. بل إن المشكلة بدأت في القرن العشرين وتحديدا انطلقت من محمد عابد الجابري وتنظيراته في بنية وتشكيل العقل العربي وكذلك كتابه نحن والتراث. إذ بدأ الموضوع يطغى بشكل واضح على المتن الثقافي. والجابري وجد أن المشرق العربي لم يقدم إلا الأشياء الروحانية التي ربما لم تقدم المعرفة المنطقية كما يراها مع ابن رشد باعتبار أن ابن رشد فيلسوف مغربي. لذلك أخذت هذه العقدة تتسع بالخطاب العربي المعاصر، ولا اعتقد أن هناك نوعا من هذا الخطاب بالنسبة للمفكرين المسلمين سواء من المغرب أو المشرق.

ورأى الشاعر بديوي أن السياسة هي التي يعسكر خلفها أصحاب هذه العقد كذلك فإن الموقع الجغرافي لبلدان المغرب العربي لعب دورا كبيرا في إيجاد مناهج قريبة من المناهج الأوروبية خصوصا أننا نعرف أن معظم بلدان المغرب العربي تجيد شعوبها اللغة الفرنسية أكثر من اللغة العربية وهذا ناجم عن الاستعمار الفرنسي الطويل لها.

ونفى بديوي وجود تفوق نوعي في ثقافة المغرب العربي على ثقافة المشرق العربي لأن المثقف في المغرب العربي وكذلك المثقف في المشرق العربي يعيشان في بيئة واحدة في الفقر والاضطهاد وخنق الحريات.

وقال الشاعر العراقي ياس السعيدي: إن الذي فهمته من السؤال أن هناك نتيجة تؤكد أن المغرب العربي تفوق فكريا وثقافيا على المشرق العربي. وهذه الإجابة تجعلنا نطرح سؤالا آخر يتحدد بنوعية المقاييس لاسيما التي تم اعتمادها لنصل إلى هذه النتيجة. وهل هناك أسس معينة لقياس التقدم الفكري والثقافي؟ وأجيب هنا بنعم.. لأن هذه الأسس موجودة. لكن هل أجريت دراسات معمقة في هذا الجانب؟ وعلينا ألا نكتفي بمراقبة الواقع، لأن الواقع في بعض الأحيان يرافقه نوع من الزخرفة.

وأكد السعيدي أن المناهج العلمية في الإنسانيات والفلسفة موجودة في المشرق العربي، وهذه أيضا موجودة في المغرب العربي، وأن المشرق العربي يعد وطنا للكثير من المدارس الفكرية، وهذا الأمر لا يمكن نفيه. أما إذا كانت القضية متعلقة بالمنجز الثقافي بصورة عامة، فهنا أرى أنه يكفي أن نعدد الانجازات الثقافية لبلد واحد في المشرق العربي لكي نعرف قيمة التطور الثقافي والفكري الذي وصل إليه المشرق العربي. وأشير إلى أن ثقافة المغرب العربي قد اقتربت من العالمية بسبب الموقع الجغرافي. وهذا الموقع يجعلني اعترف بوجود مبدعين كبار في المغرب العربي. لكن قضية تفضيل المغرب على المشرق ثقافيا وفكريا مسألة صعب الجزم بها ليس بسبب موقعي الجغرافي، بل لأن المشرق العربي هو موطن السحر.. سحر اللغة.. سحر المكان.. سحر البيئة. والمشرق العربي لديه الكثير وربما يمر بحالة من التوقف أو الركود، لكن سرعان ما يعاود نهوضه لكونه يمتلك مقومات العودة.

ورأى السعيدي العمل الفكري هو كيان مؤثر ومؤثر به وهذا مسلم به، وهو يتأثر إيجابا إذا وجد الحرية وفي الوقت ذاته يتأثر سلبا إذا كان هناك تراجع في الحرية للسلطة. وفي المشرق العربي الحرية موجودة طالما ابتعدت عن السياسة وهذا أيضا موجود في المغرب العربي، لأن السياسة العربية تعيش في بيئة واحدة رغم وجودها في قارتين مختلفتين.

ممارسات جدية

يقول الشاعر عباس بيضون: الصورة العامة لحال المشرق العربي ومغربه تبدو مائلة لمصلحة الطرف الثاني، خصوصاً إذا حصرنا الكلام على حقول الفكر الفلسفي والنقد الحديث والعلوم الإنسانية والاجتماعية. ولكن هذه الحيوية لا تعني أن المشرق لا يُنتج جديداً في هذه الحقول نفسها. صفة الشيخوخة المقترحة لوصف حال المشارقة مقارنةً مع شباب وحيوية حال المغاربة، لا ينبغي التعامل معها على أساس أنها مسلمة أو معطى بديهي. الأرجح أن الفارق موجود في كمية المنتوج الثقافي ونوعيته في آنٍ واحد. لدى المغاربة أنساق وأطروحات فلسفية وفكرية، مصحوبة بممارسة جِديَّة ومتواصلة في حين أن هذه الأنساق غير واضحة المعالم في المشرق العربي.

تراجع البحث العلمي

تقول الدكتورة أميرة حلمي مطر أستاذة الفلسفة في جامعة القاهرة إن الظرف السياسي وراء حالة التراجع المشرقية في الإنتاج الفكري الثقافي إضافة إلى تردي حال التعليم وبخاصة في الفروع العلمية المتعلقة بالفلسفة والفكر عامة فضلا عن طغيان صراعات أخرى نتيجة لاختلاف أنماط التعليم الجامعي في مصر على وجه التحديد نتيجة لتشجيع الجامعات الأجنبية والخاصة وتوافر الإمكانات لطلابها، مع إهمال الجامعات العريقة ما أدى لتخريج دفعات من الباحثين لا تتمتع بالكفاءة المطلوبة، ولم يعد هناك مفكرون كبار كما هو الحال في السابق يستطيعون تقديم تجديد فكري، نتيجة لحالة الإحباط العامة وتراجع البحث العلمي، وانتشار السرقات الأكاديمية، الأمر الذي أعاق الإبداع الفكري في مصر وكثير من دول المشرق التي تمر بالظرف التاريخي نفسه.