الشارقة: غيث خوري

يعد نقد الأدب أحد أهم العلوم المرتبطة بالإبداع مباشرة، من خلال قراءة منجز هذا الأدب سواء كان شعراً أو قصة أو رواية، وتحليله ومقاربته قصد تبيان مواطن الجودة والرداءة، وقد عرف العالم العربي في القرن العشرين تراكمات ثقافية ونقدية ومنهجية متعددة، وقد كان لمسألة استيعاب وتوظيف مناهج النقد الحديث أثر كبير في مجال قراءة النصوص الأدبية العربية وفهمها، وتأسيس الرؤى الجديدة والمتجددة في دنيا الإبداع ونقده، وللوقوف على حال النقد الأدبي العربي المعاصر وأهم إشكالاته، أجرت «الخليج» الحوار التالي مع الناقد العراقي الدكتور صالح هويدي.

} بداية، كيف هو واقع أو حال النقد العربي الأدبي المعاصر؟

-لا شك في أن واقع النقد العربي مرتبط على الدوام بالواقع الاجتماعي والثقافي الذي تعيشه الأمة، وقد مر من قبل عصر كان للحركة النقدية فيه دور مهم وفاعل وقام بهذا الجهد نقاد عرب ورواد أثروا في جيل من الكتاب، واستطاعوا أن يخلقوا تقاليد ومدارس نقدية تعد امتداداً لهذا الدور الذي قام به النقاد، فلا أحد ينسى لويس عوض، وصلاح فضل، ومحمد مندور، وعز الدين إسماعيل، وعبد القادر القط، ومن جايلهم، ومن تبعهم من النقاد.. وقد استمرت هذه الحركة مؤثرة، واستفاد منها المبدعون باختلاف مذاهبهم سواء كانوا من كتاب الرواية أو القصة أو كانوا مبدعين شعراء، في وقت كان للنقد سطوة وهيبة، لكن بعد ذلك، فقدت الحياة الأدبية فكرة التقاليد واستمرارها، وتباينت فاعلية هذا النقد، خاصة وأن الظروف الاقتصادية تغيرت والاهتمامات الأدبية تغيرت، والنظر إلى النقد وأهميته ودوره في الحياة الثقافية أيضا تغير في ظل التحولات، وبالتالي ظهرت أجيال من المبدعين ترى أنها، -ربما- في غير حاجة كبيرة لرأي الناقد، ولا سيما في المراحل الأخيرة، حيث بتنا نعيش في العصر الرقمي وثورة الاتصالات، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي منصة للآراء حول مختلف المواضيع ومنها الأدبية، مما جعل بعض المبدعين يظنون بأن هذه التعليقات والتقييمات التي تدور بين مجموعة من الأدباء والمثقفين، يمكن أن تعوض عن دور الناقد، لذلك يعاني النقد اليوم حالة من الانسحاب والتراجع إذا قسناه بمراحل سابقة.

من جهة أخرى، هناك مظاهر إيجابية لمصلحة النقد، منها أن تبلور الظواهر النقدية والاتجاهات الحداثية والاشتغال على بعض الثيمات النقدية التي لم تكن حاضرة في النقد السابق، قد بدأت تأخذ طريقها سواء في المشرق أو المغرب العربي، من خلال ما ينتج من اتجاهات ما بعد البنيوية، كالسيميولوجيا والنقد الثقافي، وإن بدت في بعض الأحيان تأخذ شكلا نمطيا غالبا، ولكن هذا الاحتراف، وهذا الاتجاه نحو الجدة، ضخ دماء جديدة في الحركة النقدية العربية.

لا ننسى أن هناك أسباباً سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تحد من دور النقد، وهذا يعني أن مسألة النهوض بحركة النقد تستلزم تذليل معوقاته وصعوباته، ومعالجة هذه الأسباب لكي يأخذ دوره المهم، فالإبداع لا يمكن أن يطير دون جناحين، جناح المبدع الموهوب وجناح الناقد، ولكن النقد ليس بصفته أو صيغته القديمة التي يكون فيها له وصاية، وإنما النقد الحواري الذي يحترم تجربة المبدع ويعده هو صاحب النتاج الإبداعي الأساس، وعليه يعقد حوارا معه للوصول إلى شكل أمثل.

