تزخر الدولة بكثير من المناطق الطبيعية والتاريخية التي تعد علامة مميزة، حيث تكثر فيها السهول الخصبة والوديان والجبال الشاهقة والشواطئ الخلابة وكل هذه المقومات جعلت من هذه المناطق أرضاً خصبة لزراعة كثير من النباتات والمحاصيل ومن بين هذه المناطق وادي الخنفرية الذي يقع في منطقة مصفوت في إمارة عجمان على بعد نحو 120 كيلومتراً من إمارة الشارقة، ويتخلل الطريق إليه العديد من الجبال والوديان الشاهقة التي تتميز بها المنطقة .

الوصول إلى وادي الخنفرية يستلزم المرور بكثير من المناطق الحدودية الواقعة بين الإمارات وسلطنة عمان ثم إلى منطقة مصفوت التي يقع فيها الوادي، وتستغرق المسافة إلى هناك ما يقارب ساعة ونصف الساعة على طريق ترسم الجبال المحيطة بها شكلاً طبيعياً جمالياً يجذب عين من على الطريق من أشكال الجبال وتنوعها وعددها، وتتجلى فيه عذرية الطبيعة .

وعلى الرغم من انقطاع مياه الأمطار عن المنطقة لفترات طويلة لم يترك المكان سكانه ولايزالون يعيشون فيه مستمتعين بمكان طبيعي تحيطه الجبال من كل مكان، أضف إلى ذلك ذكريات الطفولة التي مازالت عالقة في أذهانهم عن هذا المكان حيث يعتبرونه مربع الصبا والطفولة .

تضاريس وعرة

أهل وادي الخنفرية يوصفون بالكرم والترحاب بالضيوف كبقية أهل الإمارات، ويسكنون في بيوت شعبية تم بناؤها منذ فترة ليست بالقريبة بعد أن كانوا يسكنون أعلى الوديان في بيوت قديمة، ولجغرافية المكان طبيعة خاصة حيث تحيط به الجبال من كل الجهات وهو ما يجعله منطقة وعرة للغاية وصعبة التضاريس ولا يفهمها ويعرفها إلا أهلها ويوجد بالقرب منها العديد من الوديان مثل خليبان ووادي بوفراي ووادي غلفا، إضافة إلى الوديان الصغيرة الأخرى التي جف معظمها في الوقت الحالي بسبب ندرة الأمطار، ما جعل كثيراً من الزراعات فيها تختفي خاصة المانجو حيث كانت المنطقة تشتهر بزراعتها كما أكد أهلها .

بعد وصولنا إلى المنطقة استقبلنا أهلها بحفاوة وترحاب أهل الإمارات وتحدث إلينا عبد الله بن راشد عنها قائلاً في الماضي كنا نسكن أعلى الوديان والجبال وكنا نزرع المحاصيل الزراعية المختلفة والتي كانت المنطقة تشتهر بها وكانت مصدر خير ورزق للجميع، حيث كنا نذهب إلى دبي لبيع هذه المحاصيل ومن المكسب الذي نحققه كنا نعود إلى بيوتنا من أجل توفير احتياجات الأهل والأبناء وقد تعودنا على ذلك إلى فترات لم تكن بالبعيدة إلى أن بدأت الدولة في توفير الرعاية والعمل وكافة متطلبات الحياة، وفي الوقت الحالي ومنذ فترة طويلة دخلت الكهرباء والمياه إلينا، حيث كنا في الماضي نعتمد على السقايين والذين كان لهم الفضل في توصيل المياه إلينا من المناطق المجاورة، أما الكهرباء في الوقت الحاضر فأصبحنا نعتمد عليها من خلال منطقة مصفوت التابعة لإمارة عجمان وحتا التابعة لإمارة دبي حيث تم توفيرها لنا بكل طاقتها لتخدم أهل المنطقة .

ويكمل عبدالله بن راشد حديثه قائلاً: نزلت في هذا المكان قبل أكثر من 20 عاماً، وفي الوقت الحالي تم توفير مساكن شعبية لنا بنيت على أرض الوادي حيث تم تخصيص منزل لكل مواطن في المكان ووفرت لنا الدولة أيضاً محطات كهرباء قريبة ومدارس ومستشفى لعلاج أهل المنطقة، إضافة إلى الخدمات المختلفة التي توفر لنا متطلبات الحياة كافة .

ويضيف: حرصت الدولة على إقامة السدود في المناطق الجبلية المحيطة بالوادي للحد من مياه السيول حيث تم بناء سد وادي غلفا الذي بني منذ فترة ليست بالقريبة بسعة خمسمئة ألف متر مكعب وارتفاع عشرة أمتار، وسد وادي حذف الذي بني عام1991، وكل هذه السدود تشكل إنجازاً مهماً لحفظ المياه الجوفية حيث تتميز المنطقة بالمياه العذبة .

بعدها انتقلنا مع إسماعيل محمد أحد أبناء المنطقة ومن العاملين في بلدية مصفوت مستقلين إحدى سيارات البلدية وذلك نظراً لطبيعتها حيث تجولنا في طرق متعددة بين الجبال التي تحيط الوديان من جوانبها المختلفة ما يرسم لها شكلاً جمالياً كأنه لوحة فنية .

