لا تزال واحة العين أكبر واحات النخيل، التي تقع في وسط مدينة العين على مساحة 1200 هكتار، تحمل هوية المنطقة وتجسد شكل الحياة في الماضي، حيث ترسم مزارع النخيل ملامح التاريخ والطبيعة في لوحة منسجمة التفاصيل .

وأضحت الواحة مقصداً للزوار الذين يمرون بين أطلال الماضي وعبقه الجميل سيرا على الأقدام بين أشجار النخيل وينابيع الأفلاج ومجاريها التي تنساب بين المزارع، ويتمتعون بتأمل المباني القديمة التي كانت عامرة يوما ما وباتت جزءا من التاريخ . وتقع الواحة بالقرب من متحف العين الوطني وتتألف من مجموعة واسعة من بساتين أشجار النخيل والفاكهة والممرات الندية الباردة . .وتضم كذلك عددا من المساجد والآثار التي تشير إلى أسلوب الحياة في الماضي .

تتألف واحة العين من مجموعة من المزارع يمتلكها أشخاص يقومون بزراعة آلاف أشجار النخيل والفاكهة فيها، وهي من أقدم مواطن الاستقرار في أبوظبي، فقد كانت منذ عهود بعيدة ملتقى مهماً لطرق القوافل القادمة من شمال شبه الجزيرة العربية والمارة بطرفها الجنوبي الشرقي، وكانت القوافل تتزود منها بما تحتاجه من مؤونة، وكان لسكان الواحة قديماً وضع خاص، إذ كان عدد غير قليل منهم يمارسون حرفة أخرى إضافة إلى الزراعة فقد كانوا يمارسون الرعي في الشتاء أو قد يهجرون الواحة في الصيف ويذهبون إلى السواحل للعمل في الصيد .

اصحطبتنا غاية الظاهري، باحثة الوثائق الوطنية بهيئة أبوظبي للثقافة والتراث وإحدى قاطني الواحة في الماضي، في جولة استغرقت ساعات عدة منها، وبدأت عند شجرة القرط العالية التي تجاور مدخل الواحة . وتقول: هذه الشجرة تحمل من الذكريات الجميلة الكثير، إذ كانت تمثل مكان تجمع أبناء الواحة لتعلم القرآن الكريم وحفظه، وتعد أخشاب شجرة القرط من اقوى انواع الأخشاب التي كانت تستخدم في الماضي لصناعة السفن، أما ثماره والتي كنا نسميها فلس القرط فكانت تستخدم في دباغة الجلود كما كنا في الماضي نصنع منها دهاناً بعد سحقها وخلطها مع زبد البقر الطازج لتدليك أجساد الغواصين لحمايتها من مياة البحر المالحة

تتابع: عند هذا المسجد الذي يسمى مسجد الربينة توجد شجرة قرط أخرى عملاقة كانت تسمى قرطة الشنطار، حيث كانت تأتي اليها بعثات التطعيم التي كان يجلبها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وأذكر أن أحد أهالي الواحة كان ينادي في السوق بوصول البعثة فكانوا جميعا يتجمعون عند هذه القرطة لتطعيم أطفالهم .

وتشير الظاهري إلى مزرعة نخيل تحتوي مختلف اشجار الفواكه مثل المانغو والجوافة والليمون والسفرجل، وتقول: هنا كنا نبني بيتا للاقامة فيه في الصيف ويسمى بيت النخيل ولابد للبيت ان يقع بجانب الفلج والمسجد وعند التقاء طرق لكي يتمكن اهله من استضافة عابري السبيل والغرباء لما عرف عن أهل الواحة منذ القدم من الكرم والسخاء ،كما أن هذا الطريق يؤدي إلى السوق أيضاً، وكان في الماضي تمتلئ جنباته بالنساء الحرفيات اللاتي يقمن بأداء الصناعات التقليدية المعروفة في الماضي من حصر وسلال وصراريج وجدل للحبال من الليف، حيث يجلسن في ظل النخيل على جانبي الطريق الذي كان يسير فيه المشاة والراكبون .

