عبد الرحمن زينل يتبع المنهج الواقعي ولكن بأسلوب مختلف وأكثر تحرراً من عملية المحاكاة للواقع نفسه كأنما يحاول أن يبتعد عن هذا الواقع الذي يحاكيه بإضفاء طابع الغرابة على لوحاته وذلك باستخدام مساحات ذات لون واحد فيها شيء من السريالية . (محمود أمهز)
يقول عبد الرحمن زينل: إن لوحتي تأثيرية انطباعية، وأفضل الأسلوب الواقعي رغم تجربتي للأساليب الأخرى، وفي بداياتي تأثرت بفنانين عالميين مثل (فان جوخ) و(مانيه)، ثم بدأت أبحث عن أسلوب خاص وما زلت في مرحلة البحث، وأركز في لوحاتي على البيئة ومعالجة الموضوعات الإنسانية، وأحرص على أن تقول اللوحة قصة ما أو أن تعبر عن فكرة بعينها . لا أميل إلى التجريد أو المدارس الفنية الحديثة لأنني أراها بعيدة عن واقعنا الخليجي والعربي . ينبغي لمن يرسم التراث أن يرسمه بهدف البحث والدراسة والإضافة، إنني أستخدم الزخرفة في لوحتي كعنصر جمالي لكنه يأتي مكملا للوحة أو خلفية لها وفي النهاية يبقى لكل فنان توجهاته وأسلوبه الذي يميزه عن الآخرين .
منذ كان طفلاً صغيراً وهو يعشق الرسم، في المدرسة كان يذاكر دروسه بالرسم، حتى الشعر كان يرسمه كي يستطيع فهمه وحفظه، كان يرسم بالقلم الرصاص الصور التي يراها في كتاب العلوم أو الكيمياء . كونه كان موهوبا منذ صغره، فقد شجعه محمود عزت مدرس التربية الفنية آنذاك، الذي وقف معه ناصحا ومشجعا دائماً، كما مده بالأدوات الفنية والخامات المختلفة، لذا فقد انتقل إلى خامة الزيت (دون دراية كافية في ذلك الوقت) وبدأ يرسم ما يراه ويحبه من معالم بيئية محيطة به ولا يتوقف عن الرسم في لوحة ما إلا ليبدأ في رسم لوحة جديدة .
في عام 1969 وُجد عبد الرحمن زينل ضمن فريق كشافة الإمارات في دولة قطر، وخلال مسابقة للرسم بين أفراد الكشافة المشاركين في معسكر راس أبو عبود يفوز زينل بالمركز الأول مما شكل حافزاً قوياً ودافعاً له لمتابعة الرسم وبإخلاص . ليأتي عام 1970 ويشارك في معرض للشباب ضمن مدرسته الثانوية ويلاقى الترحيب الحار من الجمهور المكون من الطلبة والمدرسين، وكان هذا الدافع الثاني .ولكن الدافع الأقوى والذي حدد مستقبله الفني سيأتي بعد عامين من هذا المعرض .
في أوائل السبعينات، كان هناك مجموعة من طلاب المدارس المهتمين بالفن التشكيلي، يتملكهم هاجس الفن، ولا سيما الرسم، كانوا يجتمعون ويتناقشون في الأمور الفنية المختلفة كما كانوا يرسمون ويعرضون أعمالهم على بعضهم بعضاً وكان مدرسو التربية الفنية بعد إدخالها في المناهج المدرسية يشجعون هؤلاء الطلاب لما يجدون لديهم من حب شديد للفن، ولما يرون فيهم من بداية لمواهب شابة، تبدو كأنها نواة لأمل المستقبل، لحركة تشكيلية ناشئة في الدولة، فكانوا يمدونهم بالأدوات الفنية والخامات البسيطة، ويوجهونهم التوجيه الفني السليم على قدر استطاعتهم ومعرفتهم، ومن هؤلاء المدرسين محمد خليفة ذيبان، وهو من أبناء دولة الإمارات العربية والذي كان يدرس التربية الفنية في مدرسة الأحمدية بدبي، بتشجيع من الأستاذ ذيبان وغيره من المدرسين، أقيم في17 يوليو 1972 أول معرض فني في دولة الإمارات وذلك في قاعة المكتبة العامة في دبي بمناسبة افتتاحها، شارك في هذا المعرض مجموعة من الشباب الطموح، وكان من بين هؤلاء الشباب فناننا عبد الرحمن زينل، إضافة إلى فاطمة لوتاه وإبراهيم مصطفى وشفيقة عباس وجاسم حمد وآخرين ممن أصبحوا فنانين تشكيليين مميزين أو ممن تركوا هذا المجال كلياً .
