في حضن الجبال الغافية على سحر الطبيعة وأشجار النخيل، وعلى طول الطريق المؤدي إلى مسافي ودبا، يقع وادي العبادلة الذي يمثل نموذجاً حياً على عراقة الماضي وملامح المستقبل . تشكل الزراعة الحرفة الرئيسية للأهالي في الوادي وهناك العديد من المزارع التي تنتج المانجو والطماطم والبقوليات، بالإضافة إلى إنتاجها المتميز من شجر النخيل الذي تتعدد أنواعه . ويشجع على ذلك آبار المياه العذبة المتفجرة من باطن الأرض والتي يستخدمها الأهالي في ري المزروعات، كما اشتهر الوادي في الماضي بتربية النحل الذي ضرب بعسله المثل .

يشعر الزائر لوادي العبادلة بمتعة شديدة وهو يجتاز الطريق المؤدي إليه، قادماً من مسافي ليبدأ في الارتفاع بشدة حتى الوصول إلى ذروة الطريق ثم يبدأ في الانحدار، وتأسر الناظر أشجار النخيل والموز والليمون والجوافة وبعض الخضراوات المتنوعة . التمتع بهذه المناظر الخلابة، يتطلب سلوك الطريق الممتد بين مسافي حوالي 15 كم، ودبا الفجيرة حوالي 30 كم، حيث يحيط بالوادي من جميع الاتجاهات عدد من الجبال الشاهقة، تعتبر امتداداً لسلسلة الجبال التي تحيط بالفجيرة التي يتبعها الوادي، وتتميز بغناها وألوانها الطبيعية، وذلك كما يقول أهل الوادي انه عائد إلى طبيعة محتوياتها وعناصرها الغنية بالمياه الجوفية .

يقول علي بن أحمد بن سعيد، من شواب المنطقة، عن تاريخ الوادي وسبب تسميته: الوادي اشتق اسمه من قبيلة العبادلة الذين يسكنون الوادي الكبير ويشكلون أغلبية سكانها، حيث يبلغ مجموعهم ما بين 1000 و1300 نسمة، ويشاركهم الوادي منذ القدم قبائل الزيود، التي تربطهم ببعض وشائج المحبة والقربى المتينة، ويتميزون بكرمهم وشهامتهم .

ويلفت ابن سعيد إلى شهرة مياه الوادي بأنها الأعذب في المنطقة .

ويوضح علي عبد الله غاصب العبدول متقاعد من سكان الوادي، انه منذ القدم كانت منازل أهل الوادي متفرقة على طول مساحة وادي العبادلة، ويقول: ظل الحال كذلك حتى عام 1982 عندما تقرر بناء شعبية حديثة لأهالي الوادي، وفي المرحلة الأولى تم بناء 35 منزلاً فتجمع داخلها الجميع وأصبح نموذج الأبنية الحديثة يختلط ببعض الشعبيات القديمة، ويمثل نموذجاً لقلب الوادي من بين مزارع النخيل والفواكه المتنوعة . وأهل وادي العبادلة تتنوع مهنهم ما بين أصحاب زراعة، وأصحاب الجبل، ومربي نحل العسل، ومنهم أصحاب المراعي والبوش، وكان لعسل المنطقة في السابق مزايا غير متوفرة اليوم، لتغير المناخ والمرعى، إضافة إلى أن البعض استورد أنواعاً من النحل الكبير، فكان يقضي على الأنواع الأخرى الأصغر منه . وعن أنواع الزراعة المفضلة لدى أهل الوادي، قال: نوع الزراعة يتوقف على نوع التربة ومدى توفر المياه وموقع المزرعة في الوادي، وان توفرت جميع الشروط الملائمة للأهالي، يحرصون على زراعة جميع أنواع الخضراوات والفواكه مثل الخيار والكوسا والباذنجان والطماطم والبقوليات والمانجو والليمون، وأفضل الأوقات للبدء بزراعة هذه الأنواع، هو في هذه الفترة التي يبدأ فيها نجم سهيل بالظهور فتبدأ برودة التربة، ويعتدل المناخ . ويشار إلى انه بالرغم من تمتع الوادي بالعديد من المظاهر الحياتية الحديثة، إلا انه يوجد ما ينغص عليهم حياتهم، ومنها فتحة الالتفاف في شارع دبا مسافي الجديد حيث تضطرهم إلى قطع ثمانية كيلومترات للوصول إلى مدينة دبا لشراء احتياجاتهم اليومية، على الرغم من تقديمهم اقتراحات لتقريب المسافة أو إنشاء دوار على الشارع لتقليل الوقت الذي يستغرقه ذهابهم إلى دبا، بالإضافة لحاجة الوادي إلى خدمات أساسية مثل الشوارع الداخلية المعبدة، ومدرسة، ومركز صحي لان المركز الأقرب لهم موجود في منطقة الحلاة، على بعد 9 كم تقريباً، ويعمل فيه ممرض وطبيب فقط .

