يتساءل المرء لدى انتهائه من قراءة عمل روائي، عن العوالم التي عاشها كاتب العمل، وكيف قضى الوقت يكتب روايته، وأي الأماكن تلك التي شهدت ولادة صفحات من الرواية؟ إذ يكتشف في كثير من الأحيان أن الرواية كُتبِت طوال عشر سنوات، أو أن مؤلفها كان يكتب جزءاً منها ثم يتركها ثم يعود إليها لفترة تجاوزت العشرين عاماً .

إلا أن الأمر يبدو استثنائيا حين يكتشف المرء لدى سؤال كاتب العمل نفسه عن عوالم إنتاج روايته، وتأتيه الإجابة، إن الوقت لم يكن يسعفه لذلك كان كلما تسنت له فرصة الكتابة في المقهى أو في الصالون، أو على شرفة البيت، كان يسطر صفحات روايته .

بهذه الإجابة تصف الكاتبة والمترجمة نورة النومان، عوالم إنتاج روايتها الأولى أجوان متحدية بذلك فكرة الوقت، والالتزامات الأسرية، وظروف العمل، لكن ليس ذلك ما يبدو استثنائياً في كتابة أجوان، فالنومان تقول: كنت أكتب كل يوم 800 كلمة ولمدة تسعة أشهر متواصلة لتنتهي الرواية في 91000 كلمة بالضبط .

المدهش والغرائبي والاستثنائي هو ما يمكن الحديث فيه، عند التوقف مع الكاتبة نورة النومان للحديث عن روايتها أجوان، لذلك كان للخليج الحوار التالي:

الكاتبة صالحة غابش قالت: فلتكن روايتك أول رواية خيال علمي إماراتية وتكون لك الريادة، إلى أي درجة يحملك ذلك مسؤولية كتابة الخيال العلمي، وإلى أي حد يلزمك هذا بالاستمرار بهذا الشكل من الكتابة؟

- صالحة هي أول من شجعني على الكتابة والترجمة في منتصف التسعينات . كانت تقرضني مساحة من مكتبها حيث كنت أجلس وأراقبها وهي تكتب أو تدير القسم الثقافي في نادي سيدات الشارقة أما عن الجملة التي ذكرتها في صفحة الشكر في الرواية، فكانت صالحة تحاول بها أن تخفف من قلقي بخصوص مستوى اللغة العربية من ناحية، ثم بالنسبة لكون الرواية تجربة في نمط أدبي جديد موجه لليافعين .وأكدت صالحة لي - بعد قراءة أجزاء من المسودة - بأنها ستكون رواية مقبولة، ولذلك جاءت جملتها بهذا الشكل .

أما عن المسؤولية، فإنني لم أرها كذلك في البداية، بل كانت مغامرة ممتعة إلى حد ما، وتحدي لي بيني وبين نفسي . وكونه نمطاً جديداً نسبيا أعطاني مساحة كبيرة للتجربة ولحرية إبداع عالم جديد .

ولكن مع قرب موعد إصدار الرواية في الدورة الأخيرة من معرض الشارقة الدولي للكتاب بدأت أدرك مقدار المسؤولية، وأقارن بين ما كنت أعتقدها تجربة جميلة وبين ما سيتشكل في أذهان القراء (بمختلف أعمارهم) كمنتج نهائي يجب أن يقف مستقلاً، بعيداً عن كونه تجربة كاتبة جديدة في نمط جديد . وما أقلقني هو أنني ما اطلعت إلا على نماذج بسيطة (غير كاملة) من الخيال العلمي باللغة العربية، وجميعها لم تخرج عن مدار الكرة الأرضية، بينما رواية أجوان أبعد ما تكون عن مجموعتنا الشمسية -وهو ما تعودت على قراءته لسنوات باللغة الإنجليزية . والآن وبعد أن انتهت هذه المرحلة من التجربة، أشعر كأنني وضعت نموذجاً محدداً للكتابة في هذا النمط (وهو ما تقصده صالحة في اعتقادي)، وأنني أول من يجب أن يتبع خطاه، فحتى مع وجود مجال للتجربة، فهناك جوانب أخرى يجب الالتزام بها الآن بعد أن تعود القارئ على هذا النمط بهذه الطريقة .