اختفاء الأفلاج

استغرقنا في هذه الرحلة ما يقارب من 30 دقيقة شاهدنا خلالها البيوت القديمة التي كان يسكنها أهل وادي الخنفرية بالقرب من الجبال قبل نزولهم إلى أرض الوادي، وشاهدنا أيضاً العديد من الأفلاج المختلفة التي تشتهر بها المنطقة، خاصة وأنها كانت تستخدم بالكامل في ري الأرض الزراعية إلا ان معظمها اختفى مثل الوديان بسبب ندرة الأمطار .

ويتحدث إسماعيل محمد عن تطورات المنطقة قائلاً: في الوقت الحالي اختلف الأمر كثيراً حيث تعددت الخدمات المقدمة إلينا سواء على صعيد التعليم أم الصحة أم شبكات الاتصالات أو خدمات الصيانة للكهرباء والمنازل، إضافة إلى توفير العديد من فرص العمل لأهل المنطقة والمناطق المجاورة كمنطقة مصفوت .

ويتحدث الوالد خليفة سالم عن عادات أهل منطقة وادي الخنفرية قائلاً: بعد كل صلاة في مسجد المنطقة يجتمع الموجودون من أهل الوادي على أحد المقاعد خارج المسجد لمدة تقارب نصف ساعة حيث نتبادل أطراف الحديث في أمورنا المختلفة ونسأل عن أحوال بعضنا البعض ويكون وقت الجلوس لفترات طويلة بعد صلاة العشاء، أما عند صلاة الظهر فيكون الحديث قليلاً حيث يستعد كل واحد منا للذهاب لتناول طعام الغداء قبل القيلولة .

ويضيف: في الماضي عندما كان خير الأرض كثيراً ووفيراً ويوجد العديد من الزراعات المختلفة كنا نوزع المحاصيل المختلفة على أهل الوادي ونتبادلها مع بعضنا البعض، ولكن في الوقت الحالي نسعى إلى تكرار ذلك من خلال تبادل عسل النحل والسمك حيث نذهب إلى البحر في أوقات مختلفة للصيد ونعود إلى الوادي للشواء .

وعن عادات الزواج يقول محمد عبيد وهو من أهل المنطقة: في الماضي كانت عادات الزواج مختلفة عن الوقت الحالي حيث كنا نعمل على إقامة الأفراح ثلاثة أيام بلياليها، أما في الوقت الحالي فأصبحت تقتصر على يوم واحد يقدم فيه عدد من الفنون الشعبية .

الحفاظ على الموروث

ويضيف: نسعى دائماً للحفاظ على الموروث الثقافي والشعبي في أفراحنا كافة، وذلك حتى تتعلم الأجيال الجديدة عادات الأجداد وتحافظ عليها وعلى الرغم من وجود التطورات الحديثة التي طرأت على كل أساليب الحياة إلا أن شبابنا يسعون دائماً للحفاظ على تراث أجدادهم في المناسبات أو حتى في حياتهم اليومية .

ويقول خميس بن سعيد من أهل الوادي إن المنطقة تمثل قيمة طبيعية وجمالية خاصة للغاية خاصة وان لها مميزات كثيرة من ناحية طبيعة جوها المعتدل في مختلف فصول العام حتى في وقت الصيف وعندما تشتد الرطوبة في فترة النهار يكون الجو ليلاً ذاتها طبيعة خاصة ويميل إلى الاعتدال وأحياناً البرودة وهو ما يجعلنا نجتمع في كثير من الأوقات في أعالي الوديان للسمر والحديث مع الأهل والأقارب في كثير من الشؤون المختلفة .

شباب الوادي يتحدث عنهم خليفة سعيد قائلاً: نحن كشباب لدينا الكثير من العادات المختلفة التي نقوم بها، حيث نجتمع سوياً خلال أيام الأسبوع بعد إنهاء كل واحد منا أعماله المختلفة كدراسته في الجامعة أو في عمله الخاص حيث نتسامر في كثير من الأمور المختلفة الخاصة بحياتنا أو الجديد الذي وصلنا إليه في أعمالنا، إضافة إلى ذلك نسعى دائماً إلى ممارسة العديد من الألعاب الشعبية المختلفة مثل اليولة والغميضة، وهذه اللعبة كنا نمارسها عندما كنا صغاراً، ومن الألعاب الشعبية أيضاً لعبة التبة ولعبة ديك ودياية وهي من ألعاب أهل البحر، حيث نمارسها عندما يكون هناك أمطار والوديان ممتلئة بها .

ويضيف: نسعى في الوقت الحالي لمحاولة إحياء كثير من هذه الألعاب خاصة التراثية منها وتكون ممارسة هذه الألعاب في أغلب الأوقات خلال فصل الشتاء، أو في المساء من فصل الصيف، حيث تميل حرارة الجو إلى الاعتدال ويمكن في هذا الوقت أيضاً أن نعقد جلسات سمر وود لنتبادل أطراف الحديث .