عندما وصل نيكولا تسلا إلى نيويورك وهو في الثامنة والعشرين من عمره سرعان ما توجه إلى مكتب المخترع توماس أديسون الذي كان قد ذاع صيته في العالم بأسره بعد أن أصبح أسطورة حية بفضل اختراعه المصباح الكهربي . كان تسلا يحمل معه من أحد أصدقاء أديسون رسالة من أوروبا نصها: عزيزي توماس، أعرف رجلين عظيمين، أحدهما أنت، والثاني هو الماثل أمامك . نظر أديسون إلى تسلا بشزر وبهيبة في الوقت نفسه، فهو يعلم أن رأي صديقه باعث الرسالة ليس بالبسيط ولا بد أن حامل الرسالة شخص له شأنه .
اشترك تسلا مع أديسون لبعض الوقت في بعض الأعمال ولكن الاختلافات الجوهرية بين العبقريين ظهرت إلى السطح بسرعة، فأديسون مخترع التيار الكهربائي المستمر يقدس التجربة في حين أن تسلا يستطيع أن يبني محطة كهربائية من وحي عبقريته من دون أن يلجأ إلى رسومات على الورق . إضافة إلى ذلك فإن أديسون يحب العمل اليدوي لكن تسلا يكرهه . وعن طريقة تعلم العالمين نجد أن أديسون لم يتلق أي تعليم نظامي، أما تسلا فتعلم في أفضل الجامعات وكان أشبه بأرستقراطي ثري من عالم متواضع الدخل، وفوق كل ذلك (أكل) أديسون على تسلا رهاناً بخمسين ألف دولار، لذا سرعان ما استفحل الخلاف بين العالمين وأدى إلى انفصالهما قبل أن يتحول هذا الانفصال إلى حرب شعواء بينهما .
في عام 1886 حصل تسلا على سبع براءات اختراع في نظام توليد الكهرباء المتردد وعندها اشتعلت حرب الكهرباء بين أديسون وتسلا، لكن هذا الأخير حسم الموقف لمصلحته عندما أضاء المعرض العالمي في شيكاغو باستخدام التيار المتردد .
وفي عام 1899 نجح تسلا في نقل مئة مليون فولت من الكهرباء عالية التردد لاسلكياً عبر مسافة تبلغ 36 ميلاً لتضيء 200 مصباح وتشغل محركاً كهربائياً وذلك في مدينة (كولورادو سبرينغز)، وكانت تلك التجربة فريدة خطفت أبصار سكان المدينة حتى إنهم أطلقوا عليه لقب الساحر .
كان حلم تسلا يتمثل في بناء برج شاهق يمد من خلاله السفن والمنازل بالكهرباء اللاسلكية، إلا أن نقص التمويل حال دون إتمام مشروعه، لا سيما بعد إفلاس شركة وستنغهاوس التي تعاقد معها قبل ذلك على استغلال شلالات نياغارا لإنتاج الكهرباء وبالتالي إثباته لتفوقه على شركة أديسون .
توجيه لا سلكي مبكر
ولد تسلا في عام 1857 وعندما دخل المدرسة صمم مولداً كهربائياً بفعالية محدودة لكنه عمل على تطويره ليعمل دائماً، كما اكتشف حينها التيار المتردد واخترع مكبر صوت هاتفياً لكن لم يستخدمه حينها أحد، ولكن بعد 50 سنة احتاج إليه صانعو الجراموفون، مهّد هذا الاكتشاف السبيل إلى إمكانات تسجيل الصوت وإنتاج الأسطوانات على مستوى تجاري . وفي عام 1900 عرض تسلا في إحدى الحدائق بنيويورك سفينة توجه لا سلكياً وكان بذلك سباقاً ل الريموت كونترول، كما اخترع في أوقات فراغه أنابيب النيون المستخدمة الآن في الدعاية وكذلك تحقق من أن موجات التيار القصيرة تدفئ الجسم وتعمل على التخفيف من آلام المفاصل .
ومن الكلمات المشهورة عن تسلا أنه قال: لكي تحصل على براءة الاختراع لا بد من ضمان السرية المطلقة ومن صنع نماذج، وأنا لا أستطيع صنع نماذج لأنني لم أمتلك يوماً مالاً كافياً لصنعها لأنني أنفقه تدريجياً، ولهذا فأنا أحتفظ بأفكاري في رأسي فهو المكان الأمين الوحيد الذي لن يدخل إليه أحد .