ارتبط الشعر منذ بداياته الأولى، بالتعبير عن واقع الإنسان، ورؤاه، وحلمه وتطلعاته، فكان بذلك صوت أعماقه، ووسيلة ينشد من خلالها إلى مستقبل أفضل . وحقيقة لا يمكن النظر إلى الشعر إلا وهو أَحد أهم وأقدم الأدوات المغنية في عالم الإنسان، والتي عول عليها لكي تكون لسان حال لحظته من جهة، ولكي تتضمن رائحة توقه نحو غدٍ أفضل .

على هذا النحو - تماماً - تطور الشعر يوماً بعد يوم، على أيدي الشعراء المبدعين القدامى ليخط مساره ويحدد هويته، لئلا يكون عبارة عن ترف - فحسب - بل لتكون له هويته التي سرعان ما اتضحت ملامحها على أيدي فرسانها الأوائل، إذ نبغ في كل أمم الأرض شعراء مبدعون يعوّلون على الشعر في أن يكون عبارة عن وسيلة تدفع للعب دورها التنويري، وخلاص الإنسان من ضروب المعاناة، والاضطهاد من دون أن ينفك عن مثل هذه المهمة البتة .

إذا كانت للشعر - عادة - إغراض عديدة، يتطرق إليها الشاعر، ومنها ما لا يتضمن أياً من الرؤى الداعية إلى الخلاص والتغيير، بل هي غارقة في اهتماماته ومشاغله، كأن يرتبط بالتعبير عن قضايا إنسانية أخرى، كقضية الحب، وسواها، بيد أن الشاعر الأصيل هو من يستطيع النجاح في تنويع المواضيع المتناولة من قبله، من دون أن يغامر بالدور التغييري للشعر في تحسين واقعه .

إن مثل هذه الرؤية التغييرية لم تكن هاجس الشعر وحده، فحسب، بل هي في الوقت نفسه هاجس ضروب الفن برمتها والتي نشأت هي الأخرى مع تبلور وعي الإنسان الأول الذي بات يتخذ موقفاً من العالم المحيط، ويعيد رسمه عبر المفردة أو الرسم .

وإنه إزاء تطور الحياة، وازدياد المتاعب والأسئلة الملقاة على عاتق الإنسان ولا سيما في مجتمع المدينة، فإنه كان لا بد للشعر من أن يكون أكثر انحيازاً إلى جموع المضطهدين، ويقف في وجه المضطهد، بكسر الهاء، وإن كان في الوقت نفسه، من يرهن قصيدته لأغراض ذاتية، موقوتة . لكي يسلخها عن دورها الحقيقي في خدمة مجتمعه، وإن كانت هذه القصيدة تمتلك - فنياً -المواصفات الجمالية المطلوبة من النص، إلا أنها كانت تفتقد حرارتها، ودفئها، بل ومصداقيتها .

ومن هنا - تماماً - يتنوع موقف الشعراء من ارتباط الإبداع بالمجتمع، حيث هناك من يجند إبداعه في سبيل القضايا العامة، وهو نفسه ينتمي في المحصلة إلى هؤلاء، وهناك من يغترب عن أسئلة هؤلاء العامة، ويدير لها ظهره .

تأسيساً على مثل هذا التباين في موقف الشعراء، يمكن إطلاق حكم القيمة على موقفهم الإبداعي، وتصنيفهم إلى معني بالشأن العام، ومتنكر له .

الملحق الثقافي توجه إلى عدد من الشعراء والنقاد العرب وسبر آراءهم حول موقفهم من الشعر كأداة للتغيير:

يرى الشاعر محمد خليفة بن حاضر أن الشعر أقدر على تحريك المشاعر من النثر، والقصيدة الواحدة الجميلة تعدل مئات الخطب، وهذه الحقيقة لا تزال مشاهدة إلى اليوم، وقد رأينا إبان أحداث تونس الأخيرة تردد مقاطع من قصائد الشاعر أبي القاسم الشابي، وترجمت هذه المقاطع إلى كثير من اللغات في الغرب ونشرت على صفحات الجرائد خصوصاً بيته الشهير:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر

كم من شعر قيل في مناسبات فحرك المشاعر واستنهض الهمم، وقصة قصيدة أبي تمام في فتح عمورية لا تزال حاضرة في الأذهان كشاهد حي على الشعر حين يحرك المشاعر ويسمو بالنفوس إلى العلا ويدفع للإنجازات العظيمة، والقصائد العظيمة التي كتبها أمير الشعراء أحمد شوقي وأحمد رامي وغيرهما وغنتها أم كلثوم ظلت تلهم العرب في نضالهم ضد الاستعمار والظلم وسعيهم للحرية، ولا تزال يسمع صداها في اللحظات الحاسمة، وكم سمعنا هذه الأيام بيت أحمد شوقي الشهير:

يا مصر أشبال العرين ترعرعت وأتت إليك من القيود أسود

ويضيف ابن حاضر أن مما يؤسف له أن كثيراً من الشعر اليوم طغت عليه نزعة ركوب الغموض فابتعد عن الجماهير، وأصبحت بينه وبينهم فجوة كبيرة، وأصبح أصحابه يدعون أنهم يكتبون لأنفسهم فقط، وقد أثرت هذه النزعة سلباً في تعاطي الناس مع الشعر، فكادوا يزهدون فيه، ومع ذلك فأنا على قناعة أن الشعر ما زال قادراً على أن يحقق التأثير اللازم ويقود الشعوب العربية نحو غد أفضل .

ويقول الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم: الشعر ينبع من الوجدان ويتجه إلى أهل الإحساس والشاعر إنسان تحركه المشاعر والإحساس، وهو دفق مشاعر ولا يحرك إلا من كان فيه إحساس، أما الجاهل الذي لا يمتلك تلك الرهافة فلا يتأثر، ومما يؤسف له أن الأغلبية اليوم ميتة الإحساس فهي غير قادرة على أن تذوق ذلك الطعم الجميل الذي يتلذذ به الخاصة في ثنايا لغة وإيقاع الشعر، لقد كان الناس قديماً رهيفي الإحساس لأن أغلبهم كانوا يفهمون ويتذوقون الشعر ويدركون حقيقته، كانت تتعادل لديهم الفكرة والمشاعر، فيأتي الشعر على مقدار ذلك التعادل، ليأسر النفوس ويؤثر فيها، واليوم انحسرت ثقافة الشعر، وابتعد الناس عنه كثيرا وشغلتهم الماديات، ويحتكمون على عقول مريضة عديمة الإحساس، فعم الجهل بالشعر وانغلقت الأذهان ولم يعد هناك من يتذوقه، وأصبحت القلوب مقفلة دونه إلا قلة قليلة ممن مازال يهزهم ويطربهم، ويقودهم إلى الأمام، للفعل والحرية .

ويضيف إبراهيم: هذه القلة القليلة القابلة للتأثر شعرياً، تتميز بأنها دائما نخبة المجتمع والعنصر المؤثر فيه، وهي التي يعول عليها في بقاء جذوة الشعر متقدة، وهي التي تبعث على الأمل بأن الشعر لن يموت، وبأن القصيدة المبدعة حين تكتب لا بد أن تجد قارئاً يتذوقها، ولا بد أن تؤثر، وشواهد ذلك من الواقع كثيرة، فأحياناً يكتب أحدنا قصيدة، وينشرها في جريدة أو كتاب أو على صفحات الإنترنت فيقرأها فيتلقفها قارئ في أقصى بلاد العرب، ويأسره جمالها، وتبقى معه يحملها في صدره ويستشهد بها في المواقف التي تعترضه، وقد وقع لي قبل أيام شيء كهذا فقد كنت أتابع برنامجاً في إحدى محطات التلفزيون العربية، وإذا بأحدمهم يستشهد بمقطع من هذه قصيدة لي كنت نشرتها في موقعي على الفيسبوك، وهذا ما يعطينا نحن الشعراء الأمل ويبقي على شعلة الشعر متقدة في نفوسنا .