} يخضع النقد الأدبي إلى جانب علوم اللغة، لما تنتجه الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع، فهل غياب هذه العلوم والتنظير فيها كان سببا رئيسيا لعدم وجود نظريات أو مناهج نقد عربية أصيلة؟

- هذا صحيح، النقد هو منهجية علمية تحتاج إلى عدة معرفية ليست سهلة، وحين نقول عدة معرفية، نعني بذلك أنها ينبغي أن تشتمل على مختلف العلوم والمعارف، وكلما أحاط الناقد بالمعرفة وازدادت ثقافته، نضح نقده وأصبح له تأثير في المتلقي وفي المبدع وفي حركة المجتمع الثقافي، لأن عدم الإفادة من العلوم والمعارف يجعل النقد شاحبا، وغير قادر على العطاء، فعلوم النفس مهمة لفهم حركة الحياة وحركة الشخصيات داخل العمل الإبداعي، لأن الشخصيات تتحرك بوحي من معرفة دخيلتها النفسية.
وهناك عدة معارف جديدة، ينبغي على الناقد أن يتبعها، وأن يتسلح بها، كالاتجاه التفكيكي، والنقد الثقافي الذي يعتمد تفسير العمل الإبداعي في ضوء نظريات الثقافة، وتأثر المجتمع بالثقافة، والثنائيات التي تحكم على الدوام العمل الإبداعي سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية.
لكن، أعود فأقول، «إن هذا ليس السبب الرئيسي، لأن النقد العربي اليوم، هو ليس نقدا عربيا إذا شئنا الدقة، لكننا نحن نسميه نقدا عربيا تجاوزا، لأن ما نشتغل فيه اليوم من اتجاهات ومناهج نقدية، هي اتجاهات نشأت في الغرب، ابتداء من المنهج الاجتماعي إلى التاريخي إلى السيكولوجي إلى البنيوي إلى النقد النسوي إلى نقد ما بعد الامبريالية إلى التفكيكي إلى النقد الثقافي، لكننا حينما نقول بالنقد العربي نقصد ذاك النقد الذي كتبه نقاد عرب، استفادوا من هذه المناهج وحاولوا أن يتمثلوا هذه المناهج ويعبروا عنها من خلال تكييف هذه النظريات، لكن هذا التكييف حتى الآن، لم يتحقق على النحو الذي نرجوه ونأمله، فهو تكييف لم يجعل للعرب فيه بصمة، وطبعا السبب معروف، فمنذ المراحل التي سميت بالعصور المظلمة، إبان الهيمنة العثمانية وما تلاها، ونحن نعيش حالة من الانسحاب الحضاري، ولم يعد للعرب شيء يذكر في كل المعارف، فعلوم الاجتماع والاقتصاد والفلسفة هي علوم غربية، وبالتالي سنظل معتمدين على ما ينتجه الغرب من معرفة وسيبقى النقد الأدبي العربي تابعا يدور في فلك هذه المناهج والنظريات، ولن نستطيع أن نستقل أو نتحرر من دون أن نقيم بناء يوازي أو يحاور هذا البناء الضخم الذي أنتجه الغرب.
} لماذا يكثر الكلام عن إيجاد منهج أو نظرية نقدية أدبية عربية خالصة، أليس تاريخ العلوم الإنسانية هو تاريخ تبادل هذه العلوم والاستفادة من بعضها، وبالتالي التطوير وإضافة الجديد؟
-هذا هو الصواب، مناهج المعرفة هي مناهج إنسانية، نحن نستطيع أن نقول: هناك نقد صيني ونقد ياباني وآخر بريطاني وبالتالي نقد عربي، فهذه علوم معرفة ونظريات شأنها شأن الفلسفة، فهناك أناس يعتنقون المذهب العبثي في الحياة، وهناك من يأخذ بالفلسفة الوجودية، وهناك من يؤمن بالفلسفة الاجتماعية، والتعبير عنها اقتصاديا، كما في النظرية الماركسية، ولكن لم يقل أحد يوما إن الفلسفة الوجودية هي فلسفة فرنسية، على الرغم من أن سارتر استطاع أن يبلورها على نحو متكامل، أو أن الماركسية هي فلسفة ألمانية، لأن ماركس هو منظرها الأكبر، وكذلك المناهج والنظريات النقدية هي اتجاهات عالمية يمكن أن يعمل عليها أي مشتغل بالنقد، إذا ما تحققت لديه المعرفة والعدة، وهذا لا يمنع من أن يكون هناك هامش اجتهاد وتطوير وهذا ما نطمح إليه، بمعنى أن يستأنف العرب دورهم في التلاقح مع هذه المناهج لتطويرها، والكشف عن الجديد فيها وربما تجاوزها، ولكننا اليوم وبكل صراحة، غير مهيئين لهذا الأمر، ولا نستطيع أن نقول إنه بعد عقود سنكون مهيئين، فما زالت العديد من الأقطار العربية لا تدرس فيها الفلسفة ولا تحترم، وأغلب المناهج النقدية الغربية الآن هي ذات أصول فلسفية، ومن غير الفلسفة من الصعب أن نحقق بناء لمناهج نقدية، فضلا عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعاني تفككا وتشرذما في عالمنا العربي.
