الأسرى هم المقاتلون من الأعداء إذا ظفر المسلمون بهم أحياء؛ ويؤخذون أثناء الحرب أو في نهايتها أو من غير حرب فعلية، ما دام العداء قائماً والحرب محتملة . ويطلق لفظ الأسير أيضاً على المسلم الذي وقع بيد العدو .
يجوز أسر كل من وقع في يد المسلمين من الحربيين، أما من لا فائدة في أسره كالشيخ والمرأة والراهب من غير المحاربين فلا يجوز أسره . ومن العلماء من ذهب إلى أنه يجوز أسر الجميع من دون استثناء .
ومن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في الأسرى المن والفداء، أما المن فقد كانت عند أم المؤمنين عائشة سبِية من بني تميم فقال لها أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل (رواه البخاري) . وهبط ثمانون رجلاً من أهل مكة على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جبال التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سلماً؛ ثم عفا عنهم لاحقاً؛ فنزل قول الله عز وجل وَهُوَ الذِي كَف أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً (الفتح 24) .
ولما سبيت هوازن وغنمت أموالهم في غزوة حنين قدمت وفودهم مسلمين على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقالوا يا رسول الله؛ لنا أصل وعشيرة؛ وأصابنا البلاء؛ فامنُنْ علينا من الله عليك، ثم قام أحدهم فقال يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللائي كن يَكْفُلْنَكَ؛ فقال صلى الله عليه وسلم أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فقالوا خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا بل ترد علينا أبناءنا ونساءنا فهم أحب إلينا، فقال صلى الله عليه وسلم للمسلمين ردوا على الناس أبناءهم ونساءهم (رواه أحمد) . وكان في هذا السبي الشيماء بنت الحارث؛ فقالت أنا أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فلما أتته قالت أنا أختك؛ فقال صلى الله عليه وسلم وما علامة ذلك؟ فقالت: عضة منك في عضدي، فعرف العلامة وبسط لها رداءه وأجلسها عليه؛ وخيرها بين المقام عنده مكرمة أو الرجوع إلى قومها ممتعة؛ فاختارت أن يمتعها ويردها إلى قومها ففعل صلى الله عليه وسلم رواه ابن إسحق . ووقع في الأسر رجل من بني حنيفة هو ثمامة بن أثال سيد اليمامة؛ فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال أطلقوا ثمامة (رواه البخاري) .
أما الفداء فقد فادى صلى الله عليه وسلم الأسرى بالمال وغيره، فلما جاء أهل مكة في فداء أسرى بدر بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها؛ فلما رآها صلى الله عليه وسلم رق لها وقال إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فقالوا نعم، رواه أبو داود . وقد صح أن العباس فدى نفسه وابني أخيه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث . وكان بعض الأسرى يوم بدر لا فداء لهم فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة (رواه أحمد) . ويجوز تبادل الأسرى بين المسلمين والأعداء وهي المفاداة، فقد فدى صلى الله عليه وسلم رجلين من المسلمين برجل من المشركين رواه الترمذي، وفدى سعد بن النعمان بعمرو بن أبي سفيان . وفادى صلى الله عليه وسلم بالمرأة ناساً من المسلمين أسروا بمكة (رواه مسلم) .
أما معاملة من في أيدي المسلمين من الأسرى؛ فإن مبادئ الإسلام وتعاليمه توجب الرفق بهم واحترام آدميتهم وتأمين حقوقهم، وتوفير جميع احتياجاتهم من الطعام والشراب والكساء والمأوى، لقوله تعالى وَيُطْعِمُونَ الطعَامَ عَلَى حُبهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (الإنسان 8)، فهذه الآية تدل على أن إطعام الأسير قربة إلى الله تعالى، ويقتضي ظاهرها جواز إعطائه من سائر الصدقات إلا الصدقة الواجبة، فالآية تنبيه على مواساتهم، ومن أفضل المواساة وضعها في هذه الأصناف الثلاثة؛ ومنهم الأسير ففي إطعامه ثواب عظيم وإن كان كافراً . وقد أمر صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسرى فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء . وأحضر له صلى الله عليه وسلم مرة طعاماً عليه لحم شاة من امرأة فقال لها أطعميه الأسارى رواه أبو داود . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه في أسرى بني قريظة في يوم شديد الحرارة أحسنوا أساراهم وقيلوهم واسقوهم؛ ولا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم وحر السلاح .
وكساء الأسير واجب دفعاً للأذى ووقاية من حر الصيف وبرد الشتاء؛ فقد أتي صلى الله عليه وسلم يوم بدر بأسرى قريش؛ منهم عمه العباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر له قميصاً؛ فوجدوا قميص عبد الله بن أبيّ يقدر عليه فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه (رواه البخاري) .
ويجب توفير المأوى المناسب للأسرى؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ربما جعل بعض الأسرى عنده أو عند بعض أصحابه .
* قاضي قضاة فلسطين