سلبيات

الشاعر عبدالله السبب رأى أن الشعر لم يخرج من قلب الأحداث المصيرية للمجتمعات العربية، ولكن طبيعة ونسبة حضوره اختلفا عن أزمنة سابقة في التاريخ المعاصر للعرب وقال: الشاعر موجود، وهو لا يمكن أن ينسحب من الأحداث، لكن ارتباط الشاعر بالأحداث أصبح مختلفاً من حيث القضايا، وأصبح أكثر ارتباطاً بواقعه الصغير، واهتماماً به، وهنا المسألة المكانية تلعب دوراً مهماً، فنحن نجد ميلاً لدى الشعراء للتعبير عن المشكلات التي تدور في دائرتهم، وعدم الاهتمام بالقضايا العربية العامة، وهذه المسألة تعود إلى مساحة حرية التعبير التي قد تكون موجودة في بلد ما أكثر من بلد آخر، وهي تعود عموماً إلى الأوضاع السياسية .

من جهة أخرى رأى السبب أن الأوضاع اليوم في عموم البلاد العربية مركبة، وأن الكثير من المواقع تغيرت وقال: نحن نجد أن دور الشعر الإعلامي قد تغير نتيجة لتنامي قوة الإعلام نفسها، وأصبحت قوة الإعلام اليوم من خلال الصورة المباشرة أكبر تأثيراً من الكلمة، فإذا ما تحدثنا عن كلمة مثل القتل فنحن سنجد أن الإعلام جعل القتل مرئياً من خلال نقله للأحداث، وإذا ما تحدثنا عن الفقر سنجد أن الإعلام ينقل إلى الناس الآلاف من صور البؤس عبر العالم، وهكذا فإن الشعر أصبح أكثر تعلقاً بالأمور الفردية، وربما الشعرية .

ويضيف السبب أن الشعوب نفسها أصبحت بعيدة عن الشعر، وهناك بحسب السبب أزمة بين الناس وبين الشعر، وقد لعبت أمور كثيرة دوراً سلبياً في إحداث مثل هذه الأزمة، وقال السبب: إذا ما عدنا إلى فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي سنجد أن شاعراً مثل نزار قباني على سبيل المثال لا الحصر كان يتحدث عن السياسة حين يتحدث عن الحب وكذلك عن المجتمع، وهو ما نراه قد تراجع اليوم، وهذا يحتاج إلى نقاش كبير في أوضاع الشعوب والمجتمعات اليوم، وكذلك في أمر الشعر نفسه، والأمر لا يمكن تحليله في عجالة، كما أننا إذا نظرنا إلى الشعر العربي في المهجر سابقاً فإننا سنجد أنهم كانوا أيضاً قريبين من قضايا مجتمعاتهم الأصلية، وهو الأمر الذي لا نجده اليوم، وهو ما يؤشر إلى تغييرات جذرية ليس فقط بعلاقة الشاعر بالأحداث، وإنما إلى تغيرات جوهرية في مجمل المناخات المجتمعية للشعوب العربية نفسها .

الشاعرة الهنوف محمد تجد أن الشعر موجود بقوة اليوم في الأحداث، وهناك تنامِ لدور الشعر، وتجد أن ازدياد المسابقات الشعرية باللغة الفصحى، أو العامية النبطي يؤشر إلى وجود ارتباط قوي بين الشعر والناس، وأن الشعراء اليوم محظوظون بسبب الدور الحيوي التي أوجدته تلك المسابقات التي تتيح لهم الاقتراب أكثر من الناس، ولكنها في الوقت نفسه رأت أن دور الشعر تغير كثيراً، فالكثير من المفردات والصور الشعرية المباشرة لم يعد لها معنى في زمن الاتصالات والإعلام وقالت: لقد مل رجل الشارع العادي مما يراه من صور عبر الإعلام المرئي وهو لا يريد أن يجدها في الشعر، والكثير من الكلمات المدوية قبل عقود لم تعد تملك التأثير ذاته في المواطن العربي، حيث حدث تغير كبير في الواقع العربي تعود الناس عليه أو تأقلموا معه، والشعر مطالب بأدوار أخرى .

وتضيف الهنوف بأن الشعر اليوم يعبر بشكل قوي عن الحياة اليومية وتفاصيلها، ورأت أن هذا ما يريده الناس، وفي هذا السياق تجد الهنوف أن قصيدة النثر بتبنيها الحياة الواقعية جعل منها أقرب إلى الخبز اليومي من خلال تناولها الكثير من الأشياء البسيطة مثل العلاقة بين الإنسان والأشياء، أو علاقة الإنسان مع تفاصيل الجمال مثل الطبيعة، وكل ذلك بحسب الهنوف يجعل الشعر موجوداً وقريباً من الناس .

