د. صدفة محمد محمود
منذ الإعلان عن اللقاء الذي جرى بين الرئيس الفنزويلي «نيكولاس مادورو» ووزير الخارجية الأمريكي «جون كيري» بمدينة كارتاخينا الكولومبية في 26 سبتمبر الماضي، على هامش مراسم توقيع اتفاق سلام بين حكومة كولومبيا والقوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، وهناك تقارير متواترة حول انفراجة مرتقبة في العلاقات الفنزويلية الأمريكية على غرار التقارب الأمريكي مع كوبا.
بالنسبة لحالة كوبا، كان التقارب الأمريكي معها نتيجة فشل سياسة الحصار التي فرضتها عليها لأكثر من نصف قرن في تحقيق الأهداف والمصالح الأمريكية. وفي هذا الإطار، أكد الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» في خطابه حول حالة الاتحاد في يناير/كانون الثاني 2016 مطالبته الكونغرس برفع الحظر الاقتصادي الذي فرضه الرئيس جون كيندي على كوبا في 1962 وعززه بشدة قانون هيلمز- بورتون عام 1996. وقال أوباما «إن 50 عاماً من عزل كوبا لم تنجح في نشر الديمقراطية، وأدت إلى تراجع مكانة الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية».
أما بالنسبة لفنزويلا، فإن واشنطن اتخذت موقفاً متحفظاً أو غير متحمس لأي محاولات من قبل الأولى للتقارب معها. ذلك لأن الظرف التاريخي الراهن في أمريكا اللاتينية مع وصول اليمين إلى سدة الحكم في عدد من دولها، إلى جانب الأزمة السياسية والاقتصادية التي تشهدها فنزويلا يمثلان فرصة ذهبية بالنسبة لواشنطن لإسقاط الحكومة الاشتراكية هناك، وذلك في ظل ضغط المعارضة اليمينية من أجل تنظيم استفتاء على عزل «مادورو» قبل العاشر من يناير/كانون الثاني 2017؛ وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن الرغبة الأمريكية في إسقاط الحكومة الاشتراكية في فنزويلا قبل موعد إجراء الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2019، أكثر قوة من رغبتها في الحوار مع هذه الحكومة، وهو الحوار الذي يمكن أن يسهم في إطالة عمر الحكومة الاشتراكية. لذا فإن واشنطن تجد مصلحتها الحقيقية في دعم جهود المعارضة اليمينية التي تطالب بإطاحة مادورو، كما فعلت مع الرئيسة البرازيلية «ديلما روسيف». فضلاً على تزعمها جهود منظمة الدول الأمريكية الهادفة إلى تعليق عضوية فنزويلا في المنظمة القارية.
وفي المقابل، مثل سعي فنزويلا للانفتاح على واشنطن محاولة من قبل النظام الحاكم هناك لمغازلة الأخيرة للكف عن دعمها للقوى المعارضة، والتخلص من مأزق الاستفتاء الذي تدعو إليه المعارضة لإطاحة مادورو، في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تشهدها البلاد، وذلك بهدف ضمان الاستمرار في السلطة.
وبالنسبة لكوبا، كانت الرغبة والإرادة السياسية الحقيقية من جانب الولايات المتحدة للتقارب معها، متبوعة بحزمة من الإجراءات والخطوات التنفيذية بإعلان البلدين في 17 ديسمبر/كانون الأول 2014 استئناف العلاقات الدبلوماسية التي قطعت منذ 1961، والمصافحة التاريخية بين الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» ونظيره الكوبي «راؤول كاسترو»، واللقاء الذي جمع بينهما على هامش قمة الأمريكيتين السابعة التي عقدت في بنما يومي 10 و11 إبريل/نيسان 2015. والذي كان بمثابة أول لقاء وجهاً لوجه بين رئيس أمريكي وكوبي منذ عام 1956. فضلاً على زيارة الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» لكوبا يومي 20 و21 مارس/آذار الماضي. كما سبق أن أعادت الولايات المتحدة افتتاح سفارتها في هافانا في أغسطس/آب 2015، وقامت كوبا بإعادة افتتاح سفارتها في واشنطن في يوليو/تموز من العام نفسه.