لماذا اخترتِ الكتابة لليافعين، وهل تضعين في اعتبارك السن الذي تتوجه هذه الرواية له، وماذا راعيتِ كونك تكتبين لشريحة ليست عامة، إذ يبدو من الضروري، التنبه للغة والفكرة وغيرها من قضايا الكتابة؟

- النية في الأصل كانت في توفير محتوى عربي لليافعين، فلدي ولدان وأربع بنات من تلك الفئة (14 إلى 24 سنة) . منذ أن كنت في أعمارهن شدتني روايات اللغة الانجليزية، وبدأت بالخيال العلمي، ثم أضفت الفانتازيا، ثم في آخر العشرينات من العمر بدأت في الاطلاع على أنماط أخرى . وعندما كبر أطفالي أخذوا يستعيرون من مكتبتي، وبالطبع كنت أحرص على توفير الكتب المناسبة لأعمارهم فتصادف أنها كلها خيال علمي وفانتازيا . ثم اجتهدت في البحث عن كتب يافعين باللغة العربية، وبصراحة هذا الجانب كان غائباً إلا في العامين الأخيرين . لا يوجد أدب يافعين اصلا، وما وجدته لم يكن سيغري بناتي أن يتركن الروايات الانجليزية المملوءة بالأحداث المثيرة، ويبدأن بقراءة اللغة العربية التي يعتبرها معظم شبابنا لغة صعبة . ولهذا التقت فكرة رواية لليافعين بنمط يحبه اليافعون وهو الخيال العلمي وكتبت الملخص في 15 صفحة . وكلما أجلس للكتابة، أضع في ذهني بعض النقاط التي توجهني وهي أن: هذه قصة موجهة لبناتي اليافعات وهي قصة كنت سأرغب أن أقرأها وأنا في أعمارهن والحبكة ستحترم ذكاء القارئ اليافع، ولن أسعى إلى تسهيل الأمور وتبسيطها بل سأسمح للأحداث أن تأخذ مجراها الطبيعي لكي تصلح حتى للكبار أما اللغة فستكون سلسة، خالية من التكلف وستهتم بوصف الأحداث .

كيف اختارت النومان أسماء القبائل والشعوب في روايتها، إذ تبدو من نسج الخيال تماما ولا يوجد لها أي أصل أو مرجعية واقعية؟

- قرأت الأدب الانجليزي لثلاثة وثلاثين عاماً، وتأثرت بعدة مؤلفين (في الخيال العلمي وغيره) وربما أكثر من تأثرت بهم المؤلفون الذين يخلقون عالمهم الخاص بشعوبه وقوانينه وشخصياته وعاداته مثل آن مكافري، جوليان ماي، فرانك هيربرت، تاد ويليامز وغيرهم . عندما تقرأ رواياتهم تصدق أن هناك كوكباً بهذا الاسم وأن شعوبه يختلفون في أشياء ويتشابهون في أمور أخرى .

اتخذت قراراً بأن أخلق عالماً ثم أملؤه بالكواكب والشعوب والثقافات وكل ما يعطيه عمقاً حقيقياً يجعل القارئ يصدق ما يجري للشخصيات . في عالمي افترضت أن البشر تركوا كوكب الأرض منذ قرون، وأن جماعات مختلفة استوطنت كواكب مختلفة . فمثلا الروسيون استوطنوا عدة كواكب ولذلك فأسماء الناس والأماكن لها أصول روسية . والإسبان أيضا قاموا باستيطان كواكب أخرى . كما التقى البشر في نقطة ما بعدة مخلوقات مختلفة وتعايشوا معها وتحالفت كل تلك الأعراق والمخلوقات في إتحاد فضائي عظيم يحكم بطريقة لا مركزية .

