ولو أدرك المكبّر مفهوم التكبير، لما قدّم على أمر الله أي أمر، ولما وقع فيما ورد عنه نهي وزجر، ذلك أن الله تعالى أكبر من كل شيء، إنه أكبر من نفس العبد وهواها، وأكبر من رغباتها ومشتهاها، إنه جل وعلا أكبر من الدنيا ومغرياتها، وأكبر من مفاتنها وبهجتها، الله أكبر من الشيطان ووساوسه، وأكبر من قرين السوء وهواجسه، إنه تعالى أكبر من كل كبير.
إن مفهوم التكبير هذا، ليغرس في نفس المؤمن، قوة إيمانية تدفعه إلى التضحية والفداء، فينهض إلى طاعة الله تعالى، وقد ضرب الله تعالى لنا مثلاً بسيدنا إبراهيم عليه السلام، وما ابتلاه الله تعالى به كما قال سبحانه وتعالى: «وإذ ابتلى إبراهيم ربُّه بكلمات فأتمهن» (البقرة 124) لقد كان الامتحان صعباً، ولكن قوة الإيمان كانت أقوى فتجاوز بها إبراهيم عليه السلام كل الصعاب، وهل ثمة شيء أصعب على نفس الوالد من ذبح ولده؟ وكيف؟ ومتى؟.. بعد أن رزقه الله تعالى إياه على تقدم في السن، وبعد أن كبر وشبّ، ورجا نفعه وفائدته، «فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين» (الصافات 102) يا الله، أي عظمة في هذا الصبر والامتثال؟ ولكن لا عجب إذا فهمنا أنهما قد فهما معنى (الله أكبر)، فحققا تطبيقه في واقع الحياة، فما كان لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، أن يترددا في تنفيذ أمر الله، ولا أن يتأخرا في تحقيقه، لأنهما فهما أن الله تعالى أكبر من النفس ومشتهاها، فأسلما قيادهما لله، فلما علم سبحانه وتعالى صدقهما رحمهما وهو الرحمن الرحيم، «فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين» (الصافات 103 - 111) لقد نجح إبراهيم عليه السلام في الامتحان، وفاز بالجائزة العظمى من الملك العلام، لأنه فهم معنى «الله أكبر» وحققه في واقع الحياة.
فلنعد إلى أنفسنا، ولنحاسبها على مقدار ما فهمنا من هذا اللفظ العظيم، لفظ التكبير الذي نردده كثيراً في حياتنا، في صلاتنا وتسبيحاتنا وأذكارنا، وأكثر ما نردده في أعيادنا.
فلو فهم أهل الفجور والخمور، وأهل الغش والقمار والربا والسرقة معنى «الله أكبر»، أيمكنهم أن يقدموا على ما أقدموا عليه؟
ولو فهم أهل الظلم، الذين يغمطون الناس حقوقهم، فلا يوفون الأجير أجره، ولا يعطون العامل أجرته، لو فهموا معنى «الله أكبر»، أكانوا يفعلون ذلك؟
ولو فهم الذين استحلوا الدماء الآمنة، وقتلوا النفس المحرمة، ونشروا الرعب والخوف في صفوف المجتمع الآمن المطمئن، لو فهموا معنى «الله أكبر» أكانوا يجرؤون على جرائمهم الفظيعة، وأعمالهم البشعة الشنيعة؟
ولو فهمت المرأة التي تكشف عن مفاتن جسمها أمام من لا يحل له ذلك، تقليداً للموضة، وتمشياً مع مقتضيات العصر ودواعي التغيير، لو فهمت معنى «الله أكبر»، أكانت تخلع ربقة الحياء، وتمشي بين الناس بلا استحياء وتعرض عن قول ربها في كتابه الكريم: «يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن جلابيبهن» (الأحزاب 59)؟ وقل مثل هذا في سائر أهل المخالفات وارتكاب المنهيات، من الغيبة والنميمة، والمكر والخداع، وما إلى ذلك من صنوف الموبقات.
ألا ما أحوجنا إلى تحقيق هذا المفهوم في حياتنا.. مفهوم «الله أكبر» فلنقل بألسنتنا، ولنوقن في قلوبنا، بأن «الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر»، ولنقل لأنفسنا متى ما سولت لنا بمخالفة أو معصية: «الله أكبر»، ولنقل لشياطين الإنس والجن، متى ما وسوسوا لنا: «الله أكبر»، ولنتذكر كلما طرأت علينا الغفلة بأن الله أكبر.
*أستاذ التفسير وعلوم القرآن -كلية الشريعة- جامعة الشارقة