أما بالنسبة لحالة فنزويلا، فإن واشنطن اتخذت سلسلة من الإجراءات والسياسات المناهضة لها، والتي من بينها: توقيع الرئيس «أوباما» في مارس/آذار 2013 مرسوماً يفرض بمقتضاه عقوبات على سبعة مسؤولين فنزويليين لاتهامهم بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، ويعتبر هذا القرار فنزويلا «تهديدًا» للأمن القومي الأمريكي. ومن جانبها، اتخذت فنزويلا سلسلة من الإجراءات ضد الولايات المتحدة، ومن بينها: تقليص عدد الدبلوماسيين والموظفين الأمريكيين في سفارتها بكراكاس، وفرض تأشيرات دخول على الأمريكيين الراغبين في السفر إليها، واعتقال عدد منهم بتهمة القيام بأنشطة تجسس داخل فنزويلا.
ومن غير المتوقع أن تثمر «دبلوماسية المصافحة» في إحداث نقلة نوعية في العلاقات الفنزويلية- الأمريكية المعقدة. خاصة أن الرئيس الفنزويلي الحالي يتهم الولايات المتحدة بالتدخل في شؤون بلاده عبر دعم معارضيه والوقوف وراء التظاهرات والسعي إلى إطاحته، وصولاً إلى التخطيط لاغتياله، ويتهمها بشن حرب اقتصادية ضد بلاده، كما يحملها المسؤولية عن تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية بدعمها للمعارضة السياسية.
وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن اللقاء بين مادورو وكيري والذي كان مقتضباً (لمدة 40 دقيقة)، لم يكن الأول بين كبار مسؤولي البلدين. حيث سبق أن التقى مادورو نائب الرئيس الأمريكي «جو بايدين» في يناير/كانون الثاني 2015، كما أجرى أوباما حديثاً مقتضباً لبضع دقائق مع نظيره الفنزويلي على هامش قمة الأمريكيتين في إبريل 2015، فضلاً على لقاء وزيري خارجية البلدين في يونيو/حزيران 2016. وعادة ما يتم إطلاق المباحثات الثنائية بين البلدين ثم سرعان ما يتم تعليقها مرة أخرى بسبب تصريح من هنا أو هناك. علاوة على أن اللقاءات بين مسؤولي البلدين غالباً ما تقتصر على بعض التصريحات البروتوكولية والتي يعلن فيها ممثل كل طرف عن رغبته في تحسين علاقات بلاده وبداية عهد جديد من العلاقات مع الطرف الآخر، إلا أن اللقاءات المشتركة لا يتبعها في العادة خطوات ملموسة لتحسين العلاقات.
علاوة على ذلك، لا تنذر الرسائل المختلطة التي تبعثها تصريحات مسؤولي الجانبين، والتي تأتي في إطار الحرب الكلامية بين البلدين، بأي تحسن محتمل في العلاقات الثنائية، بل إن ما يحدث هو مزيد من التصريحات السلبية المتبادلة التي تؤزم علاقات البلدين. حيث وصلت حدة التصريحات الفنزويلية المعادية لواشنطن والإدارة الأمريكية إلى حد وصف مادورو الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» بزعيم الشياطين الكبير، بعدما رفضت بلاده الاعتراف بفوز مادورو في الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2013.
وفي ظل حالة الجمود والشد والجذب والتوتر الذي يعتري علاقة البلدين، والممتدة منذ وصول «هوغو شافيز» للسلطة عام 1999، والتي أدت إلى سحب البلدين سفير كل منهما من عاصمة البلد الآخر منذ عام 2010، فإن الواقع الراهن يكشف عن مدى تعقيد العلاقات الأمريكية- الفنزويلية، والصعوبات التي تقف في طريق تطبيعها بالكامل. لذلك فإن مستقبل العلاقات بين البلدين يتوقف بدرجة أساسية على مسار تطورات الأوضاع الداخلية في كراكاس وقدرة المعارضة على حسم المواجهة مع النظام الاشتراكي الحاكم من ناحية، ونتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 في نوفمبر القادم من ناحية أخرى.

باحثة متخصصة في شؤون أمريكا اللاتينية