هنا في هذه المدينة التي تشكل مناظرها استوديوهات طبيعية خلبت ألباب أشهر المخرجين العالميين، وأهم المتخصصين في الروبيراج الذين يعنون باختيار مواقع التصوير.
هنا في مدينة وارزازات الواحة الصحراوية التي أصبحت اليوم، دمغة عالمية صورت مناظر أفلام كبيرة من أشهرها، جوهرة النيل لمايكل دوغلاس، وشريط كوندون للمخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي، وشريط كيلوباترا وشريط المومياء.. والعديد من الروائع السينمائية العربية كفيلم الرسالة وصلاح الدين كلها أفلام ضخمة مثلت وصورت في أحد أكبر الاستوديوهات الضخمة الموجودة في مدينة ورزازات جنوب المغرب الغنية بالمناظر الطبيعية، والتي يراهن عليها المغرب في أن تشكل مستقبل مشاريعه الكبرى في الصناعة السينمائية، بعد أن أصبحت وجهة مفضلة لدى كبريات شركات الإنتاج العالمية في قطاع السينما، علاوة على أهميتها في مجال السياحة الثقافية، حيث تنظم في هذا المكان أهم المهرجانات الدولية في السياحة الصحراوية ورحلات السفاري في تخوم الرمال الذهبية.
تعني وارزازات في اللغة الأمازيغية دون ضجيج أو الهدوء، وهي كمدينة حديثة لم تشيد إلا في أواخر العشرينات من القرن الماضي على يد المعمرين الفرنسيين، لكنها في الأصل، هي أقدم من هذا التاريخ، لأنها كانت في السابق مكان استراحة بين المسالك العابرة إلى واحات درعة غرب المغرب وواحات وادي زيز في الجهة الشرقية، وظلت هذه المنطقة التي تمتد على مساحات شاسعة نائية وهادئة محصنة بطبيعتها الخلابة وممتنعة على الغرباء الذين لا يعرفون سرها ولا يجدون إليها طريقاً، ولم يكن على دراية بموقعها إلا جوابو الآفاق من أصحاب القوافل التجارية الصحراوية.
وبقيت فترات طويلة منطقة جغرافية بكراً، طبيعتها مثار غرابة وذهول، تختصر كل متناقضات الطبيعة.. فهي تضم الثلوج والواحات والصحاري والفيافي والمنابع والأودية والكثبان الرملية، ولها غطاء نباتي شديد الغرابة، أيضا، لا ينبت إلا فيها مثل النخيل والورد البلدي والزعفران الحر والحناء، كما أن المنطقة تتميز أيضا على مستوى خواصها المعمارية ذات الطابع التقليدي ونمط عيش سكانها وشكل أزياء أهلها وأهازيجهم وعاداتهم، ما مكنها من تحقيق سمعة سياحية عالمية، وجعل منها حاضرة السياحة الجبلية والصحراوية، قبل أن تتحول في ما بعد إلى وجهة للسينمائيين العالميين.
وتشبه وارزازات وردة تفجرت في قلب واحات الأطلس الصغير تطوقها نسمات الهواء النقي وجداول الماء العذب الرقراق القادم من قمة الجبال المغطاة بالثلوج، ويطرز كل هذه اللوحة الطبيعية مشهد من الواحات الصحراوية المزدانة بأشجار النخيل والقصبات التقليدية التي تقودنا في رحلة زمنية عبر تفاصيل الزمن الجميل، فهذه المؤهلات التي تمتلكها وارزازات هي التي جعلتها منارة يذهب إليها السياح الراغبون في الانعتاق من ضغط المدن الكبرى والاخلاد إلى الراحة، لكن هذه المدينة الهادئة، استعمرها الفرنسيون، ونظرا للأهمية الاستراتيجية التي تكتسيها، كقاعدة عسكرية، انطلق منها المستعمر الفرنسي لبسط نفوذه على السلسلة الجبلية المعروفة باسم سلسلة الأطلس الصغير، كما كانت نقطة انطلاق الطائرات الفرنسية التي أخضعت قبائل المنطقة التي قاومت ببسالة نادرة قوات الجنرال الفرنسي هنري دو بورنازيل، الشهير باسم الرجل ذي الرداء الأحمر. وتشتهر وارزازات بعدة سهول وواحات صحراوية توجد في مقدمتها سهول واد تودرة، هذا النهر الذي تحيط به مناظر طبيعية خلابة لم تمسسها يد البشر. ويمتد سهل تودرة على مسافة 20 كلم وينتهي شمالا عند جبال الأطلس الكبير وجنوبا عند الجهة الشرقية لجبل صاغرو. ويضم سهل تودرة العشرات من القصبات والقصور التاريخية التي تشكل مع الخضرة جزءا طبيعيا من اللوحة الطبيعية التي تهديها وارزازات مجانا لزوارها.
