محمد الأسعد

أن تعاد صياغة كتب التراث، أو تغربل كما هو الشائع من القول في هذه الأيام، قضية تحضر في الذهن تحت إلحاح ضوئي، الأول ضوء تجارب عالمية يعمد فيها كتاب متخصصون إلى إعادة صياغة كتب بعيدة عن الأفهام العامة، أو صياغة أعمال إبداعية وتقديمها بلغة جارية على الألسن، والثاني ضوء المطالبات المتنامية، ليس بإعادة الصياغة، بل بالتنقية والتشذيب في وقت تتكشف فيه زوايا في الكتب الموروثة معتمة بل ومظلمة، أو متخلفة بصريح العبارة عن مسار الوعي الإنساني، إن لم تكن ضارة فهي على الأقل معرفة تفتقر إلى الفعالية ويمكن الاستغناء عنها مع تطور المعارف الإنسانية، لأنها عبّرت عن مرحلة من مراحل الوعي البشري أصبحت في ذمة التاريخ.

تجربة إعادة الصياغة، وتقديم كتب التراث، أو الانتقاء منها، إلى الناشئة بخاصة، في قوالب سهلة وبلغة معاصرة مفهومة، عرفنا طرفاً منها ونحن على مقاعد الدرس، الابتدائي منها والثانوي، أي في سن يحتاج فيه التلميذ إلى تجاوز عقبة اللغة العتيقة الطراز غير الجارية على الألسن، وتجاوز أحجام المجلدات الهائلة التي تتجاوز العشرات أحياناً، وتصل المئات. ولحسن الحظ، لم تكن تقدم لنا آنذاك إلا جوانب من وعي الأقدمين مشرقة ومنيرة وتنسجم مع قيم الثقافة المعيشة، على خلاف ما حدث ويحدث الآن مع تدني مستوى التعليم وكتبه في أكثر من بلد عربي، حيث يعمل كتبة المناهج والنصوص التعليمية، كل من جانب تخصصه، على إرسال التلاميذ ذهنياً إلى أكثر العصور والآراء والمقولات الأكثر ظلاماً في تاريخنا، وإقامة جدران بينهم وبين عالمهم الواقعي الذي يسعون في جنباته، ويدرسون ويعملون ويعانون.
على صعيد الثقافة العربية كانت تلفت النظر إعادة صياغة قصص أسطورية أو حكايات متوارثة شاعت في نصف القرن الماضي، هدفها توسيع وإثراء مخيلة الناشئة بالدرجة الأولى، إضافة إلى شدها إلى تراث الأمة، وإيجاد ممر ذي اتجاهين بين ماضي الإنسان وحاضره. ولم تتوصل هذه الجهود إلى تقديم صياغات لكتب تاريخية أو فكرية، مثل «مقدمة ابن خلدون» أو «رسالة الغفران» أو «الإمتاع والمؤانسة» على أهمية أمثال هذه الكتب. وعلى صعيد الآداب والفنون لم تتوصل هذه الجهود على حد علمنا إلى إعادة سبك وصياغة «المعلقات» أو «الحماسة» أو أي ديوان شعري من دواوين القدماء، واقتصرت الاستفادة على تلقط شذرات وإشارات من هذه الأعمال الأدبية، وتقديم متونها للدرس بلغتها كما هي، غريبة ونائية إلا من شروح تفسر كلمات أو تروي قصص أصحابها، أو تقدم صور الحياة في تلك العصور المغرقة في القدم بمعزل عن أي منهج نقدي عقلاني يستضيء بمنجزات العلوم المعاصرة.

أما على صعيد الثقافة الأجنبية، والإنجليزية بخاصة، فتحضر في الذهن تجربة الشاعر الإيرلندي «شيموس هيني» (1939-2013) حين ترجم وأعاد كتابة ملحمة «بيووف» الإنجليزية القديمة التي ترجع إلى القرن الخامس الميلادي في العام 1996 بلغة معاصرة، وكانت تجربة لافتة في التعامل مع النصوص الموروثة، وتحضر في الذهن أيضاً تجربة الشاعر الإنجليزي «تيد هيوز(1930- 1998) في ترجمته لعدد من فصول كتاب«التحولات» للشاعر الروماني أوفيد(43 ق. م- 17/‏18 ميلادية) ونشرها في العام 1997، لتكون قريبة ومستساغة من قارئ معاصر سريع الملل، عقلاني لا يؤمن بالأساطير ولا تحولات الكائنات التي يحشدها أوفيد في خمسة عشر فصلا هي كل فصول كتابه.

هذه الأعمال التراثية، سواء ما ترجم منها إلى لغة معاصرة أو تمت صياغته في ضوء وعي جديد، ستحمل أسماء أصحابها الجدد، بمعنى أن كتابتهم ستكون نصوصاً جديدة. وهو ما يطرح علينا سؤالا لا بد منه: هل يباح تناول نصوص موروثة، مهما كان نوعها، وإعادة كتابتها؟ وماذا لو كتب أحدهم رواية أو قصيدة أو أطروحة فلسفية أو رحلة تنتمي إلى لغة ومفاهيم وتصورات ثقافات قديمة؟، الواضح أن هذا الأمر لا ينتظر إذناً من أحد، فلا أحد يستطيع ادعاء ملكيته للأعمال التراثية وحقوق طبعها ونشرها؛ هي تراث في متناول كل إنسان، ولكن بشرط أن يتولد عن هذا التناول نص جديد، نص يبرر العودة وإعادة الكتابة، لا أن يكتب الكاتب كما كتب الأقدمون بحجة استلهام التراث، أو يشعر الشاعر بمثل ما شعر به سابقوه بحجة أن الإنسان هو الإنسان سواء كان راعياً أو بدوياً أو مدنياً، فينيخ الإبل كما كانوا ينيخون، ويحمل سيفاً كما كانوا يفعلون، ويمدح ويهجو على عادتهم.