الشاعر كريم معتوق أشار إلى تراجع دور الشعر في العصر الحديث عما كان عليه في السابق بسبب تطور وسائل الإعلام الحديثة من صحافة وتلفزيون وفضائيات، وهذه السرعة في نقل الحدث والتعليق والصورة، هذه الصورة التي شكلت علامة مدهشة لكونها تختزن الكثير من الدلالة النفسية والتوثيقية لزمن وتاريخ الحادثة وتفاصيلها المرة أو السارة، وأكد معتوق أن رسالة الشعر الآن قد تغيرت لتغوص في المحاكاة الإنسانية بمجملها وليس في الأحداث التي طغت على المشهد الحياتي التي تجاوزها الزمن . وهذا يعني من وجهة نظر معتوق أن جميع القصائد التي تناولت الأحداث قد تجاوزها الزمن بمجرد زوال تلك الأحداث، فأصبح الشاعر ك الإسفنجة التي تمتص الأحداث، وهو الذي دأب على تقديم رؤية شاملة ومعمقة وبعيدة عن التفاصيل، وهذه الرؤية قد تحمل بعداً سياسياً أو اجتماعياً أو كونياً، لكنها بالقطع ليست محاكاة لتفاصيل ما يحدث .

وفي سياق تمثيله على هذه القناعة استشهد معتوق بما يحصل في أكثر من بلد عربي في هذه اللحظة التاريخية، حيث يصعب تصوير ذلك من خلال القصيدة التي باتت أمام صورة الحدث ضئيلة جداً، وغير مقنعة، وأن الشعر الآن لم يعد معنياً باللهاث وراء الحدث السياسي بمقدار سعيه لتغليب فكرة الفن والرؤية الإنسانية .

الشاعر علي كنعان يقول: تتغير طبيعة الشعر بتغير وظيفته وأغراضه . كان الشاعر في الماضي يؤكد على القيم السائدة في مجتمعه ويتغنى بها، وهو يرصد الأحداث الدائرة حوله أو يخوض في غمارها كعضو فعال متميز في ذلك المجتمع، ويشغل مهمة المؤرخ والمربي والإعلامي معا . أما هاجس الشاعر المعاصر فيتجلى في أن يعبر، بطريقة مجازية مكثفة وغائمة، عن الحياة بكل ألوانها وتجلياتها الفنية والجمالية في نفسه . وإذا كانت الوظيفة القديمة قد استمرت في خدمة المجتمع القبلي والسياسي، بشكله الموروث أو بشكله الحزبي الجديد، فقد كان الجواهري والبردوني آخر أعلامها الكبار . ودفاعاً عن الغرض الذي يؤمن به الشاعر نراه يصرخ: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي . . بنو اللقيطة . .إلخ/ وهو يؤكد على الرابطة العصبية معلناً أن أولئك القوم لا يسألون أخاهم برهاناً . . حين يندبهم لنجدته . وكانت البنية اللغوية تلتمس البلاغة الشكلية والمحسنات اللفظية، ولا تخرج المعاني كثيرا عن دلالاتها المعجمية إلا في حدود .

مع الاحتكاك بالغرب، سلباً وإيجاباً، من خلال الاستعمار وحركات التحرر الوطني وانتشار التعليم وانفتاح آفاق جديدة على العالم وثقافاته، تحولت وظيفة الشعر وتغيرت بنيته كذلك . وعوضاً عن أغراض المديح والهجاء والرثاء، بمختلف اتجاهاتها الاجتماعية والوطنية والعاطفية، أخذ الشاعر المعاصر ينطلق من معاناة تجربته الكلية في الحياة ومن خلال رؤيا خاصة وموقف واضح، وراح يلتمس بلاغته العصرية الحديثة من خلال الصور الفنية الجمالية . دخل الشاعر في مغامرة ابتكار نسيج جديد أدى إلى الابتعاد عن المعاني المعجمية للكلمات وانزياحها عن دلالاتها المعروفة، وأخذت الصورة تمنح البناء الشعري إيحاءات غامضة وجديدة . لم يعد الهدف نفعياً، بل صار متعة فنية جمالية .

