يشكل الحراك الثقافي في أي دولة جزءاً مهماً من منظومة التطور والتحديث الذي تعيشه هذه الدولة، فالفعل الثقافي يأتي ليتفاعل مع الواقع الذي نعيش وهو يقدم تصورات لمجمل الحراك البشري الذي تشهده المجتمعات، وإن كانت الرواية كفعل ثقافي تعد من أكثر الفنون الأدبية التي تقدم للقارئ صورة عن مجتمع من المجتمعات، سواء من خلال الرواية الواقعية التي تشرح طبيعة المجتمع، أو من خلال الرواية التاريخية التي تحاول وضع إسقاطات التاريخ على الواقع الذي نعيش، وإن كانت الرواية في الإمارات تعد أحدث فنون الكتابة الأدبية في الدولة، وظهرت مع ظهور رواية راشد عبدالله شاهندة، إلا أن هذا النوع من الآداب أخذ بسرعة مكانه بين الفنون الأدبية على الساحة الثقافية الإماراتية، مع بروز الكثير من الروائيين الإماراتيين الذين قدموا العشرات من الروايات بمختلف أشكالها .

وعلى رغم الحداثة النسبية للرواية الإماراتية، فإنه لا يمكن عزلها عن محيطها العربي، خصوصاً أن بداية ظهورها جاء مواكباً لمرحلة التجديد في الرواية العربية، الأمر الذي يعني وجود نوع من التأثير المتبادل بين ما يجري على الساحة الأدبية المحلية مع نظيراتها العربية بشكلٍ عام، ذلك لأن التجديد في الرواية العربية كان قائماً على أساس التعبير عن التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تشهدها المجتمعات العربية، وفي الحالة الإماراتية التي شهدت تطورات مهمة على كافة الصعد خلال العقود الماضية، كان لا بد من وجود الرواية المعبرة عما يشهده المجتمع الإماراتي من تغيرات متسارعة ولتكون صورة تتفاعل مع الواقع الاجتماعي وترصد تحولاته من منظورات مختلفة . ولعل البحث في واقع الرواية الإماراتية يثير عدداً من الأسئلة التي لابد من الإجابة عنها، حتى نشخص الواقع المحيط بهذا النوع من الآداب مثل: مدى تأثر الرواية الإماراتية بمحيطها العربي، وهل استطاعت أن ترصد التحولات التي يشهدها المجتمع بالشكل الصحيح؟

وإلى أي مدى أثر انتشار الشعر والقصة في الإمارات في فن الرواية؟ هذه الأسئلة وغيرها تحاول هذه الندوة الإجابة عنها من خلال المحاور الآتية: الرواية الإماراتية: تصنيف المنتج، والقضايا المجتمعية، ثم الرواية الإماراتية بين النشر والإنتاج الدرامي، وأخيراً الرواية الإماراتية: ماذا بعد؟

** د . صالح هويدي: أفهم أن تصنيف المنتج الروائي من حيث انتمائه إلى أي الأجناس، وقد يكون الموضوع محاولة للبحث عن تجنيس ما، وفي ظني الشخصي، أن الرواية الإماراتية تحتل مركزاً جيداً في سلم الأجناس الأدبية في الإمارات من حيث نشأتها المبكرة، إذ إنها تزامنت مع نشأة القصة القصيرة، ولم تتأخر عنها، لكن هذا لا يكفي، وينبغي القول إن القصة القصيرة في الإمارات تحتل الأولوية اليوم، وتمثل حالة متقدمة وناضجة وتستطيع أن تقف بجدارة بين النصوص القصصية العربية المتقدمة . بعد ذلك، يقف الشعر، الذي لا يقل عن القصة القصيرة، في المكانة وفي التعبير عن حالة النضج، أما الرواية ففي ظني أنها تتخلف عن هذين الجنسين الأدبيين، وإذا غضضنا النظر عن الكم، فإنها تأتي في المرحلة الثالثة على المستوى الأدبي، ولن أتحدث هنا عن الفنون الأخرى كالمسرح والسينما، وإن كانت هناك صلة واضحة وقوية بينهما وبين الفنون الأخرى، لكني أتحدث على مستوى الأدب والنص الأدبي، إذ إن الرواية الإماراتية لا تزال دون مستوى الطموح، لأسباب كثيرة، ويمكن الحديث عن هذا الموضوع لاحقاً، وإذا أردنا البحث عن حجم هذا التأثير الروائي والمعطى الذي تركه لدى الروائيين، لن نجد روائياً يمكن أن يشكل علامة بارزة غير علي أبو الريش، إذا أخذناه من زاويتي الكم والكيف، لكن طبعاً إذا تجاوزنا حالة الكم، فلا شك في أننا حتى لا نظلم بعض الروائيين، سنجد أن هناك روائيين حتى وإن كتبوا رواية أو اثنتين، فإن عطاءهم يبقى واضحاً ومتميزاً . المشكلة في توقف الروائيين، إذ هناك من يكتب رواية أو روايتين ثم يتوقف، ويبقى علي أبو الريش الظاهرة الاستثنائية .

ولرواية شاهندة مكانة متميزة، ربما لأسباب تاريخية ريادية، ورواية أحداث على الشاطئ، متميزة بحق، وإن كان صاحبها قد كتب رواية واحدة، وساحل الأبطال أيضاً رواية متميزة ضمن إطارها، ورواية الديزل تمثل لوناً خاصاً من الخطاب الروائي، بالإضافة إلى حلم كزرقة البحر، فهذه رواية متميزة ضمن إطارها السيري، باعتبارها رواية سيرة ذاتية إلى حد ما .