* * *

سيختلف تناولُ هذه النصوص من شخص إلى آخر، تبعاً لرؤيته ومطامحه وانشغالاته، وهو ما يضفي على مشروع من هذا النوع حيوية أو طرافة، أو يستثير موجة غير مألوفة في الثقافة المعنية، ومقارنات تفتح مجالات جديدة لوعي قضايا جمالية واجتماعية وربما سياسية.

لو أخذنا «تيد هيوز» مثالاً، سنلاحظ أنه أدخل، في صياغته لحكايات أوفيد روحاً أشد عنفاً على الكوارث والمآسي التي تكثر في هذه الحكايات، وكثف من حدة الشعور بالجانب الإنساني فيها.. على سبيل المثال، حين يتناول مأساة الصياد الشاب «أكتيون» الذي ارتكب سهواً معصية رؤية ربة الصيد «ديانا» في الغابة، فتلعنه وتحوله إلى وعل تطارده كلاب صيده وتمزقه، يشدّد هيوز على معاناة«أكتيون» بوضوح، ولا يلتفت إلى ما اعتقدته«ديانا»أو تصورته، وما كان من شأنها:

بالنسبة لأكتيون كان حسبه القدر

وليس الإثم.. ليس جريمة
أن تضل طريقك في غابة معتمة

لو تناول شاعر آخر من ثقافة مختلفة هذه الحكاية ذاتها أو ما يماثلها، لربما أظهر اهتماماً أكثر بعالم الآلهة الوثنية لا البشر، ولربما جعل معصية «أكتيون»، على سبيل المثال، جريمة لا تغتفر ومأساته، أي الموت على يد كلابه التي لم تتعرف عليه حين تحول إلى وعل، عقاباً يستحقه.

ما نود التوصل إليه هو أن إعادة صياغة هذه الحكايات والملاحم الموروثة هي في الوقت ذاته إعادة صياغة للوعي الإنساني مجدداً، والنظر إليها كتجارب من وجهة نظر مختلفة عن نظرة القدماء إليها، فيحيا ما كان يستحق الحياة فيها، ويندثر أو يهمل ما يستحق الاندثار والإهمال. هذه التجارب الكتابية، سواء تناولت عملاً أدبياً أو تاريخياً أو فلسفة، تشير إلى أن إعادة الصياغة أمر ممكن، بل ومطلوب في ظل ما قلناه عن جوانب معتمة ومظلمة في التراث، بعضها لا نفع منه وبعضها ضار وقد يكون سبباً في تعميق التخلف الاجتماعي والفكري. والجدير بالملاحظة هنا هو أننا حين نراجع ونعيد الصياغة والترجمة إنما نعيد صياغة أنفسنا أيضاً، أو وضع أنفسنا تحت الضوء مباشرة، وليس وضع أشخاص وأعمال الماضي فقط تحت ضوء الحاضر.

* * *

هذه الفكرة، فكرة أن الماضي يسهم في إضاءة الحاضر مثلما يسهم الحاضر من جانبه في إضاءة الماضي، فكرة ثمينة تخفف من وطأة الصراع القائم على تخوم الماضي، بكل ما فيه من معطيات وشخصيات، بين أصحاب النظرة الأحادية التي ترى فيه فردوساً مفقوداً لا خلاص إلا بفتح الطريق إليه والتسرب إلى طرقاته، بل والمحاربة بسيوفه أحياناً، وبين أصحاب النظرة العقلانية المعاصرة التي ترى من المحال الإقامة في طرقات ماض مضى وانتهى إلا توهماً، والأجدى النظر إليه كموروث حمل ما يحمل أي موروث من جوانب إيجابية مضيئة يمكن تنميتها والبناء عليها، وحمل جوانب معتمة تعشش فيها أساطير وخرافات لم يعد لها مكان في عالم أنوار المعرفة العلمية والأدبية الراهنة.

الماضي نص يمكن إعادة صياغته، مفاهيمَ ورؤى وحكماً ووجهاتِ نظر، في ضوء حاجات الأحياء لا الراحلين، أي أن من يلقي الأسئلة على تراثنا حين يتناوله، هم الأحياء، يلقونه إما لتقريب إبداعاته من سكان الحاضر، أو لتجديد خير ما فيه واطراح السيئ فيه، وكأنهم، وهم يلقون الأسئلة يعيدون تشكيل الماضي بدل أن يظل هو صاحب السطوة الذي يشكلهم مهما تباعدوا عنه أو تباعد عنهم. وبهذا تعتدل علاقتنا بماضينا، وتمشي على قدميها بدل أن تسير على رأسها.