الزكاة كما شرعها الإسلام هي أول مؤسسة للضمان الاجتماعي عرفها التاريخ، ومن روائع الإسلام أن امتدت دائرة الضمان إلى أهل الملل الأخرى..ولا تقتصر مهمة الزكاة على علاج مشكلة الفقر وما يلحق بها من مشكلات اجتماعية، بل تمتد إلى مساعدة الدولة المسلمة على تأليف القلوب وتثبيتها على الإسلام والولاء له ولأهله .

لكن المشكلة الأساسية التي تصادف الكثير من الأغنياء في إخراج زكواتهم تتمثل في كيفية توزيع الزكاة . . فهل هي مسؤولية الأفراد . . أم مسؤولية الدولة . . أم أنها مسؤولية جمعيات أهلية ومؤسسات خيرية وغير ذلك؟

اتفق معظم العلماء على أن تتولى الدولة مسؤولية جمع الزكاة وتوزيعها باعتبار أن الحاكم مسؤول عن سياسة الأمة ومصالحها . . كما أن أخذ الفقير حقه من الدولة لا من الشخص الغني يعتبر حفظا لكرامته وصيانة لماء وجهه ورعاية لمشاعره . . بينما يرى البعض أنها فرض عين على كل شخص يتحمل مسؤوليتها ويحاسب عليها .

الخليج ناقشت هذه القضية مع عدد من علماء الدين وخبراء الاقتصاد الإسلامي وكانت هذه آراؤهم:

يقول الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية: إن العلماء بينوا أن هناك أموالا يجب أن تخرج عنها الزكاة وتجمعها الدولة بنفسها وهي ما يطلق عليه الأموال الظاهرة وتتمثل في الزروع والثمار كالقمح والذرة والفول والعدس والتمر والعنب . . وهناك أموال ليس من حق الدولة أن تتدخل في جمعها وهي ما يطلق عليها الأموال الباطنة مثل الأموال النقدية . . فليس من سلطة الدولة أن تفتش وتبحث عما مع المسلم من نقود وإنما ذلك متروك لدينه وتمسكه بفعل ما يوجبه الشرع . . والمفروض إذن أن تجمع الدولة الزكوات من الزروع والثمار والحيوانات وعروض التجارة التي أصبحت من الأموال الظاهرة، وكان الفقهاء القدامى يعدون عروض التجارة من الأموال الباطنة لكن ظروف العصر الذي نعيش فيه وقوانينه ونظمه تبين أن السلع التجارية الآن هي أموال ظاهرة . . ونحن ننادي بأن تجمع الدولة الزكاة في الأموال الظاهرة وتجعل لها هيئة مستقلة خاضعة للمراقبة والمحاسبة . . فلا تأخذ الصبغة الحكومية في النظام الإداري ولكن يكون لها نظامها الخاص .

ويشير د . عثمان إلى أن إنشاء الهيئات الأهلية للزكاة من الأفكار التي يستحسن تأييدها لأن وجود جمعيات خيرية يكون من نشاطها جمع الزكوات وتوزيعها على المستحقين يوفر كثيرا من الجهد لصاحب المال في البحث عمن يستحق زكاته . . كما أن هذه الهيئات عندها إمكانات التعرف على الأبواب التي تصرف فيها الزكاة أكثر من الأفراد العاديين، ومن الطبيعي أن تكون مقصدا للمحتاجين ومستحقي الزكاة، بالإضافة إلى أن الكثير من الفقراء والمحتاجين لا يعرفون الشخص الذي يريد أن يخرج زكاته لكن هذا البعد موجود في حالة الجمعيات الخيرية التي تكون معروفة لمن يستحقون الزكاة ووجود جمعيات أهلية تقوم بتلقي الزكاة من الناس وتوزيعها بمعرفتها يؤدي إلى الإفادة لعدد كبير من المستحقين .

ويرى د . عثمان أنه لابد من وضع شروط في تلك الجمعيات أهمها أن يكون القائمون عليها من المشهود لهم بالخلق والعدالة .

مسؤولية الدولة

يؤكد الدكتور محمد عبد الحليم عمر أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر أن الدولة يجب أن تتولى عملية جمع الزكاة وأن هناك دليلين على ذلك أولهما أن الحاكم مسؤول عن سياسة الأمة ومصالحها والزكاة من مصالح الأمة لأنها حق للفقراء في مال الأغنياء . . ومن ضمن مصارف الزكاة العاملون عليها . . وقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستخدم عمال الزكاة والصدقات في توزيعها وتولى المهمة بعد رسول الله أبو بكر رضي الله عنه وسار على النهج نفسه جميع الخلفاء بعد ذلك . وفي العصر الحاضر فإن إحدى عشرة دولة إسلامية تتولى شؤون الزكاة بموجب قوانين وإذا لم تقم الدولة على شؤون الزكاة فيجب على المزكي أن يجتهد في إخراجها لأنه مسؤول عنها أمام الله سبحانه وتعالى وسوف يحاسب على تقصيره . . أما الدليل الثاني فهو أن الله عز وجل خاطب رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، والخطاب كما أجمع عليه المفسرون ليس خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم فقط ولكن لكل حاكم مسؤول عن دولة ورعية .