هناك أيضا سهل دادس الذي يمتد على مسافة 170 كلم ما بين وارزازات وبولمان إلى الجنوب، حيث يضم حوالي ألف قصبة أشهرها قصبة آيت سوس، ويخترق السهل وادي دادس الذي يسقي سلسلة من الواحات المنتشرة به، إضافة إلى ذلك، تنطلق الصحراء على مرمى البصر، ابتداء من واحة سكورة، حيث ظلال أشجار الزيتون والماء الرقراق البارد القادم من أعلى مرتفعات الجبال، لتنفتح على التيه الصحراوي في تجاه منطقة زاكورة (جنوب شرق المغرب)، وهناك يتوحد الكائن مع صمت الطبيعة وجبروتها. ورغم التحديث والمعاصرة التي هبت على مدينة وارزازات، بسبب النهضة العمرانية واتساع المجال الحضري، فإن المشاريع العمرانية المحدثة حافظت على أصالة البناء المعماري والشكل الهندسي الخاص بها، والذي يميزها عما عداها من المدن المغربية، والتي تعتمد في بنائها على المواد الطينية، التي تلطف من درجة الحرارة المرتفعة، التي تتجاوز أحيانا 45 درجة، وهذا ما عزز من موقعها السياحي، وجعل منها مقصداً للسياحة الصحراوية ولرحلات السفاري في تخوم الصحراء، ويبين الخط التصاعدي تزايد إقبال السياح والزوار على وارزازات، خاصة بعد تنظيم سلسلة من التظاهرات التي استهدفت الترويج للمنتوج السياحي وأهمها المهرجان الوطني لفن أحواش الذي يعرف مشاركة أشهر الفرق الموسيقية لهذا الفن الموسيقي المغربي التقليدي وتشارك هذه الفرق القادمة من المدن الصحراوية في إحياء حفلات هذا المهرجان المعروف برقصاته الموغلة في الجمال والإدهاش، وللمدينة مطار دولي يستقبل الآلاف من السياح في رحلات جوية مباشرة من العواصم الأوروبية، واستطاعت هذه المدينة أن توفر البنيات الأساسية لاستقبال زوارها من كل الأصناف، وبالأخص من نجوم السينما العالميين، ومن رجالات ونساء السياسة الدولية، فهنا تقضي هلاري كلينتون إجازاتها السنوية، كما يأتي الرئيس الفرنسي السابق جاك شراك إلى محل إقامته في المدينة، إضافة إلى شخصيات مشهورة من عالم الموضة والمال والأعمال.
وارزازات عبارة عن استوديو طبيعي لتصوير أروع الأفلام السينمائية العالمية وأكثرها رسوخاً في ذاكرة الملايين من المشاهدين عبر العالم، وتتزايد شهرة المدينة مع الأيام بفضل تنوع مشاهدها الطبيعية واختلاف الثقافات الموجودة بها، مما جعل الصناعة السينمائية بها ميدانا واعدا لإنتاج الأفلام، والمعروف عن المدينة أنها شكلت فضاء لتصوير أشهر الأفلام مثل شاي في الصحراء وجوهرة النيل والمومياء، وإلى جانب الأفلام المطولة، كانت المدينة فضاء لتصوير عدد من الاستطلاعات والأفلام الوثائقية والأفلام القصيرة. وساعدت على شهرتها السينمائية سماؤها الزرقاء ونور شمسها الطبيعي ووجود وفرة في اليد العاملة في المجال السينمائي مثل الكومبارس والتقنيين المحترفين، فتكلفة التصوير بها تقل بحوالي 50 في المائة عن التصوير في الولايات المتحدة، وحقق الانتاج السينمائي بالمدينة رقم معاملات وصل إلى 100 مليون دولار وخلق الآلاف من مناصب العمل، ومن بين أشهر الاستوديوهات في وارزازات هناك استوديو الأطلس، واستوديو كان زمان ويتوج كل هذا توفرها على بنيات سياحية جيدة بعد إنشاء سلسلة من الفنادق الفخمة والمطاعم الراقية.
يعمل حوالي 1500 فني مغربي سنوياً وفي مختلف التخصصات الفنية السينمائية مع هده الأفلام الدولية والتي يتم تصويرها في ورزازات،كما يسند العديد من الأدوار الرئيسية والثانوية سنويا لأكثر من 500 ممثل مغربي من مختلف الأجيال في عدد من الأعمال الدولية. وحسب المركز السينمائي المغربي فإن حوالي 16 ألف مغربي تسند إليهم في السنة أدوار الكومبارس في الأفلام الضخمة، وهو ما يشكل مصدر دخل لفئات عريضة من سكان المنطقة والمناطق المجاورة وحتى البعيدة، وتشير الأرقام حسب مصدر قريب من وزارة المالية المغربية إلى أن استثمارات شركات الإنتاج العالمية في ورزازات يفوق 200 مليون دولار في كل موسم فني واحد، وهو الرقم الذي من المتوقع أن يرتفع في السنوات القليلة المقبلة خاصة مع التشجيعات الإدارية والتسهيلات المالية التي تقدمها السلطات المغربية والتي خفضت السنة الماضية كلفة الإنتاج بأكثر من 40 في المائة قياسا بتكاليف التصوير في أوروبا وأمريكا.. وهي مزية كبيرة قد لا تتكرر إذا ما اضافت إليها مزية تنوع وغنى ديكورات المنطقة التي لا تنضب، والمهارات الفنية المغربية التي برعت في المجال ويساوي أجرها القليل.