(1)
بدأت سينما هوليوود التي تقوم صناعتها على عقول إعلامية دعائية إلى جانب حنفيات المال.. بدأت هذه السينما بانتاج وصناعة وترويج افلام طويلة، مركزها كالعادة، بطولة وشجاعة انموذج الجندي الأمريكي الذي يخوض حروب امريكا في الخليج ويخرج منها منتصراً، لا بل، يتم إخراج الفيلم باعتبار الحرب نزهة بالنسبة للجندي الامريكي الذي لم يجد من يقاتله ويواجهه في هذه الحروب التي أخذت اسماء شعرية أحياناً، فلكل حرب اسم، ولكل معركة وصف أو صفة.
قبل أيام كنت أقلّب محطات التلفزيون لتقع عيني على واحد من هذه الأفلام، ويبدو فيه الجندي الأمريكي وهو يخوض واحدة من حروب الخليج لا مبالياً الى درجة الاستفزاز، لا بل يقول جندي شاب .. اربعة أيام وأربع دقائق تلك هي الحرب التي خضتها.. ثم ينتهي الأمر بحفلة جعة باردة، وفي مكان آخر من الفيلم يقول جندي لزميله ..لماذا أقتله أو لماذا أطلق عليه النار فهو أصلاً ميت، وذلك في إشارة الى تصويبه السلاح نحو رجل عربي هو بالنسبة للجندي الأمريكي ميت قبل ان يطلق عليه الرصاص.
الى هذا الحد تصورنا السينما الهوليوودية اليوم، والتي تجد في المادة العسكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية حقلاً غنياً بالمفاجآت وإنشاء البطولة للنموذج الأمريكي المتفوق، ونحن في جميع الأحوال ميتون قبل أن يصيبنا الرصاص طالما أننا نخوض حروباً خاسرة.
بالطبع، ليست هذه هي المرة الأولى التي تشتغل فيها السينما على موضوع النموذج الغربي والأوروبي (السوبرمان)، فهذه الفكرة أساساً تنبع من مفهوم القوة الطاغية المهيمنة لدى الغرب، والتي تلغي الآخر في حروبها المنتصرة سلفاً وتصوّره على انه ميت حتى لو كان يمتلك كل شروط الحياة، وفي النهاية، فإن السينما أو أي فن آخر هو أداة تعبير تعكس ثقافة الغرب وأنماط تفكيره المجيرة كلياً للآلة السياسية والعسكرية التي تصنع الحروب وتستثمرها على المستوى الاقتصادي البحت في المنطقة العربية أو في أي منطقة اخرى من العالم.
بمعنى آخر، ينتقل فن رفيع مثل فن السينما في هذه الحال، من وظيفته الجمالية الانسانية الى وظيفة سياسية تخدم منظومة سياسية بعينها وتخدم أهدافاً سياسية بعينها، وهذا هو بالضبط مقتل فن السينما على المدى البعيد، لأن الانسان بطبعه سوف يمل ويسأم من جعل الفن عبداً للسياسة، وسوف، على المدى البعيد ايضا، يساعد التأريخ على تكريس هذا السأم من هذه الفنون المسمومة وذلك عندما يصحو التاريخ من تخديره بعقاقير المال والاعلام والاقتصاد التي تنتجها تلك العقول التي تصنع السينما وتصنع السياسية وتصنع التاريخ ايضاً بالسهولة ذاتها التي تتم فيها صناعة علبة سجائر أو علبة سردين.
وهنا، لا نتحدث عن مشهد سينمائي عابر ضد العرب في فيلم أمريكي قصير الرؤية وقصير القامة، وإنما نتحدث عما يشبه مقدمات لما يمكن تسميته موت هوليوود وجمالياتها وأدوارها الفنية السابقة في أعمال فنية سينمائية عظيمة وإنسانية.
آنذاك، أي في مرحلة البكرية النظيفة تماماً من شوائب السياسة، كانت هوليوود تغذي الوجدان البشري بنوع من الفن الرائع الذي هو السينما، بحيث كان ذلك الفن لغة كونية مثله مثل الموسيقا واللوحة التشكيلية اللتين لا تعرفان التطرف وإلغاء الآخر وتقزيمه الى درجة ميت قبل الموت.
وهنا، لسنا في حاجة الى تذكير العربي بصورته الكاريكاتيرية الشهوانية والهمجية في مئات افلام الغرب، فقد كانت تلك المرحلة السينمائية - بسبب قلة الحروب آنذاك - تأخذ مقطعاً من صورة العربي في المشهد السينمائي العالمي لتبدو هذه الصورة امام العالم مستهجنة ومنبوذة ومثيرة للاشمئزاز، ، فالعربي في تلك الافلام جيوبه محشوة بالأموال ويبحث عن اللذة بأي ثمن وهو ايضاً مجرد من أية حضارية ومدنية وقابل على الدوام للاستغلال عن طيب خاطر.
أما عندما تماهت السينما مع السياسة واصبحت عبداً لها في مرحلة السينما المرافقة للحروب، اصبحت صورة العربي هذه المرة هي صورة الجبان والميت قبل اطلاق الرصاص.