** فتحية النمر: هناك كتاب مبدعون في الإمارات، وهم أصحاب هموم وأفكار، ولديهم القدرة على إيصال الجنس الروائي إلى المكانة التي تليق به، لكن هناك شروطاً تلزم هؤلاء، أولها أن يظل الكُتاب مخلصين لهذا النوع من الفن، وألا يتوقفوا عن الخيار الروائي، وأن يتجهوا إلى أجناس أخرى، مع أهمية امتلاك أدوات هذا النوع من الفن بالاستمرار والحرص على القراءة والإطلاع على التجارب الكثيرة، مع ضرورة التواصل مع الكُتاب المحليين والعرب والأجانب

** مريم الساعدي: أعتقد أنه لابد من الحديث عن أسباب توقف بعض الكُتاب عن إصدار الروايات، أو قلة الإنتاج الروائي، فهل هذا يعود لقلة الدعم أم عدم وجود مناخ ثقافي؟ أم يتصل الأمر بالعمر الزمني القصير لولادة هذا النوع من الفن، خصوصاً أن الأدب يحتاج إلى تراكم من الخبرات الثقافية والفنية .

أسماء الزرعوني: قرأت رسالة ماجستير لإحدى الأخوات، أوضحت فيها أن هناك نحو 150 رواية موجودة في الإمارات، لكن أقول إن بعض الروايات تأخذ بهرجة إعلامية، وأخرى روايات متميزة لكنها لم تحظ بالإطراء الإعلامي، ثم إن هناك نقاداً وهم قلائل، يجاملون في نقد بعض الروايات ويرفعونها إلى السماء، والحقيقة أيضاً أن الإعلام يلعب دوراً مهماً في تسويق المنتج الثقافي، فهذا الإعلام قد يرفع أقلاماً وقد يُنزل أخرى .

الرواية الإماراتية تتنقل بين الحدث القديم والذاكرة، وبين التيارات والأحداث الجديدة والمتسارعة في حركة المجتمع، وهناك روايات تتناول سيرة ذاتية، وحاولنا الحقيقة كاتحاد كتّاب وبالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، تضمين قصص وروايات محلية بدلاً من تلك القديمة والبعيدة عن واقع المجتمع المحلي . بالنسبة لإصدار الكتب، لدينا في اتحاد الكتاب أكثر من 400 إصدار يشمل قصصاً وروايات، لكن مع الأسف لا يوجد نظام توزيع، بمعنى أن هناك نشاطاً جيداً في عملية إصدار أجناس مختلفة من الأدب، لكن في المقابل لا يوجد توزيع لهذه الإصدارات . ومن المهم أن تتحقق الشراكة عبر التشبيك مع المؤسسات الثقافية البينية، وهذا يتأتى بإقامة علاقات مع أشخاص ومؤسسات، والاستفادة من التجارب الثقافية المتبادلة، نحو تحقيق الحراك الثقافي المطلوب .

** إسلام أبو شكير: في ما يتصل بالمنتج الإماراتي الروائي، أعتقد أنه أصبح لدينا ما يكفي لكي يمارس النقاد مهمتهم في تصنيف هذه الروايات وتأطيرها، وجرت محاولات للقيام بمثل هذا النوع من التصنيفات، إذ هناك من صنف الرواية حسب الموضوع: رواية اجتماعية، ورواية تاريخية، وهنالك من صنفها حسب المكان: رواية المدينة، والصحراء، والبحر، والريف، وتوجد الرواية النسائية والرواية الذكورية، فضلاً عن الرواية التقليدية والحداثية، حسب المدرسة الفنية، ثم الرواية الواقعية، والرواية الرومانسية، لكن في كل الأحوال، أعتقد أنه من الضروري أن يمارس الناقد دوره في هذا المجال، وأن يفتح الآفاق أمام نوع من الدراسات يبتعد عن الانطباعات السريعة والأحكام العامة، لندخل في عمق العمل الروائي، لكن هذا لا يعني أن نضع أطراً، أو نحاول تقييد أو أسر المبدع ضمن هذه العناوين العامة، وهو من حقه أن يتمرد على جميع التصنيفات، ومن حقه ألا يبالي بها، لكن الناقد من حقه ومن واجبه أن يبحث ضمن هذا الإطار .

عزت عمر: هناك مسألة تقنية بحتة، وهي أن الكاتب عاش زمن انتقالات فكرية ومجتمعية وثقافية عديدة خلال فترة صغيرة جداً، وهذه الفترة ما بين الفكر اليساري، ثم ضجيج الواقعية، التي علا صوتها في السبعينات، ثم الانتقال إلى مرحلة الحداثية وما بعدها، كل هذه تعتبر متغيرات سريعة جداً، وهذا دعا كاتب الرواية للتأمل، لأن التغير الاجتماعي كبير، والكاتب لديه تراث وقيم، ويلاحظ أن المتغيرات سبقته، وبالتالي هناك من عزف عن كتابة الرواية، أو أنه ما زال يتأمل إلى أين ستؤدي هذه الحداثة بالمجتمع وبالثقافة واللغة، ومن هنا أعتقد أن المتغيرات السريعة هي التي أثرت في عدم وجود هذا التراكم من الفن الروائي المحلي .

** زينب الياسي: تتراوح مسألة ظهور هذا الفن الأدبي في الخليج العربي بين فترات طويلة وقصيرة، وذلك بحكم التواصل الثقافي والحضاري في مناطق الخليج، فمثلاً السعودية تختلف عن الكويت وعن الإمارات، أي أن الفنون ذات صلة بالبيئات التي تولد فيها .