تستطرد وهي تتجول معنا في جنبات الواحة: انتهت كل صور المعيشة، كسكن لأصحابها تقريبا عام ،1975 حيث كنا نأتي الواحة للسكن فيها في الصيف في غرف صغيرة داخل مزارع النخيل مبنية من سعف النخيل وتسمى بيوت النخيل، وكانت الواحة محاطة بعدد من الحارات التي أزيلت حاليا ومن أهمها حارة مشينجة وهي اقدم حارة في الواحة بالاضافة إلى حارة الحصن، وغيرهما .

وبالقرب من مسجد علي عبيد الناصري، يوجد حوض للماء كان يخصص لاستحمام رجال الواحة .، وتوضح أن نساء الواحة كن يتحملن مسؤوليات كبيرة تتمثل في تربية الاطفال إلى جانب الفلاحة والاشغال اليدوية من تطريز وحياكة بالاضافة إلى رعاية الحيوانات وغيره من أعمال .

وتقودنا غاية الظاهري إلى ثقاب الفلج التي كانت تنتشر في الواحة، حيث تشير إلى أنها كانت تستخدم لتهوية الفلج وتنظيفه، ومن ثم تشير إلى غافة عملاقة على أحد جانبي الطريق بالقرب من شريعة الداوودي معلقة: هنا كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله يعقد مجلسه بحضور عامة أهل الواحة ووجهائها تحت الغافة التي يقدر عمرها اليوم ب 300 عام . وتبدي أسفها لما آل إليه حالها اليوم من اهمال شديد، ثم تقودننا إلى ما يسمى بقبر الولي الذي كانت تشد اليه الرحال من مختلف بلاد المسلمين والذي يعتقد انه تابع لأحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

حينما نتحدث عن افلاج الواحة والتي كانت السبب الرئيس للحياة فيها فإنه لابد من التوجه إلى سلطان بن أحمد الكويتي، مستشار قسم الافلاج ببلدية العين الذي يقول: أدى اكتشاف الأفلاج واستخدامها بصورة واسعة للري إلى تمركز السكان في هذه المنطقة، كما أدى إلى بروز حركة تبادل تجاري واسعة وارتبطت نشأة الأفلاج واستخدامها في الري بنشأة المباني التاريخية الضخمة التي تعج بها مدينة العين والمنطقة التي حولها، فقد شيد الحكام المتعاقبون مجموعة كبيرة من الحصون والقلاع والأبراج لحماية موارد المياه ولحماية أراضيهم الزراعية وثرواتهم في تلك الواحات . وفي نهاية الستينات من القرن الماضي في عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان تم اقامة وحدات سكنية وبيوت متوسطة الحجم في الواحات والأماكن المحيطة بها وتوزيعها على أهالي المنطقة من اجل ضمان الاستقرار في تلك الواحات ومن بينها العين .

وعن مصدر المياه بالافلاج، يقول: تنطلق الافلاج من ينابيع تقع على بعد عدة كيلومترات من الواحات، حيث كان لكل واحة فلج خاص بها وكانت تستخدم تلك المياه في الشرب والري وفي سائر مناحي الحياه الاخرى، واخترع سكان الواحات نظام الافلاج لحماية الماء من التبخر والضياع ويعتمد في هندسته على قوانين الجاذبية الأرضية للحفاظ على تدفق متواصل للماء .

يضيف: توصف مدينة العين بأنها مدينة الأفلاج السبعة وهي الداودي والمعترض والمويجعي والجيمي والقطارة وهيلي وصاع، والفلج عبارة عن نبع مائي على شكل نهر صغير حفره الأجداد منذ القدم على أعماق تتراوح بين 90 و95 قدماً من خلال ثقوب رأسية (آبار) ثم تتصل في العمق عند النبع من خلال ثقوب أفقية تعرف بالسل وتصل الآبار بعضها ببعض تحت سطح الأرض لتبدو مياه هذه الآبار في العمق كنهر صغير داخل قبو صخري يمتد إلى عدة كيلومترات، ومن خلال هذه الأفلاج ابتكر الأجداد نظاما فريدا في هندسة الري .