ويشير عبدالله راشد، من منطقة مسافي، إلى أن أرض وادي العبادلة تتميز بوفرة المياه الجوفية والأفلاج، وبعض الينابيع الطبيعية، وأن المنطقة تتميز بسحر طبيعتها، ولا سيما في فصل الشتاء حيث تبدو للناظر كمزار سياحي تجري فيه الوديان وتتنوع ثمار أشجاره حيث كانت تتغذى في الماضي وعلى مدار فصول السنة على مياه الوادي، ولكن حالياً بسبب جفاف المنطقة وقلة سقوط الأمطار يلجأ معظم أهالي المنطقة إلى تغذية مزارعهم عن طريق الآبار، لافتاً إلى أن المنطقة تشتهر بالزراعة خاصة فاكهة الترنيوالليمونوالمانجو#171;، حيث يملك العديد من أهالي المنطقة العزبة#171;، ويضيف: بينما كانت البيوت تبنى في الماضي من الحصى والطين، امتدت يد الاتحاد إلى القرية في بداية الثمانينات، حيث تحولت بيوت الوادي إلى شعبية تحمل الطراز المعماري الحديث، خطط لموقعة في منتصف الوادي وأعلى نقطة فيه مجموعة من المهندسين المحليين، فتحول إلى تجمع سكاني، جمع بين كل البيوت المتباعدة والموزعة في الوادي .

ويقول خميس عبد المحسن أحمد من أبناء المنطقة: إن الزراعة تشكل الحرفة الرئيسية لأهالي الوادي منذ الأزل وحتى اليوم ويعدونها ميراثاً لا يمكن التفريط فيه، ويساعدهم في ذلك تميز التربة الزراعية في الوادي، ووجود نظام ري متوارث من الأجداد والآباء، لا يختلفون عليه منذ عشرات السنين، وهو بمثابة قانون يطبقه الجميع بلا استثناء، حيث يقضي النظام بأن يخصص يوم لكل صاحب أرض لريها ولا يتعدى بأي حال من الأحوال موعده في الري . حيث تنتج مزارع العبادلة الخضراوات والفواكه بأنواعها مثل: المانجو والليمون والباذنجان والطماطم، بالإضافة إلى إنتاجها المتميز والمتنوع من شجر النخيل، وأنعم الله على هذا الوادي بزيادة الأشجار المعمرة التي يصل عمرها إلى مئات السنين .

يذكر محمد الزيودي ان الوادي يعتبر من أخفض الوديان في المنطقة وأطولها على طول الطريق المحاذي للطريق العام، ويقول: في السابق عند هطول الأمطار كان الطريق ينقطع تماماً، حيث تملأ الأمطار الوادي ولا يستطيع أبناء القرية الخروج أو الدخول، وخاصة ان الطرق الداخلية التي تربط الوادي ببعضه كانت ترابية وغير معبدة، أما الآن فتم بناء جسر سهل حركة المرور وأصبح بإمكان الجميع الخروج في موسم الأمطار، والطريق الرئيسي الذي يدخلهم إلى الشعبية أصبح معبداً .

ويقول سالم محمد العبدول من سكان مسافي: أنا دائم الزيارة لوادي العبادلة لوجود معظم الأهل والأصدقاء فيه، ورغم انه اختلف عن السابق من حيث البيوت والطرق، الا ان العادات والتقاليد ما زالت كما هي، حيث يتميز أهلها بالكرم والتواصل المستمر في المناسبات الاجتماعية، وخاصة مجالس الشواب التي يجتمعون فيها كل يوم . ولأيام الأعياد طابع آخر هنا حيث يجتمع الجميع في أحد المجالس ويحلو السمر مع أحاديث الشواب وقصصهم . ويشير إلى أن وادي العبادلة يعتبر امتداداً لمنطقة تجارية وصناعية وزراعية، حيث يسبقه منطقة الطيبة ومسافي بسوقها التجاري والشعبي المتنوع، بينما يليها دبا الحصن المزدهرة بالعمران والحدائق العامة . لعل أهم ما يميز قرية وادي العبادلة، حسب العبدول، عن غيرها من القرى التابعة لإمارة الفجيرة، ولا سيما في فصل الشتاء هو انتشار العيون المائية والأفلاج حيث من السهل على الزائر أن يلاحظ تناثر الأفلاج المائية على حافة الوادي وهذه الأفلاج لا تزال تستخدم في ري الأشجار المختلفة .

سعيد عبيد علي راشد (80 عاماً) من أهالي المنطقة يقول: وادي العبادلة من ابرز المناطق الساحرة على طول طريق الفجيرة ويتميز بخضرته الدائمة على مدار العام لوجود النخيل وأشجار المانجو والأعشاب التي تغطي مزارع الوادي . كما تتميز المنطقة بمناخها المعتدل على مدار العام حيث تنعدم فيها درجات الحرارة وتنخفض الرطوبة . وبالرغم من المظاهر الحديثة التي تبدو على الوادي، إلا أن الأهالي عاشوا في الماضي حياة قاسية وصعبة وكانت العلاقات قائمة على المحبة والتعاون والبساطة لدى الجميع حيث اعتمدوا على زراعة النخيل وبعض الخضراوات والفواكه بالإضافة إلى المحاصيل الصيفية . كما اعتمدوا على جمع العسل من كهوف الجبال وكان عدد البيوت قديماً قليلاً جداً منها المبني من الحجارة وسعف النخيل والطمي .