} النقد الأكاديمي تراجع دوره وضعفت صلته بجمهور القراء، هذا ما دفع رونان ماكدونالد إلى كتابة مؤلفه «موت الناقد» في إشارة رمزية دالة على فقدان الناقد الأكاديمي وكذلك الصحفي مكانتهما ودورهما السابقين؟ كيف تنظر إلى هذه المسألة؟
-لا بد من الإشارة إلى أن وضع الناقد الأكاديمي في الغرب مختلف عن نظيره العربي، كما أن ماكدونالد يتحدث عن مسألة خاصة في كتابه، لا نستطيع تعميمها حرفيا على حركة النقد الأكاديمي في العالم العربي، لسبب بسيط، هو أن النقد الأكاديمي هو الذي يمثل المظهر الأكثر فاعلية وتأثيرا في النقد الغربي، وأغلب النقاد المعروفين والمؤثرين في النقد الغربي هم نقاد أكاديميون، أما في العالم العربي فالوضع مختلف، فالنقاد الأكاديميون هم نقاد فاشلون وغير مؤثرين، وأنا أتكلم بصفة عامة مع وجود الاستثناءات بطبيعة الحال، فهم لا يملكون الأفق النقدي والمعرفي الذي يوائم بين متطلبات الواقع والحركة الثقافية الاجتماعية وبين متطلبات المنهج الأكاديمي، ولذلك هم معزولون منذ البداية داخل أسوار الجامعة، وصوتهم غير مسموع، وهم أشبه بالمعلمين وغير مساهمين في الحياة الثقافية ولا نجدهم في المؤتمرات ولا في الندوات ولا في الصحف والمجلات على النحو الذي نجد فيه نقاداً آخرين من خارج الجامعة.
فأصوات النقاد غير الأكاديميين في العالم العربي هي الأعلى، خلافا للنقد الغربي وهذا ما جعل الأخير نقداً جاداً ومؤثراً ومهماً لأنه استند على أمرين أساسيين وهما: مهارة الناقد ومعرفته بالوسط الاجتماعي والثقافي، إضافة إلى تسليحه بالجانب الأكاديمي والمعرفي المنهجي الضروري.
لم يكن المقصود ب «موت الناقد» كما طرحه ماكدونالد، تلاشي دوره على نحو نهائي، لكن عموما في عصر التحولات الجديدة وفي عصرنا الرقمي، أصبح صوت الناقد أكثر خفوتاً من ذي قبل، وأنا لا أستبعد أننا بعد زمن قد نعود مرة ثانية لنعلن عن حاجتنا إلى النقد، لأن النقد أمر ضروري وهو جزء من العملية الإبداعية، وليس أمراً خارجياً أو طرفاً ثانياً، فولادة العمل الإبداعي تتطلب وجود الناقد، والمبدع حينما يكتب عملا أدبيا ويظل يتأمله ويدقق فيه ويحذف ويضيف، فإن هذه الإجراءات هي مظاهر لعملية نقدية لا تستكمل إلا بوجود فعالية أخرى أكثر عمقا وأكثر معرفة وهي دور الناقد الذي أخذ شكلاً آخر في العقود الأخيرة مع نظرية التلقي سمي بدور القارئ، لأن مفردة النقد أصبحت ممجوجة وكريهة لدى الكثيرين لارتباطها في الذاكرة بعملية المراقبة والسطوة والصرامة، لكن حينما نقول أيضاً بالقارئ فإننا لا نقصد القارئ العادي إنما القارئ الفعال والنموذجي، الذي يمكن أن يعبر عما كان يسمى بالناقد.
} ما هي مهمات الناقد في ظل هذه التحولات والظروف السائدة على الصعيد الثقافي والسياسي والاجتماعي، وما هي اللغة النقدية المطلوبة لكي لا نظل ندور في فلك ما يسمى ب«الرطانة» النقدية؟.
بداية، على الناقد أن يلم بواقع التحولات الاجتماعية والثقافية والعلمية التي دخل فيها العصر، فهذا التكيف ضروري لكي يحافظ على دوره، وعليه أن يكون شجاعا بمعنى أن يبتعد عن المجاملة، وللأسف فإن آفة النقد العربي هي، هذا الفشل الاجتماعي في فهم مهمة الناقد وظهور ظواهر غريبة وشاذة عن النقد، فالنقد الجاد لا يعيش إلا مع الصدق ونبذ المجاملة والشللية التي تحفل بها حياتنا الثقافية، فنحن نكتب إرضاء لأناس ونمتدح أناساً عن غير حق، ونشيد بتجارب إبداعية هشة وضعيفة، وهذه الظواهر غير موجودة في النقد الغربي، لأن قيم الصدق والصراحة واحترام الرأي والفصل بين ما هو اجتماعي ومهني واضح لديهم.
إضافة إلى ضرورة أن يبتعد الناقد عن تصور نقده وكأنه صاحب صولجان وصاحب وصاية على المبدع، وأن يطلب منه أن يفعل كذا وألا يفعل، أن يقول له هنا أخطأت وهنا أصبت، ففي العمل الإبداعي ليس هناك خطأ، هناك عمل إبداعي حقيقي ناضج وعمل آخر تعتوره المشكلات، والناقد صاحب الخبرة هو الذي يستطيع كشف الجيد من الرديء، لذلك علينا أن نكون حذرين ونبتعد عن أحكام القيمة، فالعمل الإبداعي حين يخرج يكون قد انتهى الأمر وعلينا أن نقرأه في ضوء قوانينه وبنائه الخاص.