وتأتي الرواية كجنس من الأجناس الأدبية التي تحتاج إلى صفة بيئية تتسم بالاستقرار، ما يسهم في تفجر هذا الجنس الإبداعي، وبالتالي يمكننا القول إن الاستقرار، أسهم في ظهور هذا الفن، فالرواية الإماراتية ليست متأخرة عن قرينتها الخليجية والعربية، من الناحية التاريخية المرتبطة بالاستقرار، وإنما يمكننا تصنيف تقدمها أو توازيها أو تأخرها من الناحية المضمونية والفنية والشكلية، وبالتالي إذا ما حصرنا عدد الروايات الإماراتية خلال أربعة عقود، فإن النتاج في الأعم الأغلب، يسير وفق خط متنام

إن الأعمال الروائية الإماراتية يمكن تصنيفها وفق مسارين، الأول رواية وتعتبر الاشتغال الأول أو العمل الأول للروائي، والمسار الثاني الروائي ذو الاشتغال المتعدد، أو ذو تجارب روائية متعددة، فلا يمكن أن نصنف أو نعطي حكماً كاملاً على روائي من خلال عمل سردي واحد، وإنما يجب أن نضع ذلك وفق منظومة نقدية صريحة .

مسألة مسار الروائي الذي لديه عمل ويشتغل عليه باستمرار، فهذا ينطبق على عدد لا يتجاوز اليد الواحدة، من أمثال علي أبو الريش وسارة الجروان ومريم الغفلي . . إلخ، ومن هؤلاء الكُتاب من أخذ المسار التاريخي وحاول صياغة أفكار من خلال التاريخ، وآخر حاول الدخول في أعماق النفس الإنسانية، وهذا التصنيف قد يحمينا من مسألة إطلاق أحكام جزافية على الكُتاب، بأنهم ذوو تجربة أولى، وبالتالي نقحم تجاربهم كأنها لابد أن تكون في القمة، إذ لابد من أن نضعها في الإطار الصحيح، بحيث إن من حق الكاتب أن يكتب بما يعبر عن ذاته .

** فاطمة الهديدي: لا شك في أن هناك أعمالاً روائية إماراتية متميزة، وتوجد أعمال أخرى تسمى أعمال روائية، لكن مع الأسف الشديد تبدو كأنها روايات، أي أن متن العمل الروائي لا يوحي بأنه عمل روائي .

د . عمر بوقرورة: يبدو أننا حينما نتحدث عن قضية تصنيف المنتج أو تجنيس أو تلوين أو تنويع المنتج، فهذا موجود على كل حال في الدراسات النقدية الأكاديمية، وفي إطار المحور سأبدأ بمجموعة من الملاحظات، وهي ملاحظات تأسيسية للمشهد السردي في الإمارات، والملاحظة الأولى، أن المشهد السردي في الإمارات يتحرك أساساً في إطار الفعل الاجتماعي، خاصة الذي تكتبه المرأة، ويبدو أن من يحرك الرواية هو حركة المجتمع والفعل الاجتماعي، ولذلك في أغلب الأحيان، نجد أن معظم الأعمال القصصية والروائية هي عبارة عن إثبات ذات أو إثبات كينونة، أكثر من كونها حالة فنية، وهذا لاحظته في العمل النسوي بصفة خاصة، ولذلك فإن أهمية الرواية تكمن في منطوقها الموضوعي، لا في رؤيتها الفنية، إذ أن الموضوع هو الأساس عند الكاتب أو الكاتبة .

الملاحظة الثانية تتصل بالرواية أو العمل القصصي أو الإبداعي، حيث لا يأتي ذلك إلا بالتواصل والتوازن مع الجانب الثقافي بصفة عامة .

ما لاحظته في العمل الإبداعي بصفة عامة، والروائي منه في الإمارات، هو قضية اختزال مسافات الكتابة، والروائي بشكل عام، يكتب معتقداً بأنه وصل مرحلة القمة في هذا المجال، متجاوزاً المراحل الأخرى، ولذلك نجد أن اختزال المسافة جعل الروائي أو القاص أو الكاتب في الإمارات، يحاول التنويع، متجاوزاً المراحل الفنية أو الأسلوبية، فوجدت أن بعض الروائيين وصل إلى مرحلة التجريب، وهذه المرحلة تعتمد الجرأة، بمعنى تجاوز شروط التصنيف أو التجنيس، لكن مع هذه الحالة نحن ننصح أن يعتمد الروائي شيئاً من المصالحة بين هذه المراحل، لأنه إن وصل الروائي في المرحلة الأولى من الكتابة إلى مرحلة التجريب، بحيث لا يعترف بالشروط الأخرى، حين ذاك يمكنه أن يتجاوز مكونات ثقافية عديدة، كما يتجاوز مخزوناً ثقافياً رائعاً، ويتحرك في منطقة بعيدة، لا يستطيع فيها أن يتواصل مع المجتمع . الملاحظة الأخرى تتصل بمستوى الموضوع، إذ إن المشهد الإبداعي الإماراتي يتحرك من خلال موضوع معقد، فلكي تختار الروائية موضوعها أو الروائي موضوعه فإن ذلك يعد عملاً صعباً . ثم إن الكاتب الإماراتي يلاحق مستويين من الزمان، الأول هو مستوى الذاكرة، أما الزمن الآن أو زمن المستقبل، فهذا يعتبر متحركاً ومعقداً إلى أبعد حد، والكاتب الإماراتي وجد نفسه يلاحق المستقبل المعقد بشيء من السرعة، لأنه يعتقد في بعض من الأحيان، أنه يواكب مسيرة السرعة المتعلقة بالنواحي المادية والحضارية المعقدة .