يتابع: يبدأ مجرى الفلج من أمهات الفلج (منبع الفلج) وحتى الشريعة وهي مكان ظهور الماء من باطن الأرض على سطحها) وتسمى شريعة واحة العين بشريعة الصاروج، ويسير الماء بقدرة الله سبحانه وتعالى على ميلان الأرض، بحيث لا يمكن تمييز هبوط أو ارتفاع في المنسوب داخل جوف الفلج ولا يسير الفلج تحت سطح الأرض في طريق مستقيم، بل يلتف في مساره كل مسافة عبر منحنيات تساعد على زيادة قوة الاندفاع في الفلج، ويسير الماء حتى يظهر عند الشريعة وسط مزارع النخيل ويتراوح منسوب ارتفاع الماء عند الشريعة من 5 .1 قدم إلى قدمين، مع العلم بأن هذا المنسوب يزيد عند هطول الأمطار ويظهر ذلك بعد مرور أربعة أشهر .

ويتحدث سعيد بن فهد الكتبي عضو لجنة الافلاج ببلدية العين وأحد سكانها في الماضي عن شكل الحياة في الواحة قديما، وما تضمه من مبان بقوله: عمر الواحة هو عمر الافلاج التي تتشعب بها، وكنا نسكن حولها فيما يسمى بالحارة في فصل الشتاء التماسا للدفء، فيما ينتقل سكانها للعيش في الواحة في فصل الصيف لانخفاض درجة الحرارة بها نظرا لوفرة ظلال النخيل والشجر ومجاري الافلاج بها، وتعد واحة العين هي الاكبر بين واحات مدينة العين كلها وتحيط بها مجموعة من القلاع والحصون التي تحمي سكانها أثناء الحروب، ولعل اشهرها قلعتا المربعة والجاهلي، أما عن المساجد فهي كثيرة وأهمها مسجد الجامع والمطاوعة وماجد وبن راشود، بالاضافة إلى مسجد الشريعة الذي لا يزال بحالته القديمة حتى الآن الا انه يخضع حاليا للترميم من قبل هيئة الاثار والسياحة .

يستطرد مسترسلا في ذكريات الماضي: كنا نزرع بالواحة كل أنواع الفواكه والحمضيات، حيث نقوم بتصدير الليمون والمانغو إلى أبوظبي ودبي على الجمال خلال مسيرة أربعة ايام ذهابا ومثلها اياباً . وفي موسم الحَب كنا نزرع الحنطة ومن ثم نحصدها فالكميات الكبيرة من الحصاد يتم وضعها فيما يسمى الجرن، اما الكميات الصغيرة فتوضع فيما يسمى الينور من أجل عمليات الفرز والمعالجة تمهيدا للمتاجرة فيها، وكان المسؤول عن توزيع المياه في الواحة وهو العريف الثاني يقوم بتوزيع المياه وفقا لنصيب كل فرد منها، حتى أمر المغفور له الشيخ زايد بتوزيع الماء بالتساوي بين المزارع وفقاً لاحتياجات كل مزرعة،، كما أمر، رحمه الله، بتثبيت العمال المسؤولين عن السقاية وتعيينهم، وبإصلاح العوامد التي كانت تمثل مجاري الافلاج المتشعبة في الواحة .

وعن الحصون والابراج الدفاعية الموجودة بالمنطقة يقول: كما كانت التقاليد البدوية في ذلك الوقت تفرض آداب الكرم وحسن الضيافة تجاه الزوار المسالمين، فإنها كانت بحاجة ايضا إلى السيطرة على مصادرها الحيوية من خلال وضع إجراءات دفاعية ضد خطر الغارات العدائية . ومن بين تلك الإجراءات الدفاعية المتخذة في ذلك الوقت، وضع مخافر لحراسة الواحة، لكن تم لاحقا بناء أبراج مراقبة تسمح بالإنذار مبكراً عن أي غزو محتمل . ومع تطور طرق وأساليب البناء، تم بناء تحصينات أكبر تكفي لحماية كل سكان الواحة، حيث وفرت هذه المباني الكبيرة الأمن وأرست شعورا أكبر بالاستقرار في المكان .