ويضيف: إذا لم يقم الحاكم بهذه المهمة فلابد من أن تنظم ولا تكون فردية مما يؤدي إلى ضياع الغرض من إخراجها وهو تحقيق الكفالة لأكبر عدد ممكن من الفقراء بحيث يكون هذا التنظيم من خلال هيئات أهلية .

ويشير د . عمر إلى أن أغلب الدول الإسلامية بها تلك الهيئات وهذا شيء جيد لأن الحاكم إن لم يكن متدخلاً في تحصيل الزكاة فلا أقل من تنظيمها بمؤسسات مختصة غير حكومية حيث سيكون لديها نظام لمعرفة من يستحق الزكاة وتنظيمها خاصة في المدن التي تنقطع فيها معرفة المستحقين وسيكون لديها دفاتر ومستندات تستطيع بواسطتها أن تحدد كيفية توزيع أموال الزكاة .

لكنه يرى أن هذه الجمعيات لابد من أن تخضع لأربعة أنواع من الرقابة: أولها: رقابة العاملين إذا كانوا يفعلون الأمر تطوعا ولوجه الله . . والثاني: رقابة جهاز الدولة للمحاسبات . . وكذلك رقابة الشؤون الاجتماعية . . ورقابة مراجع الحسابات في كل جمعية .

ويطالب بأهمية أن يكون هناك تنسيق بين تلك الجمعيات مؤكدا أن غياب التنسيق سيخلق مشكلة تتمثل في قيام عدد من الفقراء بالتردد على أكثر من جمعية مما يؤثر على حقوق غيرهم في حين أن المتعففين لا يحصلون على الزكاة .

ويقترح في هذا الصدد أن يكون هناك ربط إلكتروني بين الجمعيات الأهلية بحيث تستطيع الجمعية معرفة ما إذا كان الشخص المتقدم إليها يأخذ من أخرى أم لا؟

فلسفة الزكاة

أما الدكتور طه حبيشي رئيس قسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر فيقول إن من أركان الإسلام الزكاة . . وهي حق الفقراء في أموال الأغنياء وليست تفضلا من الغني على الفقير .

وإذا كانت الزكاة مهمة جماعة ومسؤولية سلطان فإن الإسلام وضعهما تحت سيطرة قواعد صارمة فلم يبح للجماعة أو النظام حق انتقاص ما للأفراد من حرية في أموالهم، ولم يبح لهم أن يدخلوا على الأغنياء بالتسلط فيأخذوا منهم كرائم الأموال ويتركوا لهم الرديء منها إذ في هذا ظلم لا يقبله الشرع ولا يرتضيه . . والجماعة أو النظام حين وكلت إليهما الشريعة حق جمع الزكاة لإنقاذ الأفراد مما قد يصيبهم من شح يحمل عليه حب المال حددت لذلك نظاما لا يجوز لأولي الأمر تعديه وهو أن يؤخذ في كل مقاطعة من المقاطعات أو ولاية من الولايات أو محافظة من المحافظات المال من أغنيائها ليرد على فقرائها وهذا أمر مقصود للشريعة الإسلامية حيث إن نفوس الأغنياء تطيب إذا رأوا فضول أموالهم وجزءا من فائض ربحهم يؤخذ منهم ويرد على أقربائهم وذويهم .

والشريعة في مقابل ذلك لا تسمح للدولة أن تدخل الزكاة ضمن إيرادها العام وإنما لابد من أن تجعل للزكاة نظاما ماليا خاصا يقضي بصرفها في مصارفها الشرعية إذ إنها فريضة استهدفت رفع مستوى الفقراء والمساكين وسد الحاجات العارضة والتعامل مع الظروف الطارئة .

ويشير إلى أن فلسفة الزكاة على هذا النحو تعتمد على عدة مسوغات أولها أن ضمير الفرد عرضة لأن يغتاله الشح أو يضيعه الهوى فيمتنع عن أداء الزكاة فيحمله النظام على أدائها وينقذه من شحه وهواه . . وثانيها أن في أخذ الفقير الصدقة من الفرد يشعره بالدونية فإذا أوصلها له مندوب الجماعة اختفى هذا الشعور وبقيت للفرد كرامته . . وثالثها أن توزيع الأفراد زكاة أموالهم يحرم الجماعة من النظام ويقترب بهم من الفوضى التي تضيع بعض مقاصد الزكاة . . ورابعها أن في بعض مصارف الزكاة أمورا عامة لا يقدر على تحقيقها فرد واحد من الأغنياء ولا يسعها ماله فيأتي النظام لتغطية هذا الهدف وتحقيق هذا المقصد . ومن أجل هذا وغيره جعلت الشريعة الإسلامية الزكاة مسؤولية أمة ووظيفة نظام في إطار ضوابط صارمة . . غير أن هذه الأمة وهذا النظام لا يجوز له أن يتولى مسؤولية الزكاة إلا إذا كان نظاما إسلاميا خالصا متصفا بقدر من الشفافية يناسب عظمة فريضة الزكاة فإذا غابت المنظومة الإسلامية، فإن المسؤولية هنا تطوق رقاب الأفراد ولا تعطل فريضة الزكاة .