نأتي الآن إلى التصنيف، فهو ليس بعملية سهلة، فمن يصنف العمل الأدبي؟ غالباً ما نتحدث مع الطالبات المبدعات، والطالبة المبدعة في بعض الأحيان ترفض التصنيف، وهذه طبيعة المبدعين دائماً، ذلك أن الإنسان المبدع جامح ويصعد نحو القوة بسرعة، لكن من يصنف أو يجنس المنتج القصصي أو الروائي، ومن يمنحه الكينونة، هل الكاتب هو الذي يصنف عمله الإبداعي، أو القارئ الذي يستقبل هذا العمل، أو الناقد الذي يصنع الشرط ويجعله حكماً في الأمر، أو أن الموضوع يتعلق بالنص، بحيث إن هذا الأخير بما يحمله من كينونة فنية وموضوعية، هو الذي يجنس نفسه ويصنف نفسه في هذا المجال؟ الحقيقة أن الإجابة صعبة هنا، لأننا سندخل في عالم متشابك جداً، تحكمه مستويات تفاعل .

** مريم الساعدي: علينا ألا نقلق حيال موضوع تصنيف المنتج الإماراتي، فهذا المنتج لا يزال في مرحلة البداية، والحقيقة هناك أشخاص وهم خريجو جامعات، لا يعرفون الفرق بين الرواية والقصة، ولا يعرفون بطريقة مهنية فضاءات فن الرواية، أضف إلى ذلك أننا نعاني وعلى مستوى عربي من عدم القراءة والرواية خارجة عن إطار فن القراءة، مع ملاحظة أن توجهات القراءة دائماً تذهب إلى العناوين الدينية، لكن بالإجمال الأدب يعاني من ضعف في قراءته .

عبدالرضا السجواني: في ضوء كل هذه الملاحظات، يراودني تساؤل وهو: إلى أي مدى يمكن أن يحقق الكاتب الإماراتي هذه القفزة المتناسبة في مسألة خلق رواية تثير اهتمام القارئ الجيد، وحتى القارئ غير الجيد، بحيث أن هذه الرواية تُقرأ أكثر من مرة، كما حدث في فترة الستينات، مثل بعض النتاجات التي تمت قراءتها على أكثر من مستوى جمالي ونقدي؟

في العام ،1973 كانت الإصدارات البحرينية تنتشر هنا في الإمارات، وعلى ما أذكر، كانت مجموعة قصصية لمحمد عبدالملك، بعنوان: نحن نحب الشمس، قد نالت إعجاب قطاع كبير من البحرينيين والإماراتيين، وبعد ذلك أصدر هذا الروائي، كتاباً بعنوان موت صاحب العربة، وهذا الكتاب نال استحسان قطاع كبير جداً من المثقفين . ما أريد قوله، إن الإنتاج الثقافي والأدبي المميز مرتبط بحد كبير، أولاً بنوع المثقف والروائي والاشتغال على نفسه من حيث القراءة والاستزادة المعرفية التي تمكنه من إنتاج روايات مبدعة، والثاني المتعلق بحركة المجتمع ومدى قدرته على هضم المنتج الثقافي، والمقصود هنا ذلك المجتمع الذي يقرأ وبالتالي يلاحق هذا المنتج وعنده القدرة على الفرز بحكم الذائقة الثقافية التي يمتلكها .

فاطمة عبدالله: يمكن القول إن الرواية الإماراتية تغيرت بحكم التطورات المتسارعة في العالم، وبالأخص في الإمارات، ذلك أنه كان يمكن وبسهولة تصنيف المنتج الثقافي الإماراتي، وأقصد هنا الروائي، قبل أكثر من 25 عاماً، وذلك لقلة الأعمال الروائية التي تكتب بلغة وهوية إماراتية، والجغرافيا حاضرة فيها، إنما اليوم فالوضع مختلف، بحكم العولمة وتداعياتها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، أقول إن الوضع مختلف الآن، فقد نعثر على كاتب عربي يقدم رواية عن الإمارات ومجتمعها وتاريخها، فهل في إطار التصنيف تسمى رواية إماراتية؟

** إبراهيم الهاشمي: مهما كانت الرواية في بداياتها، فهي لا تخرج عن نطاق المجتمع، فمجتمع الإمارات تحول خلال أربعين عاماً، من مجتمع بدوي قبلي، إلى مجتمع حضاري، وتطور بشكل كبير جداً، والإماراتي في النهاية ابن بيئته، سواء أكان يكتب رواية تستند إلى التاريخ، أم يُعرج على قضايا المجتمع، أو حتى عن موضوع حديث، وهذا يأتي لأن الكاتب تأثر بتطور المجتمع، وبالتالي لم تخرج الرواية عن إطارها المجتمعي، وتطور المجتمع سواء تعليمياً أو بيئياً، أو حتى حضارياً حتماً يؤثر في طبيعة الرواية وفي طبيعة المنتج الروائي .

** د . صالح هويدي: أفهم أن الرواية لا تنفصل عن المجتمع، أي رواية كانت، حتى وإن انتهجت طريق الفانتازيا، فإنها في النهاية تنطلق بدءاً من الوعي بالمجتمع، والرواية هي وعي بالعالم، ورؤية للكاتب، ونحن لا نميل إلى المفاضلة بين الأجناس القصصية، ولا نقول إن القصة القصيرة أفضل من الرواية، فلكل فن عالمه وشروطه وإمكاناته، وكما قال أحد الإخوة قبل قليل، إن هناك من تخصص في كتابة القصة القصيرة وبرز فيها في الوطن العربي، لكن من المهم أن نفرق بين لحظة الرواية واللحظة القصصية، فالقصة تغطي مقطعاً زمنياً قصيراً، والرواية فضاء للتحولات، والروائي يهتم بالتحولات الاجتماعية، ولابد أن تتجسد رؤيته للعالم والإنسان، لكن في القصة القصيرة لا نشترط ذلك، والرؤيا لابد أن تكون أفقية وعمودية لتصور ذلك كله، في حين أن القصة القصيرة قد تهتم باللحظة الزمنية، ولذلك نقول إن المجتمع الذي يشهد تحولات كبيرة، وأحداثاً كبرى، هو المجتمع الذي يفترض أن ينتج أعمالاً روائية متميزة، في حين أن المجتمع الساكن، إمكانية ولادة الرواية لديه تكون قليلة . على العموم، يسيطر علينا إحساس بأن الرواية لا يمكن أن تخرج عن المجتمع، فلماذا هذا الإحساس؟ الرواية فن إبداعي، قد تكتب عن مجتمع وقد لا تكتب عنه، ولا نجعل مسألة المحلي والعالمي هي مسألة إقصائية، إن التعويل على رسالة ماجستير، تشير إلى أن 150 رواية صدرت في الإمارات أمر فيه أكثر من وجهة نظر وجميعنا يعرف الروايات الصادرة في المجتمع الإماراتي، وإذا دققنا في ذلك - وهذه رؤية شخصية - لا يتجاوز عدد الروايات 20 رواية إماراتية، تمتلك مصطلحها الدقيق، وربما أقل من ذلك، لماذا؟ لأن هناك روايات بنيتها الفنية مخلخلة، وهناك روايات ليست سوى قصص طويلة، وهناك روايات هي قصة قصيرة طويلة، وهناك روايات وعظية، لذلك هناك عناصر فنية للرواية تؤهلها لأن تندرج تحت مسمى رواية .

