كان العرب والمسلمون يضحكون بحرية طبيعية، من دون تزمت أو قيود مصطنعة، أو ادعاء جد ممجوج، أو افتعال رزانة غير محمودة . ولم يكن الضحك مقصوراً على أحد دون آخر؛ الخلفاء والأمراء والفقراء والأئمة والشعراء والرعاة والفلاحون والتجار، الرجال والنساء والشيوخ والعشاق .

والنادرة، وجمعها نوادر، هي ضرب أو نوع من الحكاية الممنعة وتدور غالباً في الحياة اليومية وتجاربها الإنسانية، عن مواقف وسلوكيات وأحداث تجري فيها، ويغلب على هذه الحكايات عنصر المفارقة أو المفارقات التي يحدثها الغباء أو الحمق أو البلادة أو الخدعة أو التحايل أو التعبير بالقول اللاذع واللغز والتورية، وهي خالية من التعقيد، وإن كانت تتسم بحدة الذكاء وسرعة البديهة، ويقظة القريحة وحُسن التخيل، والحيل البيانية لتنتهي إلى موقف مرح .

النادرة هي حكاية نثرية مرحة مثيرة للضحك والابتسام والبهجة، كانت وستبقى أداة للتسلية والتهكم والدعابة، والتفريج عن المكبوتات والمحبطات الحياتية، عند الناس، سواء زحمتهم هموم الحياة ومنغصاتها، وكروب العيش ومجاهدات القوت اليومي، أو ضيقت عليهم الأحكام وسدود القوانين والمحظورات والتابوهات الاجتماعية والتسلطية . وتجري النوادر من غير ضيق في جميع طبقات الناس، وعلى اختلاف بيئاتهم وطبائعهم وثقافاتهم وألوانهم ولغاتهم . وتستمر في جريانها رغبة في تعميم ونشر الجانب المبهج المشرق الباسم من الحياة الآدمية . فالحياة هي المسرح الأكبر الذي تجرى عليه الأحداث الدرامية بكل تفاصيلها المعاشة، والناس هم أبطال الفن فيه، يروحون ويجيئون ويجئ غيرهم وأنوار المسرح لا تنطفئ والحركة فوقه دائبة، وكل واحد في دوره . والناس أيضاً هم في الوقت نفسه متفرجون .

مزج الجد بالهزل

تعلق النوادر بالأذهان، ثم تنفصل عن منشئها الأول، وتطوف في الآفاق مترددة على الألسنة، إلى أن تجد من ينسبها إلى أخف الأسماء من البشر ممن اشتهر بالملح والنوادر والفكاهة وخفة الظل . ولكن أكثر العلماء والأدباء والمؤرخين العرب المسلمين درجوا على تدوين هذه النوادر،

ومزجوا في مؤلفاتهم بين الجد والهزل، وربطوا النادرة بالواقعة . وربما كان الجاحظ، وهو أحد أعمدة النثر العربي قاطبة، من أوائل الذين اتبعوا هذه الطريقة في مؤلفاتهم، ودافع عنها .

ويذكر لنا العلامة الموسوعي، صاحب الفكر المستنير، عبدالمعين الملوحي، والذي تبحر في تراث العربية الأدبي والفني كما طالع الثقافة المعاصرة، في كتابه العذب نوادر دينية ما خطه الجاحظ في كتابه الحيوان في دفاعه عن هذه الطريقة في التأليف (مزج الجد بالهزل)، ويطلب من أهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والتعبير وأرباب النحل أن يمسكوا عن العيب والطعن فيمن يكتب عن الظرفاء والملحاء وعن الملاهي والفكاهات، ويرى أن النوادر ينبغي أن تروى بنصها من دون تعديل . فيقول: وأنا أقول إن الأعراب يفسدون نوادر المولدين، كما أن اللحن يفسد كلام الأعراب ومن هنا يتتبع الملوحي بعض نوادر هؤلاء العلماء والأدباء التي أوردوها في كتبهم، وجمعها في هذا الكتاب الذي سماه نوادر دينية، ونشرته دار المدى في طباعة أنيقة، في نحو160 صفحة من قطع الوسط، وغايته الوحيدة من نشره للقراء هي تسليتهم وإشاعة شيء من المرح في هذا الزمن العصيب الكئيب، وإعطاء صورة عن حياة وسلوك فئات عديدة في العصور القديمة: الأعراب، الخطباء، القضاة، المتنبئون، الشعراء . .الخ، والمقارنة بين سعة آفاق رجال العلم والأدب في عصور الازدهار العربي وأوج الحضارة الإسلامية، وبين ضيق أفقنا في العصر الحديث، فهناك عدد غير قليل من الفقهاء والعلماء والأتقياء الذين لم يتورعوا عن إيراد النوادر الدينية في مؤلفاتهم المتنوعة .