هنا المشكلة.. أي ان السينما فقدت اخلاقياتها ومصداقيتها الفنية، وأصبحت أداة سياسية اكثر منها أداة جمالية.. وذلك هو سبب مقدمات موتها في القريب العاجل، وأنا هنا اتحدث عن موت نوع من السينما في حد ذاته، وليس موت فن السينما بالعموم، فالفنون لا تموت طالما هناك بشرية قابلة للاستيقاظ على حقيقة الحياة وحقيقة التاريخ.
بقيت كلمة صغيرة هنا حول مثل هذه الأفلام السينمائية الهوليوودية السياسية، وهي أنها - من حيث الترجمة الى العربية - مشغولة بعناية لغوية ذات احتراف ومهنية عالية، فلا اخطاء في الترجمة، واللغة الانجليزية المنقولة الى العربية هي لغة تكاد تكون صافية، فلا أخطاء في النحو، ولا اخطاء في اللغة، وكأن المترجم هنا هو جزء مهم من اللعبة السينمائية السياسية ذاتها، ولا عجب في ذلك بالطبع، فمثل هذه الافلام كما هي موجهة الى المشاهد الغربي أو الأوروبي أو الأمريكي او اليهودي، هي ايضاً موجهة الى المشاهد العربي الذي يتوجب ان يتم تقديم لغته اليه على نحو بالغ الصفاء، وإلا فلن يقتنع بالرسالة المسمومة التي يحملها الفيلم.. واللغة كما نعرف هي أداة اقناع كما هي أداة كتابة، كما هي أداة تفكير، كما هي أداة لتكريس الجمال.
(2)
كل لغة في العالم لا تثق بالترجمة.. لا تثق بنقل كيانها الأبجدي واللغوي الى كيان آخر، وطالما قيل ان الترجمة خيانة، وذلك لسبب بسيط هو ان اللغة تشبه الشجر او العشب او اي كائن حي آخر اذا نقلته من بيئته الطبيعية والتربوية والثقافية الى بيئة اخرى مختلفة فإنه سرعان ما يذوي ويشحب الى ان يموت.
طبعاً.. هذا الكلام ينطبق على اللغة في مستواها غير الثقافي، اما في المستوى الثقافي التبادلي الحضاري فإن الترجمة فعل انساني تحاوري لا بد منه، ولذلك نشطت الترجمة في عهد الدولة العباسية.. هذا النشاط الذي لا بد منه حتى اليوم، فالترجمة هي فتح آفاق على ثقافة الآخر، ومرة ثانية في مستواها الثقافي ذلك ان الترجمة هي حرفة تخضع الى مهنية علمية عالية، وفي ضوء ذلك هناك مترجمون محترفون نقلوا الى العربية أعمالاً أدبية وثقافية ما زالت الى اليوم مرتبطة بهؤلاء المترجمين الأفذاذ أكثر - ربما - مما هي مرتبطة بمؤلفي هذه الأعمال.
ولكن ليست القصة هي الترجمة بقدر ما ان اللغة كيف تكون كتابة وليست مجرد أبجدية.
لكي لا يموت الكائن البشري فيصبح من العبث اطلاق رصاصة عليه لأنه سلفاً ميت.. يتوجب عليه ان يكتب.
والكتابة، هنا، تقود الى الثقافة، وحضور هذه الثقافة في ذاكرة العالم، لأن من يصنع الكتابة ..اي في اشكالها أو من اشكالها الثقافة.. لا يموت لا برصاصة ولا بسيف، ذلك ببساطة، ان الكتابة هي تراث مادي معنوي محفوظ في الغالب في مؤلفات، قد تستطيع الحروب وقد يستطيع الطغاة سلب او حرق او نهب او اغراق هذا التراث المؤلف بالكتابة، ولكن لا حرب ولا طاغية عبر التاريخ كله استطاع اطلاق الرصاص على كتاب ومن ثم قتله او موته.
الكتابة لا تموت لأنها تتصل باللغة ذاتها.. هذه اللغة التي تصبح إشارة ثقافة وإشارة تاريخ وإشارة حضارة وإشارة هوية مع مرور الزمن.
ومن يتمسك باللغة، هو في الواقع يتمسك بالكتابة، اي يتمسك بفرع قوي من فروع شجرة الثقافة.
من هنا تأتي اهمية وضرورة وواجب التمسك باللغة.. لأنها في النهاية هي الاطار المعنوي والمادي والأدبي والتربوي وحتى الاخلاقي لأية شخصية انسانية تريد ان تكون لها كينونة معتبرة.. ولا أدري هنا، اذا كنا نتكلم بالمطلق عن اللغة، أية لغة، بهذه الإحالات المعروفة في ثقافة اللغة وفلسفتها والتفكير بها.. فما كلامنا نحن العرب، تحديداً، حول لغتنا العربية التي انطلق حولها أكثر من صوت في الآونة الأخيرة يحذّر من تراجعها وذبولها بين لغات العالم الحية؟
ولكن في مقابل هذه الأصوات المتشائمة، هناك من لا يكترث لهذه السوداوية التي تحيط باللغة العربية، فاللغة العربية هي لغة القرآن الكريم المحفوظ في الصدور كما في القلوب والعقول، واللغة العربية هي لغة الشعر العربي الذي هو ديوان العرب، ومرة اخرى هنا، نربط الكتابة باللغة، فكلما كتب شاعر عربي قصيدة جديدة بصرف النظر عن مستواها الفني، إنما يسهم من بعيد، في تعزيز فكرة ربط اللغة بالكتابة، وفي هذا السياق فإن كل كتابة إبداعية عربية رفيعة هي في الواقع حماية للغة العربية.
