من المسلّم أن الأشياء التي حرمها الإسلام، حرم التجارة فيها وحرم أثمانها، لأنها وإن كان في بعضها مصلحة، إلا أن القاعدة الشرعية تقول: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح .

- وتحريم بعض الأشياء قد يكون بنص قطعي في الشريعة الإسلامية، وقد يكون بقياسه على شيء آخر منصوص على تحريمه قطعياً، والقياس مصدر من مصادر التشريع في الشريعة الإسلامية .

- فالميتة والدم والخنزير والخمر منصوص على تحريمها في الكتاب والسنة لقوله تعالى: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير (سورة المائدة: 3) .

ولقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (سورة المائدة: 09) .

- إذا كانت هذه الأربعة حرام ثمنها فإن بيعها حرام أيضاً، لأنها كلها نجاسات،وقد اتفقت المذاهب الثلاثة المعتبرة المالكية والشافعية والحنابلة والمذاهب الأربعة الأخرى: الظاهرية والزيدية والإمامية والإباضية على تحريم بيع النجس .

- لكن أبا حنيفة أجاز للمسلم أن يوكل ذمياً في بيع الخمر وشرائها، وحجته أن الوكيل في البيع يتصرف بأهلية نفسه لنفسه، وهو أهل لبيع الخمر وشرائها شرعاً، لأننا أمرنا شرعاً بتركهم وما يدينون .

أقول: وهذا الرأي من أبي حنيفة مردود عليه من جمهور الفقهاء بمن فيهم صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن، لأن الأحاديث صريحة في النهي عن البيع .

- أما عذرة الإنسان وسرجين الحيوان، فهما من النجاسات، وشملهما حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام، ثم قال الرسول: قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه أذابوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه (رواه الشوكاني في نيل الأوطار .

- نعم . . العذرة والسرجين يدخلان في هذا الحديث قياساً، لكن هناك تفصيل عند المذاهب كما روت الكتب المعتبرة .

فالحنفية مكروه عندهم بيع العذرة الخالصة، ويجوز عندهم بيع السرجين لأنه منتفع به، وكل منتفع به يقوم بالثمن لأنه يصبح مالاً، والمال محل للبيع .

- والمالكية اختلفوا في العذرة والسرجين، والظاهر أنهم يجيزون البيع للضرورة .

- والشافعية قالوا بعدم جواز بيع العذرة والسرجين لأنهما من النجاسات .

- ويقول الزيدية والإمامية بجواز بيع زبل مأكول اللحم لطهارته .

- أما السماد المعروف اليوم، الذي يصنع من المواد النجسة من عذرة الإنسان وزبل الحيوان، فإنه يأخذ حكماً آخر لأنه بالاستحالة يتحول إلى شيء آخر تماماً، ويسمى بالسماد الكيماوي، ومن ثم لايبقى على نجاسته .

- وعلى هذا فإن الانتفاع به في الزراعة جائز، وبيعه جائز أيضاً، فهو لكي يصلح لاستخدامه في الزراعة، يكلف صاحب المصنع مالاً وخدمة وعلاجاً، ومن ثم فإن ثمنه ليس ثمناً خالصاً للعذرة فقط، بل للذي خالطه وللخدمة .

- ثم إن استخدامه للضرورة، والقاعدة تقول: المشقة تجلب التيسير وقد رأينا كيف تعامل أبو حنيفة مع العذرة والسرجين، وكيف أفتى المالكية بالضرورة .