أيضاً علينا أن نستفيد من المناهج النقدية جميعها، وأن لا ننغلق على منهج من دون آخر، فالنقاد العرب كثيرا ما يخطئون في حق النقد وفي حق الإبداع العربي حين يلتزمون رؤية واحدة يتحمسون ويتحيزون لها، فهناك نقاد يتخذون مثلا من الاتجاه البنيوي سبيلاً وحيداً دون غيره، وهو ما يجعلهم يكررون مقولاتهم وأفكارهم في كل مناسبة، وهذا الأمر يجانب منطق العلم لأن الإبداع يقتضي أن نقرأ العمل الإبداعي في ضوء معطياته، ومن هنا فالانفتاح على المناهج أمر في غاية الضرورة، إذا أراد الناقد أن يكون وفياً ليس لمهنته فقط وإنما للعمل الإبداعي ومؤثرا في الحركة الإبداعية.

أما فيما يخص اللغة النقدية، فأنا ضد فكرة نزول الناقد إلى مستوى الجمهور أو القارئ العادي، لأنه علينا أن نرفع الجمهور إلى لغة الثقافة، وبطبيعة الحال هذا لا يعني أن نتكلم في النقد بلغة الرطانة كما هو الحال في بعض كتابات النقاد العرب، التي فيها من الغموض الشيء الكثير، كما لا ندعو إلى تبسيط لغتنا النقدية، التي هي لغة معرفة وثقافة، ينبغي أن يكون لها حد أدنى لا نتنازل عنه من أجل هدف خارجي في محاولة الوصول إلى كل شرائح القراء.