كان عبد الرحمن كبقية زملائه صاحب أسلوب غير واضح المعالم . فقد كانت أعماله مزيجا من المدارس الفنية المختلفة في العمل الفني الواحد، إلا أنها كانت البداية، ولو أنها لم ترق إلى مستوى من النضج الفني، ولم تدل على شخصية فنية، ولكن -التجربة الأولى- أثبتت أن هناك من يملك المقدرة الفنية والطموح الفني والموهبة الواعدة .
بعد ذلك، ذهب عبد الرحمن زينل إلى القاهرة لدراسة الفن التشكيلي، وهناك شارك في معرض أقيم لطلبة الدولة الذين يدرسون الفن التشكيلي وكان ممن شاركوا معه الفنان محمد يوسف، وتخرج في كلية الفنون الجميلة قسم ديكور، وأكمل دراسته العليا في أدنبره في اسكتلندا . وكما أسلفنا فلم تكن أعماله في البداية ذات خاصية أو شخصية فنية محددة، بل كانت مزيجا من المدارس الفنية المختلفة في العمل الفني الواحد . ولكن يمكننا أن نلاحظ فيها خروجا عن المألوف، وكانت لا تنقل الطبيعة كما هي، إنما يضيف الفنان لها شيئاً ما، ليجعلها مميزة سواء من ناحية اللون أو من ناحية الشكل، وبعد عودته من الدراسة، بدأ مرحلة النضوج الفني، وأخذت أعماله في التكامل الموضوعي والتكويني . وبدأ أسلوبه يأخذ بعدا واقعيا ذا حس لوني، وآخر رمزي، وكان يرسم قصصاً للأطفال ثم أخذ في تسجيل موضوعات اجتماعية مختلفة كانت قوة الألوان المتناغمة أحيانا والمتضادة أحيانا أخرى تظهر بوضوح في هذه المرحلة، ويمكننا أن نحكم على هذه الأعمال من خلال المعارض الكثيرة المشتركة التي أسهم فيها بجهد كبير سواء داخل الدولة أو خارجها .
مرحلته الفنية الثانية، عبر عنها بأسلوب رمزي - هندسي في الوقت نفسه، ويتضح في أعمال هذه المرحلة مدى استفادة الفنان من خلال دراسته للديكور . كذلك لأنه يستخدم هنا، بدلاً من الزيت، الألوان المائية أو الجواش، أو الأحبار الملونة التي تتناسب مع ما يود أن يوضحه في أعماله، إن التركيز في هذه المرحلة كان فكرياً محضاً . معطياً أهمية أقل للبعد الفني في أعماله، لذلك فقد واجه بعض النقد لهذه الأعمال: لم يطور نفسه حيث سيطرت عليه الأشكال الهندسية والزخرفة نتيجة عمله في مجال الديكور، ولم يستطع الخروج منها بشكل جديد، إلا أن محاولاته الفنية صادقة تعبر عن صدق مشاعره الفنية .(عبد الرحيم سالم - تاريخ الحركة التشكيلية في دولة الإمارات) .
كانت معظم هذه الأعمال عبارة عن دوائر متداخلة بشكل الدوامة أو الحلزون ومحدودة تحديداً واضحاً باللون الأسود مع خلفية غالبا ما كانت حمراء اللون، ثم تمتلئ بآثار أقدام سواء كانت عارية أو منتعلة، ويبدو من بعيد مصباح، الرمز واضح والبعد الفكري مسيطر على العمل ككل . كما أن معظم هذه الأعمال كان منفذا بأحجام صغيرة نسبيا مما يجعلها مكدسة وتحتاج إلى رحابة أوسع .
في هذه المرحلة (عام 1979 ) يطلب منه إقامة معرض في سفارة الدولة في بريطانيا، ومطلوب منه تجهيز أعمال فنية خلال فترة قصيرة من الزمن، فأخذ في العمل المتواصل، ليلا ونهارا ليكمل خلال أقل من شهر 25 لوحة عرضت ولاقت إعجاب كل من رآها هناك، حيث كانت تمثل البيئة الإماراتية مع لمسة من الحنان والعاطفة الجياشة نحو هذه البيئة .