** فتحية النمر: يمكن القول إن الروائي إذا استطاع أن يتحسس نبض الإنسان المعاصر، بصرف النظر إذا ما كان هذا الإنسان مواطناً أم غير ذالك، واستطاع أيضاً هذا الروائي أن يقترب من هموم هذا الإنسان وأحلامه وطموحاته، وقتها يمكن القول إن ما يكتبه يستحق القراءة، أما إذا كان يناقش القشور والمواعظ والعبر، فمن وجهة نظري هذا لا يعتبر عملاً مهماً مهماً، والروائي في مقدوره التحدث حول ما يراه، طالما أنه لم يسف أو يبتذل في كتاباته .

** باسمة يونس: أغلب الروايات عبارة عن قصص مُكررة ومُعادة، وبعض الكتاب لم يأت بجديد ولم يأت بموضوع خرج من عمق المجتمع، لأسباب كثيرة، ومنها أن المجتمع لا يزال محافظاً .

القصة الجديدة والرواية الجديدة التي كُتبت، أغلبها تكتب بأقلام الشباب، الذين يتوجهون إلى التجريب مقتربين بذلك من عوالم الرواية في الغرب ويحاولون قدر الإمكان أن يتحدثوا بلغة الأجانب، ونحن بحاجة إلى أن نُعيد تأهيل الكثير من الأعمال، بحيث تخرج بشكل الرواية المطلوب وحتى أيضاً لا يصبح هناك خلط بين القصة والرواية، وأريد أن أضيف أن من الضروري الحديث عن الإبداع بعيداً عن الكم، فمن كتب رواية واحدة ولم يتابع، لا يعني أنه ليس روائياً .

** عزت عمر: عمر الرواية العربية حوالي 100 عام، وبدأنا نتعرف إلى الرواية في الخمسينات من القرن الماضي، وبالتالي اقتضى من الرواية 50 عاماً حتى تؤكد ذاتها في المشهد الثقافي العربي .

الرواية الإماراتية بدأت في السبعينات، مع صدور رواية شاهندة، وهي في الحقيقة رواية مؤسسة ومهمة، وأعتقد أن الرواية في هذا البلد لا تقل أهمية عن الأجناس الأخرى، سواء الشعر أو الدراما، وهي أكدت حضورها ووصلت إلى تراكم معين يمكن للروائي صياغة المرحلة الاجتماعية والتاريخية، عبر شخصياته وأبطاله، وقد دخلت الحداثة إلى المجتمع الإماراتي، وحاولت تهميش وإلغاء القيم السابقة، وهذا كله خلق جدالاً حقيقياً لدى الروائيين وكُتاب القصة، وبالنسبة للموقف من الحداثة، هناك روايات تحمل وعياً ورغبة في تجاوز مرحلة الماضي، والدخول في زمن الحداثة، خاصةً مع بداية نشوء الدولة، لكن ما بين راشد عبدالله وناصر جبران، على سبيل المثال، نرى أن راشد عبدالله انتصر للتحديث وتحرير المرأة وغير ذلك، في حين سنجد أن ناصر جبران حذر من أن البلاد تعيش في حالة من الطوفان القادم، خاصةً من الجنسيات المتنوعة، وحذر أيضاً من مسألة ضياع الهوية والثقافة والأخلاق والقيم، وغير ذلك، وما بين هاتين المسافتين الزمنيتين، إذا قلنا من عام 1974 إلى بداية الألفية الجديدة، كان لدينا أيضاً رواية مزون لمحمد عبيد غباش، التي أخذت موقفاً سلبياً من الحداثة، ومالت إلى الماضي قليلاً، ورواية ثاني السويدي الديزل، بحيث أنه جاء بشخصية سماها الديزل، وصوره على أنه قادم ليفسد المجتمع ويخرب العلاقات الاجتماعية، بالرغم من العوالم الجميلة التي تناولها السويدي بوعي حقيقي، لكنه وعي ماضوي .

بالنسبة للرواية النسائية، أرى أنها عكست نمطين من الصراع، الأول وهو علاقة المرأة بالمجتمع وهي العلاقة الشائكة، ومن جهة ثانية، الاشتغال على الذات الأنثوية، وبالنسبة للاشتغال على الذات الأنثوية، فقد أدى ذلك إلى تفتح هذه الذات جمالياً ومعرفياً، وفي الحقيقة وُجدت روايات رائعة وجميلة، مثل طروس إلى مولاي السلطان للروائية سارة الجروان، التي تمتلك طروحات رائعة وفيها عوالم وعلاقة وتماس مع الحداثة، وأيضاً رواية رائحة الزنجبيل لصالحة غابش، التي تناولت العلاقات الاجتماعية الجديدة في ظل الأوضاع الراهنة، وحضور المرأة كسيدة أعمال، وأثر ذلك في نفسيتها، ثم رغبتها في العودة إلى الماضي، أو إلى مكان الولادة، خلاصاً من أعباء كثيرة فرضتها الحداثة، وهذا ما التمسناه أيضاً عند الروائية أمنيات سالم . وهناك نماذج روائية نسائية تدور في هذا الاطار مثل رواية شجن بنت القدر الحزين وأيضاً أوجه من مرايا، ورواية ملائكة وشياطين لباسمة يونس .