أمهات الكتب

ومن أمهات الكتب التي نهل منها الملوحي واستل نوادره: أخبار الحمقى والمغفلين لابن الجوزي، والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، والبيان والتبيين للجاحظ، والعقد الفريد لابن عبد ربه، ولطائف اللطف للثعالبي، ومن نثر الدر (الآبي)، نهاية الأرب (النويري)، ربيع الأبرار (الزمخشري)، زهر الآداب (الحصري)، شواهد التلخيص (العباسي)، بهجة المجالس (ابن عبدالبر)، المحاسن والأضداد (البيهقي)، المستطرف (الأبشيهي)، عيون الأخبار (ابن قتيبة)، المحاسن والمساوئ (البيهقي) . . ونذكر كتاباً جامعاً للنوادر المدهشة هو الكشكول لبهاء الدين العاملي لم يذكره الملوحي . وقد حرص المؤلف المعاصر على عدم إيراد النوادر التي جمعها في حالة فوضى، فعمد إلى ترتيبها حسب الأصناف التالية: النوادر الدينية، نوادر المتنبئين، نوادر الأعراب، نوادر المعلمين، نوادر الخطباء، نوادر القصاصين والقضاة، نوادر القراء والمصحفين، نوادر الحمقى والمغفلين، نوادر البسطاء . . وهكذا .

إنها نوادر تقدم لنا صورة مشرقة من عصور الإسلام الزاهية، نلمس فيها سعة آفاق رجال العلم والأدب والفقه وأصول الدين في تلك العصور التي كان جلها تقوى وأخلاق جليلة ومُثُل عليا، ربما تُعيننا وتُبسطنا وتسعدنا في نهارات صيام رمضان الحارة الطويلة .

ابتسامات

من تلك النوادر التي وردت بهذا المصنف نقتطف ما يلي:

- أسلم رجل، فقيل له: صل اليوم، فقال لا ابتدئ بالصلاة والقمر في المحاق .

- صعد قوم لطلب هلال رمضان فلم يروه، فلما أرادوا الانصراف رآه صبي فأراه القوم، فقال له بعضهم: بَشِّر أمك بالجوع المضني من محاضرات الأدباء .

- ادعى رجل النبوة، فقيل له: ما علامتك؟ قال: أُنبيكم بما في أنفسكم، قالوا: فما في أنفسنا؟ قال: أني كذاب . . لست بنبي .

- جيء بأعرابي، ومعه دليل براءته وهو يقول: هاكم اقرأوا كتابيه . فقيل له: هذا يُقال يوم القيامة . فقال: هذا والله شر من يوم القيامة، إن يوم القيامة يُؤتى بحسناتي وسيئاتي، وأنتم جئتم بسيئاتي وتركتم حسناتي من المستطرف الجديد .

- صلى أعرابي مع قوم، فلما سجدوا، عدا وقال: قد صُعق القوم ورب الكعبة من محاضرات الأدباء .

- قيل لمزيد: صوم يوم عرفة يعدل صوم سنة، فصام إلى الظهر وقال: تكفيني ستة أشهر .

- صام أعرابي رمضان فلما اشتد به الحر أفطر، فقالت ابنته: ألا تصوم يا أبت؟ فقال: أتأمرني بالصوم لا دّرَّ درُّها وفي القبر صوم يا أميم طويل من محاضرات الأدباء .

- مر شخص بقارئ يقرأ: ألم غلبت الترك في أدنى الأرض فقاله له : الروم، فقال: كلهم أعداؤنا قاتلهم الله .

- عن الأصمعي عن عيسى بن عمر: قال: كان عندنا رجل لحَّان (كثير اللحن) فلقي رجلاً مثله فقال: من أين جئت؟ فقال من عند أهلونا، فتعجب منه وحسده عليها وقال: أنا أعلم من أين أخذتها، أخذتها من قوله تعالى: شغلتنا أموالنا وأهلونا .

- قال أبو دحية القصاص في قصصه يوماً: كان اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا! قالوا: إن يوسف لم يأكله الذئب . قال: فهذا اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف . من العقد الفريد .

- كان ببغداد رجل يتعبد، اسمه (رويم)، فولي القضاء، ولقيه جنيد فقال: من أراد أن يستودع سره من لا يفشيه فعليه برويم، فإنه كتم حب الدنيا أربعين سنة حتى قدر عليها .