فرض عين

ويلفت الدكتور حسين شحاتة أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر إلى أن الفقهاء أجمعوا على فريضة الزكاة والالتزام بتطبيقها وأنها فرض عين ومن أقر بفرضيتها ومنعها فإنها تؤخذ منه كرها ويجبر على أدائها . . وإذا منعت في جماعة فإنهم يقاتلون عليها حتى تؤخذ منهم كما فعل الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي قاتل الممتنعين عن أداء الزكاة وقال قولته المشهورة: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها . كما أن السنة النبوية الشريفة حافلة بالعديد من الأحاديث التي تؤكد فرضية الزكاة ومسؤولية ولي الأمر عنها فقد ورد في الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين أرسله إلى اليمن: أعلِمهم أن الله افترض عليهم في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم . ومن أدلة فرضية الزكاة على المسلم قول الله تبارك وتعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله فريضة من الله والله عليم حكيم (التوبة: 60) .

ولقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتطبيق الزكاة فقال: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (الحج: 41)، وهذه الآية توضح مسؤولية ولي الأمر عن تحصيل الزكاة وصرفها في مصارفها الشرعية .

ويضيف الدكتور حسين شحاتة: نظام الزكاة جاء ليكون من وظيفة الحكومة الإسلامية أي أن الإسلام وكل جبايتها وتوزيعها على مستحقيها إلى الدولة لا إلى ضمائر الأفراد . وترك هذا الأمر للأفراد يجعل التوزيع فوضى فقد ينتبه أكثر من غني لإعطاء فقير واحد على حين يغفلون عن آخر فلا يفطن له أحد وربما كان أشد فقرا . . وصرف الزكاة ليس مقصورا على الأفراد من الفقراء والمساكين وأبناء السبيل فمن الجهات التي تصرف فيها الزكاة مصالح عامة للمسلمين يقدرها أولو الأمر وأهل الشورى في الجماعة المسلمة كإعطاء المؤلفة قلوبهم وإعداد العدة للجهاد في سبيل الله وتجهيز الدعاة لتبليغ رسالة الإسلام . . وإن الإسلام دين ودولة وقرآن وسلطان ولابد لهذا السلطان وتلك الدولة من مال تقيم به نظامها وتنفذ به مشروعاتها ولابد لهذا المال من موارد والزكاة مورد مهم دائم لبيت المال في الإسلام .

فرصة للعطاء

ويختلف الدكتور أحمد السايح الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو المجامع العلمية الحديثة عن بقية العلماء فهو يرى أن الزكاة مفروضة على كل مسلم توافر لديه نصاب الزكاة . . والدولة هنا لا دخل لها لأنها ربما لا تعرف من توفر لديه نصاب الزكاة أي أن المسلم مسؤول عن فريضة الزكاة يؤديها متى توافر لديه النصاب . . وبالتالي يصبح المسلم مطالبا بأداء فريضة الزكاة التي فرضها الله ويؤديها لمن أمر الله عز وجل بإعطائها لهم . ولا يخفى أن فريضة الزكاة في إمكانها أن تلبي حاجة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وتلبي مطالب المحتاجين والناس في مجتمعاتنا الإسلامية يحتاجون إلى توعية للحفاظ على هذه الفريضة وأدائها كما ينبغي . . ولو أداها المسلمون لانحلت مشكلات المسلمين في المجتمعات الإسلامية كلها . ويضيف: إن الكل يعرف مدى ما وصل إليه الفقر من معدلات مرتفعة ولو حرص أثرياء المسلمين على الوفاء بهذه الالتزامات التي تمثل حلولا لمشكلة الفقر ما بقي بين المسلمين فقراء، وحرمة الملكية الخاصة للأفراد تسقط في حالة وجود ولو جائع واحد بين المسلمين لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي أخرجه أبو داود في سننه: إذا بات مؤمن جائعا فلا حق لأحد في مال .

وتعليقا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء كانوا يتولون توزيع الزكاة من بيت المال أشار د . السايح إلى أن الدولة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين كانت مسؤوليتها أكبر ولكن الدولة في مجتمعاتنا المعاصرة أرادت أن توفر للمسلمين فرصة للعطاء فأعطت لهم الحرية في توزيع الزكاة كما يرونه مناسبا حسب كل بيئة وكأن كل بيت من المسلمين هو بيت مال يتصرف في الزكاة كما ينبغي لأن الكثير منا يعرف إخوانه الفقراء والمحتاجين سواء من الأهل أو الجيران أو المنطقة التي يقطن فيها فهو الذي سيحاسب على عدم أدائها والتقصير فيها أمام الله فشأنها شأن الصلاة والصيام .