** فاطمة الهديدي: الأستاذ عزت استحضر روايتين، بين زمنين، الأولى لعبدالله راشد، والثانية لناصر جبران، ونتفق على أن العمل الأدبي هو ذاكرة مجتمع وذاكرة زمان ومكان وإنسان، والكاتب في النهاية ينطلق في كتاباته من المجتمع الذي يشكّل وعاءً للعمل الأدبي، والنموذجان الروائيان يدلان وبشكل جيد على هذا التوثيق لهذه الحالة، ولو عدنا لمرحلة نشوء الدولة، يمكن القول إن المبدع الإماراتي انشغل مثل المؤسسة الرسمية، بتوفير التعليم، فمنهم من ظل في الدولة ومنهم من ابتعث للخارج وعاد بأفكار مختلفة وملكات مختلفة أيضاً، والذين عادوا انشغلوا في مرحلة بناء المجتمع، وبالتالي ما حدث هو عبارة عن تأجيل للمنتج الثقافي وهذا عن غير قصد، وحينما نشأت الدولة واشتد عودها، بدأ الالتفات إلى العمل الأدبي والثقافي، والكثير من الكُتاب بدأ من حيث انتهى الآخرون، وهذا جيد، لكن هل شاب ذلك نوع من الاستعجال والقفز على المراحل؟ هذا سؤال مطروح .

في فترة التسعينات من القرن الماضي، حدث التحول السريع الذي أدى إلى إرباك المثقف، إلى جانب أن الحراك الثقافي كان متنقلاً ما بين الزخم والشح، ثم إن الفصل بين الإعلام والثقافة أسهم في هذا الإرباك .

** د . عمر بوقرورة: أتحدث هنا عن القضية الاجتماعية التي تتحول إلى مشهد اجتماعي فني داخل المتن الروائي نفسه، ويوجد في هذا الإطار ثلاثة مستويات، الأول المستوى الاجتماعي الخاص، الخاضع للمنجز الأسري الذي تحكمه العادات والتقاليد في الرواية، وهنا يتحرك المشهد السردي بدافع الخلل الموجود في المجتمع، ففي أغلب الأعمال النسوية، نجد أن الرجل يتحرك كسيد قوي، سواء أكان أباً أم ابناً أم زوجاً . . إلخ، أما المرأة ففضاؤها دائماً المسكوت عنه، أي أن الكاتبة حينما ترصد المجتمع فإنها ترصد قضايا مألوفة في هذا المجتمع، فقضايا الأسرة والعادات والتقاليد هي التي تنمط الكتابة، ويتحول الزوج إلى نمط للكتابة، خاصةً الزوج الأب، الأخ، وهنا المستوى الفكري أو العميق غائب في هذا الإطار .

المستوى الاجتماعي الثاني موجود بقوة في العمل القصصي أو السردي بصفة عامة في الإمارات، هو حركة المشهد الاجتماعي داخل المتن الروائي من الخاص إلى العام، وهذا المستوى معقد وتحكمه أنماط جديدة من العادات .

المستوى الثالث، هو المستوى الاجتماعي الذي تتحول فيه الحركة من العام إلى الذاكرة، وغالباً ما نجد أن المرأة بصفة خاصة، عندما تكتب عن القضية الاجتماعية، تجد نفسها أمام ملاذ وحماية، وهذا الملاذ أو الحماية هما الذاكرة، إذ تعود الكاتبة باستمرار إلى الذاكرة، لكن المشكلة في هذه الذاكرة، هي مشكلة استنطاقها وتحويلها إلى حالة فنية، يستطيع الكاتب عن طريق إيجاد نمط جديد من الكتابة، يقول الروائي علي أبو الريش أنا أمام مشروع جديد لكتابة جديدة، ولابد أن أعود إلى الذاكرة، ونأمل هنا في العمل الروائي أن تكون العودة إلى الذاكرة ليس من أجل الاحتماء بالذاكرة، وإنما من أجل محاولة تشغيل هذه الذاكرة وجعلها تخرج في إطار جديد، من أجل دفع العمل الروائي نحو الأمام .

زينب الياسي: يرجع النقاد ظهور الرواية إلى أسباب عدة، أهمها الاستقرار، ولعل هذا الاستقرار يؤدي إلى تلمّس الأديب لإبداع يعبّر عن قضايا وهموم مجتمعه ومحاولته إيجاد رؤية أفضل لهذه القضايا، أو الحفر في خبايا قضايا بحاجة إلى أن تخرج إلى السطح من أجل معاينتها أحياناً ومساءلتها أحياناً أخرى من جانب فئات المجتمع .

لكن هل يمكننا القول: إن الرواية الإماراتية ناقشت قضايا المجتمع الإماراتي، أو أظهرت إلى السطح قضايا تشغل المجتمع الإماراتي؟

هذا التساؤل من الممكن الإجابة عنه بالإيجاب إذا ما نظرنا إلى حجم وعدد المنجز الروائي الإماراتي خلال أربعة عقود، وإذا ما نظرنا إلى مسألة مسار الاشتغال الروائي، سنجد أن قضايا المجتمع قد تفاوت حضورها لدى الروائيين؛ وثمة روايات تناولت قضايا اجتماعية فردية رومانسية، كان التناول لهذه القضايا بسيطاً وسطحياً بعيداً عن العمق النفسي والأيديولوجي للشخصيات في متن السرد وذلك عبر فنيات خارجية شكلية، لكن ما يسوغ غض الطرف عن هذه الأعمال الروائية كونها محاولات روائية أولى .