في مرحلته التالية، كان عبد الرحمن زينل مجدداً وجديداً في كل شيء . بالنسبة للخامة والأسلوب والموضوع . أما الخامة الأكريلك وهي من الخامات الصعبة إذا لم يعرف كيفية استعمالها، وإذا استعملت بطريقة غير سليمة فربما تؤدي إلى نتيجة عكسية وسيئة في الوقت نفسه، أما الأسلوب فقد ابتعد عن الرمزية الهندسية السابقة، وعاد إلى واقعية بعيدة عن واقعية كوربيه وكوروه فنراه يأخذ الموضوع المراد رسمه بناء على فكرة واضحة في ذهنه أو عن صورة فوتوغرافية أو عن الطبيعة نفسها، ولكنه عندما ينفذها على قماشة اللوحة، لا ينسخها كما هي، بل يجعلها تنساب في خطوط منحنية متقاطعة ومتداخلة ذات ألوان منسجمة في هارموني لوني يشعرنا بالسعادة والانتشاء .
اللون هنا، وفي هذه الأعمال له دور مهم في إكمال العمل الفني، فكل لوحة من اللوحات لها ألوانها الخاصة، ولكنها في معظمها مكونة من سلم لوني متدرج بنظام طبيعي بعيد عن الكونتراست وفي الوقت نفسه تجد الخطوط اللونية تسير باتجاهاتها التكوينية مما يعطي الموضوع بعدا دراميا يخدم الفكرة . فهو يفكر كثيرا قبل وضع مخططه على الورق، وقد يستغرق هذا التفكير أياما طويلة يعيش مع تفاصيلها ولا ينفذها إلا حين تكون الفكرة قد اكتملت تماما .
أما بالنسبة للموضوع فمن شقين، الشق الأول قومي، فقد ركز على القضية الفلسطينية ولا سيما الانتفاضة الفلسطينية الباسلة، ولكنه لم يسجلها تسجيلاً فوتوغرافياً، إنما بين دور الحجر كسلاح مهم وفعال، بينه بنفس الأسلوب الذي تحدثنا عنه مما أعطانا أعمالا سياسية تخدم القضية، أما الشق الثاني، فتمثل في التركيز على البيئة المحلية بجوها العام وبراجيلها وسفنها والعادات القديمة ك حامل الماء وكذلك القراقير وقارع الطبل الوحيد الذي يناجي المجهول . كل هذا في لوحات أخاذة بعيدة كل البعد عن التسجيلية الفوتوغرافية، مما يجعلنا نتفاعل معها ونحس بها ونحبها لأن الفنان غالبا ما كان يضيف الرمز لهذه الأعمال، أحياناً واضحاً وأحياناً مخفياً .
من هذه الأعمال الرمزية أذكر لوحته التي تبين منظر البحر ويد إنسان غريق تمتد من خلال الماء وطائر نورس يحاول أن ينقذه، نرى في خلفية اللوحة عند الأفق سفينة تمخر العباب غير آبهة بهذا الإنسان الذي يغرق ولا تعيره التفاتا، بعكس الطائر الضعيف الذي يقدم لهذا الغريق غصناً من نبات بحري أيضا ضعيف إلا أنه يحاول .
الرمز واضح تماماً، كأنما الفنان يريد أن يقول إن إنسان هذه المرحلة غير آبه بأخيه الإنسان ولا يهمه إلا نفسه حيث فقد العاطفة والأصالة . قدم الفنان الطائر بشكله الواقعي الطبيعي مركزاً عليه وجعله مركز النظر أما بقية اللوحة فقد نفذها بأسلوبه المعروف الذي يعتمد الخطوط المنحنية والمتماوجة وبألوان هارمونية تخدم الموضوع والفكرة وتعطي موسيقا متدفقة تضيف إلى العمل حساً عاطفياً وجمالياً . خلال هذه الفترة كانت له بعض المحاولات التجريدية واشتغل عليها أيضاً مدة سنتين (بجوار عمله الأصلي) إلا أنها لم تحقق ما كان يريده، فهو يحن إلى الطبيعة، يريد الغوص في الصحراء ويكتشفها، يحب مناظر الغروب (ويخافه) وهذا يذكرنا بفنان الكهوف الذي كان يرسم الحيوانات التي يخافها ليألفها!
استمر عبد الرحمن في هذه التجربة وخصوصا بتقنيات مختلفة مستخدماً خامة الأكريلك، وأخذ في عمل لوحات ضخمة الحجم ليشارك بها في المعارض الضخمة، (كالبينالي مثلاً) واستمرت مشاركاته الفعالة في المعارض المشتركة، كما أقام العديد من المعارض الشخصية وظل خلال كل هذا وفياً لفنه ومبدئه متبنياً الفكرة والموضوع بحب ووفاء .