عندما أقرر كتابة مشهد، أحدد أولاً هوية سكان الكوكب ومن ثمّ اسم الكوكب، وهذا يكون عن طريق اختيار كلمة عشوائية (أو كلمة ذات دلالة معينة) وترجمتها إلى لغة الثقافة التي استوطنت الكوكب . في بعض الأحيان أجري بعض التغييرات على الكلمة الأجنبية (لأتجنب تشابهها مع كلمة عربية مثلا) ثم اختار أسماء الأشخاص بنفس الطريقة . هناك كواكب صينية، وأخرى برتغالية، وغيرها هندية إلخ . وقد حرصت أيضاً أن أستخدم بعض الأسماء العربية، فأجوان اسمها عربي، وكان الهدف من ذلك أن يجد اليافعون كلمات يفخرون بها ويرددونها، كما كنا نردد أسماء السفن والشخصيات من أفلام ستار وورز وغيرهم عندما كنا يافعين .

ما العوائق التي واجهتك خلال الكتابة، إذ تحتاجين للانفصال عن العالم الواقعي والدخول في المتخيل والإغراق فيه؟

- الانفصال عن الواقع لم يكن صعباً، فأنا شخصياً أحب الخيال وخاصة الخيال العلمي، ثم حتى عندما يحيك الكاتب أحداثاً خيالية فهو يطبق المنطق وقوانين عقلية فيلتزم بها وتسهل عليه عملية خلق عقدة وفكّها . أما العوائق الأخرى فكانت على عدة جبهات: الأولى أنه لم تكن لدي مراجع في الخيال العلمي بالعربية، غير الروايات الكثيرة الانجليزية . ومع ذلك فقد كان هذا في صالحي، إذ تركت لخيالي حرية اختيار المواقع والأحداث من دون قيود . والثانية أنني تعودت على مدى عقود على كتابة التقارير والرسائل باللغة العربية، أما الكتابة الأدبية فكنت أشعر بالراحة باللغة الإنجليزية فقط . ولكني فجأة وجدت أني مضطرة للكتابة الأدبية بالعربية، ولذلك كنت أقضي ساعات طويلة أتصارع مع كلمات أعرفها جيدا بالإنجليزية ولكن معرفتي ضعيفة بمرادف مثالي لها .

قد أتفوق في اللغة الانجليزية لكن تعليمي في المدارس الحكومية في السبعينات والثمانينات أكسبني القدرة على الحكم على المرادفات المثالية للموقف . وهكذا واجهت العديد من المواقف، حيث كنت أضطر للتوقف عن الكتابة واستشارة من حولي عن كلمة معينة وعبارة . وفي معظم الأحيان كانت ردودهم لا تعجبني أبداً إذ لم أجدها مناسبة حقاً لما كنت أرغب في وصفه .

وثالث التحديات التي واجهتني كانت المصطلحات العلمية المتعارف عليها في الخيال العلمي باللغة الانجليزية التي يستخدمها المؤلفون البريطانيون والأمريكان بكل سهولة، لم تكن متوافرة في اللغة العربية . اضطررت في معظم الأحيان أن استند إلى ترجمتها من الأفلام أو من القاموس ولم أكن راضية بالكامل عنها . وأتمنى أن ينضم لي كتاب عرب لنؤسس قاموس مصطلحات للخيال العلمي وآخر وربما أعتبره التحدي الأكبر لي كان تخيل مخلوقات غريبة، فلست بارعة في هذا المجال، ولكنني اجتهدت .

صفي لنا حالتك وأجواء كتابة الرواية، بمعنى؛ كيف كنت تتحضرين للبداية في الكتابة في كل مرة تواصلين فيها الكتابة، وهل خصصت وقتاً ومكاناً للكتابة؟