كما أن هناك العديد من الروايات تناولت قضايا المجتمع وهمومه بمستويات متفاوتة ومن زوايا نظر مختلفة؛ فمن كاتب تحرّك في مسار المشكلات المجتمعية الفاسدة كالإدمان والكحول والانحراف الأخلاقي كرواية مزون لمحمد عبيد غباش وديزل لثاني السويدي وغيرها، إلى كاتب عبّر عن القضايا المجتمعية من خلال نواة المجتمع وهي الأسرة، وانطلق منها لإضاءة عتمة عدد من القضايا النفسية كرواية كريمة لمانع سعيد العتيبة .

إن حركة الرواية الإماراتية وهي تعبر عن القضايا المجتمعية يعدّ تعبيراً متواضعاً، وذلك لأن الروائي تنقصه الخبرة في كيفية طرح المسكوت عنه من دون خدش حياء المجتمع، فالروائي وهو في حال اشتغاله على النص قد تشغله قضايا كثيرة تتوازى أو تفوق القضية الاجتماعية التي يريد طرحها، فهو يفكر أو يتوجس من نظرة المجتمع ومن نظرة الرقيب وفي مدى إمكانية تقبّل المجتمع للكشف عن المستور أو المسكوت عنه .

هذا لا يعني أن المسكوت عنه يجب كشفه، ولكن الروائي قد تنقصه القدرة الفنية لتجاوز مسألة التوجس إلى مسألة الكتابة بوعي وبشيء من الأسلوب التضميني، بحيث يحافظ على قيم المجتمع، وبموازاة ذلك تقديم رؤية فكرية سليمة تثبت الصحيح وتنفي المبتذل، وتسلط الضوء على مشكلات المجتمع الحساسة، بعيداً عن التصريح بدعوى الواقعية؛ فالفن الأدبي بالدرجة الأولى هو فن التخييل وليس التصريح .

** مريم الساعدي: دعونا ننتقل إلى محور آخر فالحقيقة لابد من القول إنه من النادر توفّر روايات إماراتية في المكتبات، إذاً أين هي الرواية الإماراتية، حتى في الدراما؟

د . صالح هويدي: على مستوى النشر، في ظني أن الرواية الإماراتية محظوظة في دولة الإمارات، وعلينا أن نفرق بين النشر والتوزيع، فربما لا نجد الرواية في كل مكان، وهذا أمر يخص التوزيع، لكن لا أذكر أن هناك دولة عربية أخرى، أتاحت فرصة للمبدعين ولكُتاب الرواية، بمثل ما أتاحته الإمارات .

الرواية شأنها شأن أي إبداع، ينبغي أن تخرج بشروط، وأولها أن تكون هناك لجان متخصصة لفحص هذه الأعمال، وتقدير أهليتها، لكنني أعتقد أن بعض مؤسساتنا أصبحت تعمل من دون هذه اللجان، وبعضها الآخر يعمل بلجان تدخل فيها عوامل كثيرة، اجتماعية ومجاملات، وفي بعض الأحيان يكون موظفو الدائرة هم وراء تقييم هذه الأعمال وإصدارها .

على صعيد الدراما، شخصياً لا أظن أنني اطلعت على عمل روائي تحول إلى عمل درامي، وتحول الرواية إلى عمل درامي يحتاج إلى مشروع خاص تعد الدولة له إعداداً وتنظيماً يقوم على أسس علمية، من مخرجين إلى مهتمين بشؤون الدراما، يحصلون على أعمال ويقرأونها بشكل علمي، أو يلجأوا إلى استشاريين ويكون هناك حوار لتقدير أي الأعمال أكثر جدارة ولها الأولوية، وعلينا هنا عدم الاستعجال، ذلك أن الرواية الإماراتية مشروع مملوء بالوعد .

** فاطمة عبدالله: لا أعتقد أن المطلوب من المؤسسة الثقافية تحويل العمل الروائي إلى دراما، وإنما يقتصر ذلك على المخرج الذي يقرأ هذا العمل ويقتنع به وبالتالي يترجمه إلى عمل فني درامي .

باسمة يونس: هنا تجربة شخصية حصلت معي، اتصل بي أحد المخرجين في تلفزيون دبي قبل فترة ليست قصيرة، وقرأ لي سابقاً قصة اسمها عذاب، وهي أول قصة قصيرة أصدرتها، وأعجبته فكرة القصة، حيث طلب مني تحويلها إلى رواية، حتى يحولها بدوره إلى دراما، وبالفعل تحولت إلى مسلسل، والفكرة تمحورت حول الفرق بين الفتى والصبية، وأعتقد في هذا الإطار، أن المُخرج إذا شعر بأن هناك قصة تتلاءم مع الموضوع الذي يبحث عنه، فيمكنه حينها الاستعانة بالرواية، إذا لم يتوفر السيناريو الذي يلائم عمله .