محمد مطر النيادي عضو لجنة الافلاج وأحد أبناء الواحة: يقول واصفاً شكل الحياه وموسم الصيف في الواحة في الماضي: كانت العين من أروع المقايظ بالدولة، وعلى الرغم من بساطتها وبساطة بيوتها التقليدية المبنية من الطين وسعف وجذوع النخيل فإنها كانت باردة صيفا ودافئة شتاء، بينما تزيد الافلاج التي تتشعب وسط واحاتها من برودتها صيفا، إذ كانت تتدفق بها المياه العذبة قوية على مدار العام وكانت الأفلاج وقتها شرايين شكلت حياتنا . وعندما كنا صغاراً استمتعنا بالمقيظ قربها فكانت المياه فرحتنا وبهجتنا تلطف عنا حر الصيف الذي يستمر شهوراً . الفلج ينبوع رزقنا فإن نقص حزنَا وإن زاد ماؤه فرحنا .

يتابع: تقدم شبكة الممرات المسطحة التي تم توسيعها وإحاطتها بالأسوار وتبليطها على نحو جيد من قبل هيئة الثقافة والتراث مشهدا رائعا للزراعة القديمة في المنطقة، بحيث باتت تمكن الزائر من التجوال بداخلها سيراً على الأقدام أو بالسيارة، لمطالعة شبكة الافلاج الداخلية والتي تخترق مزارع النخيل كشرايين الحياه التي تبث فيها الروح أما عن البيوت المحيطة بالواحة فيما يسمى بالحارة، فكان بعضها مكوناً من الطين وبعضها الآخر من العريش وفقا للمكانة الاجتماعية لأهل المنطقة، وكان يفصل بعضها عن بعض ممرات ضيقة تساعد على توثيق روابط الجيرة والمحبة بين أهل المنطقة، حيث كان الجميع يتشارك في الطعام على الافطار قبل توجه كل منهم إلى عمله، كما كانت تجمعهم عادة الالتقاء والسمر بعد صلاة المغرب، وحرصت هيئة الثقافة والتراث على ترميم الأسوار الخارجية والممرات الداخلية للمباني القديمة بذات الطابع المعماري القديم، مما يحافظ على شكلها وفتحت الطرق داخلها، بحيث يتمكن أصحاب المزارع والمزارعون والعمال من الوصول بسهولة إلى مزارعهم وفي الوقت نفسه يتيح ذلك للسياح وغيرهم من الزوار الفرصة للتمتع بجو الواحات ومناظرها الخلابة .

يقول علي بن راشد النيادي عضو بلجنة الافلاج بالبلدية وأحد أبناء المنطقة: تضم واحة العين ما يقارب 461 ألف نخلة تتخللها أشجار الفواكه الأخرى مثل المانغو والبرتقال والموز والتين وأشجار السدر، وتعد واحة العين أحد المواطن الأولى لقبائل عديدة ومنها الكويتات والنيادات والنواصر والمطاوعة والجوابر، والظواهر ايضاً، والقبائل جاءت إليها منذ زمن بعيد واستوطنت حول الواحات في بيوت طينية وأخرى من العريش، كما عرفت واحة العين حركة زراعية منذ مئات السنين بفضل الافلاج .

يتابع: يعد اهتمام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله بالأفلاج البداية الحقيقية لاهتمام الدولة بالواحات بشكل عام، فقد أمر الشيخ زايد، رحمه الله، فور توليه الحكم في مدينة العين برعاية الواحات وترميم الأفلاج وإصلاحها والمحافظة عليها، وشارك بنفسه في حفر بعض منها وتحدث مرات عدة معتزاً بذلك، ومن ثم بدأت بلدية العين ومنذ عام 1990 خطة طموحة لتجديد الواحات ومنها واحة العين، وشملت الخطة رصف الطرق وتجديد الحوائط والأسوار والبوابات باستعمال مواد تقليدية مما حافظ على الجانب التراثي من الواحات .