لقد تغير الحس الجمالي والذائقة الفنية تغيراً جذرياً، صارت القصيدة قريبة من اللوحة الحديثة بألوانها الإبداعية المختلفة وامتزاجها معا، كما تغير الإيقاع الموسيقي وفق خلجات الشاعر الوجدانية، ودخلت الأحلام والأساطير والوقائع والذكريات ممزوجة في صيغة كيميائية جديدة . وصار هاجس الشاعر الحرية والعدالة والتجديد في كل شيء .

وحتى لا نظلم شعرنا التراثي نرى أن الصورة الحداثية مبثوثة في بعض الأبيات القديمة، ولو بنسبة ضئيلة، منذ أن تحدث امرؤ القيس عن ليل السهد الطويل وشبهه بموج البحر، كما أن عنترة ود تقبيل السيوف لأنها لمعت كثغر الحبيبة، وعبر الشريف الرضي عن تلفت القلب . وهذه الصور الفنية البسيطة، على قلتها، لا تغيب عن ذاكرة شعراء الحداثة، إنما يسعون إلى تجاوزها وابتكار صور جديدة منسجمة مع العصر .

وإذا كان الشاعر القديم حادي قافلة أو صناجة معركة، فالشاعر المعاصر رسام وموسيقي ومغن في آن، مع التأكيد على المغامرة اللغوية في تعبيره عن الحالة الشعورية واللاشعورية الغامضة التي يعيشها أثناء معاناة التجربة والتعبير عنها في قصيدة أشبه ما تكون باللوحة التشكيلية .

قيل: الشعر ديوان العرب، أظن هذه المقولة صحيحة إلى حد كبير في وقتنا الراهن لأن الشعر تعبير عن نبض الإنسان وروحه وسيبقى ما بقي الزمان . .

ولكن قد يختلف تأثيره من زمن إلى آخر . .ففي العصور القديمة كان الشاعر سفير قومه ولسان حالهم وسيفهم الذي يمتشقونه كلما لاح في الأفق خطر ما . .

على المستوى الكوني في منتصف القرن العشرين، كان الشعراء يقفون في الصفوف الأولى من معارك شعوبهم ضد الظلم والطغيان، وكانت أرواحهم على أكفهم ولا يخشون في الحق لومة لائم والأمثلة كثيرة: ايلوار ونيرودا وناظم حكمت ولوركا .

وعلى المستوى العربي ظهر شعر المقاومة ضد الاستعمار وأعوانه ليس بدءاً من الجواهري حتى شعر المقاومة الفلسطينية . .حيث يؤكد محمود درويش أن القصيدة لا يمكن أن تسقط طائرة، ولكنها مع الوقت تتحول إلى قوة روحية هائلة لدى الإنسان الطامح إلى الأفضل دائماً .

إن هذا الدور للشعر بين مد وجزر قد انحسر دوره في السنوات الأخيرة من القرن العشرين حتى الآن لعوامل كثيرة كانهيار القيم الثورية واستشراء الفقر والبطالة والفساد، بحيث شعر الناس أن الشعر وحده غير قادر على التغيير المنشود، كما ظهر جيل جديد مغسول الدماغ بالأفكار الواردة التي تمجد العبث والتفاهة والغيبيات مما كان له أثره في الابتعاد عن الشعر .

ولكن لا شيء يبقى على حاله، لا بد أن يظهر جيل جديد يعيد إلى الفن عامة وإلى الشعر خاصة أمجاده القديمة .

مخطئ من يظن أن الفن فقد دوره الثوري فما زال الكاتب الحق محاصراً بالقمع والمنع والنطع، لكي يبلع لسانه ويسكت عن الحق كشيطان أخرس .

يخيل لي للحظة أن أشعار أبي القاسم الشابي لم تذهب عبثا بل كانت تحفر لنفسها في أعماق الشعب التونسي الذي يسعى إلى تونس خضراء في الواقع لا على الورق فحسب .

أجل إن الشاعر الملتزم قضايا الإنسان لا بد أن يترك أثراً فعالاً في المستوى البعيد، وسيبقى الشعر السراج الوهاج الذي ينير الدرب أمام جحافل العشاق الحائرين .