- ينصحون الكاتب بتخصيص مكان ووقت للكتابة حتى تتحول إلى عادة ويستطيع الكاتب أن يشرع في الكتابة من لحظة جلوسه . كوني أم لستة أولاد وبنات، ولدي وظيفة والتزامات، لم يكن ذلك ممكناً في كل مرة . فقررت أن أسرق الوقت أينما كنت وفي أي وقت . فقد أكون في صالون ومعي الكمبيوتر، أو أذهب إلى مقهى هادئ . في نهاية الأسبوع قد تجدني في حديقة البيت أو في البلكونة . وفي الأيام العادية كنت أنتظر حتى يهدأ المنزل بالليل وأقضي بعض الوقت لترتيب أفكاري أو كتابتها . ربما الأمر الذي أعانني هو تعهدي لنفسي بكتابة 800 كلمة كل يوم، وكانت مهمة زوجي وأصدقائي أن يحاسبوني كل يوم: هل كتبت 800 كلمة اليوم؟ بالطبع 800 كلمة في اليوم ليست بكثيرة، ولكن استطعت أن أنهي رواية مكونة من 91000 كلمة في 9 أشهر .

وبوجود كمبيوتر محمول متصل بالإنترنت كنت أستطيع أن أكتب وأبحث في النت أينما كنت . وربما ما يضحك أن الكم الكبير للكلمات والأسماء والأوصاف التي استمتعت باختراعها قامت بعد 30-50 صفحة بالانتقام مني لأنني بدأت في نسيان الأسماء والأوصاف . لذلك قمت بإنشاء قاعدة بيانات أسجل فيها اسم الشخصية ومواصفاتها الخ، وهذا الملف كان يبقى مفتوحاً طوال فترة كتابتي للقصة، إضافة إلى ملف فيه أسماء عشوائية للاستخدام السريع، وملف فيه الخطوط العريضة للحبكة والأحداث، وأخيرا صفحة غوغل للترجمة بالطبع .

ما المرجعيات التي ساعدتك في الرواية، بمعنى هل عدتِ إلى كتب علمية أو ما شابه، وإنْ عدتِ ما هذه الكتب والمرجعيات؟

- 33 عاماً من قراءة الخيال العلمي والفانتازيا كانت أكبر مرجعية لي، وهو أصلا سبب اختياري للخيال العلمي كحقل كتابي . فلا أعتقد أني كنت سأنجح في تأليف قصة تاريخية أو رومانسية، إذ إنها ليست من الأنماط التي أقرؤها . إضافة إلى ذلك، أنا شخصيا أحب متابعة الأفلام الوثائقية العلمية سواء عن الطبيعة أو أحدث التقنيات، كما أقرأ مقالات علمية في المجلات والإنترنت، وهي توحي لي بالكثير من الأفكار . ثم إن اختياري لعالم يخلو من كوكب الأرض أعطاني حرية كبيرة في إبداع قوانين خاصة بعالمي، وبالطبع كان عليّ أن التزم بقوانيني في النهاية . ومع ذلك، فلم أنس أن قوانين الفيزياء والكيمياء وغيرها تبقى كما هي معظم الوقت . كنت ألجأ للإنترنت في الإجابة عن بعض تساؤلاتي: هل هذه الجزئية جديرة حقا بالتصديق، ظاهريا على الأقل؟ لذلك كنت اسأل كيروين بورتر وهو خبير في علم الأحياء المائية عن الفرق بين مخلوقات المياه المالحة والمياه العذبة، وعن اختلاف ضغط الماء في الأعماق وغيرها من الحقائق العلمية .

كم من الوقت استغرقت في كتابة الرواية، وكيف تولدت لديكِ فكرة الرواية، وهل هناك حادث معين حصل حفزك على كتابتها؟

- الفكرة تشكلت في 2009 وكنت أعاود زيارتها بصورة متقطعة . ولكن بدأت الكتابة بالفعل في أكتوبر ،2010 وأنجزتها في ابريل 2011 . أما مصدر الفكرة فإن أجوان - كمخلوق يشبه الإنسان ولكن يتنفس الماء والهواء معا - جاءت من مسلسل تلفزيوني قديم كنت مولعة بمتابعته في صغري اسمه رجل من أطلانتس . وأخيرا الأحداث، معظمها كانت تطور طبيعي للفكرة الأصلية وهو الصراع بين الخير والشر، هناك أجوان اللاجئة الضعيفة، والشخصية الشريرة في القصة وكيف يلتقي قدرهما.