قصة نوح -عليه السلام- هي قصة التوحيد والدعوة إليه، قصة الصبر والصدق واليقين، وقد تحرك قوم نوح في اتجاهين بعد دعوته. لمست الدعوة قلوب الضعفاء والفقراء والبؤساء، وانحنت على جراحهم وآلامهم بالرحمة.. أما الأغنياء والكبراء فقد شنوا حربهم على نوح، وعللوا كفرهم بما جاءهم به بثلاث علل، أولاها: أنه بشر مثلهم، وثانيتها: أن أتباعه من فقرائهم، وثالثتها: أنه لا مزية له ولأتباعه عليهم.. وهي كلها علل باطلة، تدل على جهلهم، وانطماس بصيرتهم، ويدل على ذلك، رد نوح- عليه السلام- في تفنيد شبهاتهم، ودحض مفترياتهم، وفي تعريفهم
بحقيقة أمره فقال: «وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ».
وهكذا يغلق نوح -عليه السلام- عليهم كل أسباب إعراضهم عن الإيمان، فإن ظنوا أن الإيمان يتطلب ثراءً، فنوح لا يملك خزائن الله، وإن طلبوا أن يكشف لهم الغيب، فالغيب علمه عند الله تعالى وحده.
ولم يدع نوح أنه من جنس آخر غير البشر، إنما هو بشر مثلهم، والله يرسل إلى الأرض رسولاً من أهلها، كما قال تعالى: «وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً».
وما تقدم من عللهم الباطلة على نوح -عليه السلام- حكاه الله لنا بقوله تعالى: «فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين»، والأراذل هنا هم الفقراء والضعفاء
وقولهم «بادي الرأي» أي بمجرد ما دعوتهم استجابوا لك من غير نظر ولا روية.
وهذا الذي رموهم به هو عين ما يمدحون بسببه رضي الله عنهم، فإن الحق الظاهر لا يحتاج إلى روية ولا فكر ولا نظر؛ بل يجب اتباعه والانقياد له، ونوح عليه السلام يعلم أن الإسلام أهدر جميع القيم المادية في التفاضل بين الناس، ولم يعترف إلا بقيمة واحدة هي قيمة التقوى كما قال تعالى: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم».
ما قيمة الناس إلا في مبادئهم
لا المال يبقى ولا الألقاب والرتب
فموازين الناس لا قيمة لها إذا لم تكن مبنية على أساس صحيح، فمجرد جمع المال لا يقرب من الله -عز وجل- قال تعالى: «وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى»، وأحسن من قال:
كم كافر بالله أمواله
تزداد أضعافاً على كفره
ومؤمن ليس له درهم
يزداد إيماناً على فقره
لا خير فيمن لم يكن عاقلاً
يبسط رجليه على قدره
فالله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي العلم والهداية والإيمان إلا لمن يحب وتستمر المعركة، وتطول المناقشة بين نوح وقومه، ولما انهارت كل حججهم ولم يعد لديهم ما يقال، بدأوا يخرجون عن حدود الأدب ويشتمون نبي الله فقالوا «إنا لنراك في ضلال مبين».
وهكذا هم أصحاب الضلال عندما يواجهون بالحق الساطع والمنطق العقلي القويم تنطلق ألسنتهم بالشتائم والألفاظ النابية وينبحون كالكلاب المسعورة، ‏قال أبو جعفر الباقر: سلاح اللئام قبح الكلام ومع ذلك يرد عليهم نوح بكل هدوء وبأدب الأنبياء العظيم: «قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون».
رزقنا الله وإياكم الحكمة في القول والعمل والهداية والتوفيق.

د. سالم بن علي الشويهي
[email protected]