لكي يتضح هذا العنوان يجب أن نتناوله بشيء من التفصيل، وهو أن الحرمة تتعلق بالزواج من النساء، والمحرمية تتعلق بالنظر إليهن والجلوس معهن في خلوة .
- يقول الفقهاء: اتفق على أن المحرمات ثلاثة أنواع: محرمات بالنسب، ومحرمات بالمصاهرة، ومحرمات بالرضاع، ولا فرق في هذا بين المسلمة منهن والكافرة لعموم النصوص الواردة .
فإذا أراد رجل أن يتزوج امرأة، وجب عليه أن يتأكد من أنها ليست أخته من النسب ولا بالمصاهرة ولا من الرضاع، ويقال عن البنت والخالة والعمة والجدة وغيرهن كذلك، فالأصول والفروع معنيات بذلك التحريم .
- وبما أنه لا فرق بين المسلمة والكافرة في ذلك، فإن الحامل من الزنا، لا يصح لك أن تعقد عليها حتى لو كانت حاملاً من غير مسلم، وقد أجاز أبو حنيفة مجرد العقد عليها، لكن من غير أن يطأها حتى تضع حملها .
- إذاً الحرمة ثابتة بالإجماع في صورة ما إذا كانت العلاقة بينهما علاقة نسبية، أو علاقة مصاهرة، أو علاقة رضاع شرعي، أما إذا زنى رجل بامرأة، فيترتب على هذا أن يحرم عليه أصولها (أم - جدة) وفروعها (بنت - بنت ابن)، وتحرم هي أيضاً على أصوله وفروعه .
- كما يترتب عليه أيضاً أنه إذا ولدت منه بنتاً، أن تحرم عليه هذه البنت التي نبتت من ماء الزنا فتصبح بنته، وتحرم على أصوله وفروعه، وكذلك إذا ولدت ابناً ذكراً، أن تحرم عليه أصول الزاني وفروعه .
- نعم، ولا خلاف في علاقة المولود بالأم، فهو وإن كان نبتاً من ماء الزنا، إلا أن أمومتها له ثابتة، ومن ثم فإن نسبها منها ثابت، ويرث كل منهما الآخر، وتحرم عليه هي لأنها أمه .
- ولكن الخلاف في علاقة المولود بالأب الذي هو الزاني، حيث إن الفقهاء ذهبوا مذهبين:
مذهب الجمهور من الحنفية والحنابلة والمالكية في أحد قوليهم، إن الزنا يثبت الحرمة، فمتى زنى رجل بامرأة، حرمت عليه أمها وجدتها وبنتها وبنت ابنتها وهكذا، كما أنها هي تحرم على أصول الزاني وفروعه، وهذا هو رأي جمهور الصحابة والتابعين .
وتحرم البنت المتولدة من الزنا، على الزاني وأصوله وفروعه، كما هي الحال في حال النسب والمصاهرة والرضاع .
واستدل الجمهور بالكتاب والقياس، فالله تعالى يقول: حرّمت عليكم أمهاتكم وبناتكم(الآية 23 من سورة النساء) .
ومن حيث القياس، فإن الرجل يحرم عليه أن يتزوج بنته من الرضاع الذي لا يثبت لها نسباً، فكيف لا تحرم عليه بنت الزنا التي خلقت من مائه، وتغذت بلبن كان الزاني سبباً في درّه؟
علماً بأن الآية الكريمة تدل على ثبوت حرمة النسب وحرمة المصاهرة .
قول الشافعية ومالك في أحد قوليه، فالشافعية قالوا: إن الزنا لا يحرم ولا يثبت بالمصاهرة، واستدلوا بالكتاب والسنة، فالكتاب قول الله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء(الآية 22 من سورة النساء)، وقالوا إن الآية عامة ولم تشر إلى بنت الزنا .
وفي الحديث: الولد للفراش(متفق عليه)، وبنت الزنا ليست بنته، لأنها لم تولد على فراش الزوجية .
وقول الجمهور هو الأقوى، وهو أن حرمة بنت الزنا كحرمة بنت النسب والمصاهرة لأن أدلتهم أقوى وأحوط .
- وبعد ذلك تبقى مسألة المحرومية، فهل الزنا كما أثبت الحرمة يثبت المحرمية أيضاً؟
الأحناف ذهبوا إلى ثبوت الحرمة، ومن ثم يجوز للزاني أن ينظر إلى أصول مزنيته وفروعها، ويجلس معهن، أما الحنابلة فقالوا: الزنا يثبت الحرمة ولا يثبت المحرمية، لأن الوطء لم يكن مباحاً، وهذا القول أحوط . . والله تعالى أعلم .