الشاعر حسان عزت يقول: لم تعد المفاهيم، التي كانت سائدة في العصور الماضية حتى القرن الماضي كما كانت من قبل، فقد جرى عليها التغير كما جرى على غيرها، وقد تبدلت اهتمامات البشر وأدوارهم الاجتماعية والمفاهيم المتعلقة بتلك الأدوار، بفعل عوامل ومستجدات كثيرة وبفعل كثير من النظم الحديثة والمستجدة التي حلت محل النظم التي كانت سائدة في القرون الماضية بسبب الاكتشافات العظيمة وثورات الاتصال والمعلومات والربط والبرمجة والتوثيق التي أصبحت السمات الأساسية للدول والمجتمعات كلها، وبذلك انحسرت أدوار كانت هي المحرك الأول لدى شعوب كثيرة في الثورات والحركات الاجتماعية السياسية كدور الشعر والشاعر .

هذا ما رأيناه في مجمل الأحداث والحركات التي تعصف في منطقتنا العربية مؤخراً ونراه الآن، فثورة الشعب التونسي مثلاً لم ترفع خلالها الشعارات المعروفة من قبل، ولا اللافتات التي عرفت في القرن الماضي، ولم تردد خلالها الأشعار والأناشيد والأغنيات التي طالما رددتها الشعوب والحركات العربية في القرن الماضي، بل سادت التحركات مطالب محددة وعبارات مرتبطة بتلك المطالب، ولم يرتفع من أقصى البلاد إلى أقصاها سوى العلم التونسي، كذلك لم نشاهد في الحركة الشعبية، وثورة مصر لا أشعاراً ولا لافتات ولا صوراً إلا العلم المصري، وعناوين محددة تتعلق بالمطالب المحددة والمباشرة، ولم نسمع في الثورتين قصيدة واحدة جديدة تعبر أو تصور ما يحدث، اللهم إلا تلك القصيدة الخالدة للشاعر أبي القاسم الشابي والتي كتبت قبل ثمانين سنة وكأنها مكتوبة الآن . . وهي قصيدة تؤكد على الروح والمآل والمعنى أكثر من تركيزها على الصور اليومية والأفعال الراهنة، وتتعرض للركون والخنوع والاستسلام للعجز، ولا تتعرض لحكم بعينه أو طاغية بعينه، أو تصف الناجز والمعروف والمجسد .

تحول

تطور مفهوم الشعر الآن وتغيرت طبيعته وجمالياته وفنياته بتطور العصر ووسائله ومعطياته، وانحسرت اهتماماته الكبرى وتوجهاته التي كانت سائدة من قبل ليلتفت إلى الذات والفردية وهموم القلق والغربة ومشكلات الوجود، ولم يعد الشاعر معبراً عن ارادة الجماعة والجمع والأمة، ولا عن تطلعات المجتمعات والشعوب، كذلك الأغنية، وقد انحسر مفهوم النشيد ومفهوم الشعر ليحل محل ذلك . . الماسيج والرسائل القصيرة، والإشارة، والرمز، والشعار والمطلب المحدد الآني والمقنن بمسألة محددة، وقد ساد الإيجاز والوضوح، والعبارة المطلبية، محل الصور والبيان والخيال والايحاء والبلاغة في الزمن السريع، والعبارات الجاهرة، وزمن الابتكارات التكنولوجية، والاكتشافات العلمية المذهلة، وزمن المعلومات والاتصالات، وزمن الاقتصاد وتسارع دورات رأس المال .

تطلعات

أصبح الشعر من المطالب والاهتمامات الخاصة، وكذلك بقية الفنون الجمالية، وانحسرت مطالب الأغلبية العظمى من البشر بفعل السياسات والبرامج والخطط والاستراتيجيات الاقتصادية، لتصبح مطالب متعلقة بالغذاء والراتب والأجر، والعمل والمتطلبات اليومية . . أما الحاجات الجمالية والفنية والفلسفية قد أصبحت في الاهتمامات الفردية وليس في اهتمامات الجماعة، ورغم أن شرائح كثيرة ما زالت تعتبر الشعر في اهتماماتها وتتبادله على (الفيسبوك) وبواسطة الوسائل الالكترونية إلا أن توظيفه لم يعد مطلوباً في التطلعات الجماعية الكبرى . . حتى مفهوم النخبة ومفهوم الثقافة تغير وأخذ معاني جديدة لم تكن له من قبل.