إذن.. هل تقوم الكتابة بحماية اللغة؟
من المؤكد ان الكتابة تحمي اللغة، وفي حالتنا العربية الراهنة لم يقل من قال ان اللغة العربية مهددة بالانسحاب من نادي لغات العالم الحية، الا لأن هذا القائل يريد في أعماقه توسيع المجال الحيوي الجمالي الابداعي للكتابة سواء في الشعر.. في النثر.. في السرد.. في السيرة.. في المذكرات.. في التأملات.. وحتى في الخاطرة.
لماذا لم نطلق اشارات الخوف على لغتنا العربية قبل نصف قرن من الزمان أو أكثر من ذلك، عندما كان بيت الكتابة العربي يعج بأسماء كبرى من مثل المنفلوطي وطه حسين وتوفيق الحكيم وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران وروكس بن زائد العزيزي وعبدالله البردوني وفؤاد التكرلي ومحمد مهدي الجواهري وعمر ابو ريشة وابراهيم طوقان.. وغيرهم وغيرهم ممن امتلأت بهم خريطة الكتابة العربية من شرق الوطن العربي مروراً بأوسطه وحتى غربه وحتى مراكزه الثقافية وأطرافه وحتى هوامشه.
في تلك الحقبة العربية الثقافية المرفوعة بالكتابة، كانت اللغة العربية مثل تاج العروس، وكان المستشرقون ومن هم مولعون بهم في الغرب يتهافتون على تعلم اللغة العربية، وكان الكاتب او المثقف الغربي الذي يتعلم العربية ويقرأ نتاجها المرجعي والمعرفي والأدبي بالأبجدية العربية.. كان هذا يعلن تباهيه وامتيازه الثقافي وتفوقه المعرفي في بلاده.
إن اللغة العربية هي وعاء ثقافي واسع وشامل لأوعية لغوية أصغر وأدنى من حيث تاريخها وثقافتها، وذلك بحسب ما يقول التاريخ لا أكثر ولا أقل.
وراء اللغة العربية تاريخ طويل من الكتابة بفرعيها الرفيعين في الثقافة العربية وهما: الشعر والنثر.
..وأرى هنا، انه يلزمنا الثقة فقط، بهذا التاريخ وهذه الثقة لا تتعزز بالقوة الا اذا عدنا الى قراءة تراثنا الأدبي والابداعي العربي.. الشعري منه والنثري على وجه الخصوص على اعتبار ان الكتابة الحافظة للغة .. واللغة الحافظة للكتابة.. إنما تتمثلان أوضح تمثيل في التجليات العظمى التي أوجدها الشعر العربي والنثر العربي في أوقات وأزمان كانت فيه مواقع من العالم ترزح تحت ليل الجهل وفقر المخيلة وضياع اللغة.
إن نصوص ابن عربي وابي حيان التوحيدي ..الذي كان حتى في زمانه من كبار المشتغلين في علم الكيمياء.. والجاحظ وطبقات الجمحي المبكرة في تصنيف طبقات الشعراء وقبل ذلك نثر الكهان العرب، ثم ذلك السرد الموجز المكثف في الاخباريات الواردة في لسان العرب، ثم تلك الشروحات الواردة في متون وهوامش القواميس والمعاجم العربية وكتب السير والتاريخ وكتب الفقه الاسلامي. إن كل ذلك هو ذخيرة اللغة العربية القوية والمتينة بأعلام حراسها الكتّاب والشعراء والفقهاء والعلماء وحتى النساخين وصناع الكتب وكوكبة الوراقين والخطاطين الذين اتجهوا في ازمانهم وامكنتهم القديمة تلك الى حرفة الكتابة ..التي كانت لا تدر عليهم أموالاً بل ضنك عيش.... ومع ذلك ظلوا أمينين الى خيار الكتابة، وكأنهم بذلك كانوا يعرفون بحدوسهم المبكرة ان زماناً ما سيأتي على العربية ويجعل منها مطية سهلة تذهب مذهب الإلغاء.
لكن اللغة العربية ليست كما يظن هؤلاء الذين جاءوا في هذا الزمن المتأخر جداً عن لذة اللغة ولذة الكتابة لأنها بالنسبة إليهم مجرد لفظ ولسان تخاطب أرضي.. وأرضي جداً في مستواه الاستهلاكي.
اللغة ليست مادة لفظية استهلاكية، وإنما هي ذاكرة وتربية ومرجعية وهوية وتاريخ وانتماء.. وكذلك اللغة العربية التي تقول بلسان صريح: ..لسنا موتى.