** إسلام أبو شكير: أعتقد أن حالة النشر في الإمارات ربما كانت أفضل بكثير من الحال في بلدان عربية أخرى، لكن الحقيقة هناك مشكلات تواجه توزيع المنتج الإماراتي، أما في ما يتصل بمسألة الإنتاج الدرامي، فإنني آمل ألا ننظر إلى القضية على أن الدراما يمكن أن تقدم خدمات للأدب، ذلك أن للدراما متطلبات خاصة، وكثيراً ما يتم الاختيار لا بناءً على القيمة الفنية للعمل الروائي، لكن بناءً على إمكانية أن يتحول هذا العمل في ما بعد، إلى دراما، لأنه كما هو معلوم فإن الدراما تهتم بالجانب البصري بالدرجة الأولى، والعمل إذا كان بالإمكان التعامل معه بصرياً فإنه يمكن للدراما أن تستفيد منه، فالدراما تخدم نفسها بأن تتكئ على منجز إبداعي روائي جيد، وهذه شائعة في الوسط للأسف، إذ هنالك من يتباهى بأن عمله قد تحول إلى مسلسل أو فيلم . . إلخ، فلماذا لا نفرح حينما تتحول قصة أو رواية إلى مسرحية، ولماذا المسرح فن مظلوم؟ المسألة تتصل باعتبارات مختلفة لا علاقة لها على الإطلاق بالسوية الفنية أو القيمة الإبداعية للعمل، ومع ذلك، لا أرى غضاضة في أن يكون من بين المشتغلين في مجال الدراما من يهتم بالأدب ويترصد نصوصاً قد تصلح لأن تتحول إلى دراما حقيقية .

** إبراهيم الهاشمي: أعتقد أنه من الأنسب لهذا المحور أن يكون كالآتي: الرواية الإماراتية بين النشر والتوزيع والترويج، فقبل أن نتحدث عن الإنتاج الدرامي، علينا أن نتعرف إلى كيفية النشر في المؤسسات، إذ هناك مؤسسات حكومية وأخرى غير حكومية معنية بالنشر، والمؤسسات تجنح في أغلبها نحو الكم، وهذا ربما سمح لبعض الروايات الضعيفة أن تصعد، وربما هو تشجيع لها بالظهور، لكن يجب أن تكون هناك شروط لنشر الأعمال الروائية، فهناك أعمال روائية لا تستحق النشر .

بالنسبة للتوزيع، يمكن القول إنه غائب في كافة المؤسسات، سواء أكانت حكومية أم غير ذلك، وجميعها تنتظر افتتاح مهرجان الكتاب، من أجل نشر الكتب وتوزيعها، إذ ليس لديها خطط لتوزيع الكتاب وإيصاله إلى أكبر شريحة من الجمهور .

** أسماء الزرعوني:هناك بعض الروايات تُشوه حينما تتحول إلى مسلسلات، وقد قرأت عدداً من الروايات العربية، التي تفاجأت بأنها تحولت إلى دراما، وحصل تشويه لها، وفي الإمارات لدينا إنتاج جيد من المسلسلات والدراما، لكن الاتجاه منصب على الروايات العربية، والكاتب الإماراتي مع الأسف مهمش في هذا الميدان، ثم إن لدينا كتباً كثيرة، لكننا نفتقر إلى عملية التوزيع .

** د . صالح هويدي: أعتقد أن حظ الرواية المتواضعة في تحولها إلى عمل درامي ناجح، أكثر من حظ الرواية الناضجة المتماسكة، بدليل أن جميع روايات نجيب محفوظ، حينما تحولت إلى أفلام ظهرت مشوهة، فلا يمكن أن يصل مسلسل أو فيلم إلى مستوى ما أنتجه محفوظ . ثم إن هناك من تحدث عن أن الاستعانة بالعمل الروائي متروك للمخرج، وهذا غير صحيح .

** عزت عمر: عندما تتحول الرواية إلى عمل درامي، فإنها تخرج عن روائيتها، والكثير من المخرجين العرب حينما اعتمدوا على أعمال روائية، فإنها حققت لهم عوائد حقيقية . بالنسبة لموضوع النشر، لدي تساؤلات في هذا الإطار، فما الذي جعل من روايات أحلام مستغانمي مشهورة بهذا الشكل؟ قد لا يكون لذلك علاقة بالمحتوى، والحال أن الكثير من المؤسسات الحكومية ليس لديها خطط للتوزيع، لكن الآن ربما كانت الآفاق مفتوحة، خاصةً مع تطور التقنيات الرقمية، وهذا قد يفتح مجالاً للنشر الإلكتروني .

** باسمة يونس: وزارة الثقافة تطبع من دون الحصول على مردود مادي، والتوزيع لا يعتمد على البيع، ذلك أن هناك الكثير من الإصدارات التي تُقدم على شكل إهداءات، وبالتالي هناك شعور مجتمعي بأن الكتب التي تُهدى لا تُقرأ، والحقيقة أن توزيع الكتب بالمجان أفقدها قيمتها . ثم إن لدينا لجان تحكيم في ما يخص طباعة الكتب الأدبية والفكرية، وهذه اللجان نسعى إلى تنويعها، ومن الضروري للكاتب أن يترجم أعماله وينتشر في الخارج، كما أننا في الوزارة حاولنا قدر المستطاع اختيار أعمال محددة، ونوزع اصدارات على العديد من المؤسسات ونهدي جهات كثيرة كتباً بلا مقابل، لكن العمل الأدبي هو الذي يوزع نفسه في نهاية الأمر وذلك من خلال جدارته الإبداعية .

** إبراهيم الهاشمي: يجب أن يكون هناك وعي، بمعنى أن يبحث الناشر عن الكاتب ويضع خطة للتوزيع، على أن يوقع الكتاب في أماكن عدة، في المكتبات والجامعات والمدارس والمؤسسات الثقافية، لكن مع الأسف يتم التوزيع أثناء انطلاق فعاليات معارض الكتب فقط، ومن المفترض أن تكون عملية توزيع الكتاب جزءاً مهماً من عملية النشر أي علينا أن نبحث في كيفية ترويج هذا المنتج الأدبي .

** زينب الياسي: العلاقة بين الرواية والدراما مسألة تقوم على النفع المتبادل، فالأولى تمنح الدراما العمق الأكبر وتبعدها عن الثرثرة . . فيما تقوم الدراما بنشر الرواية وإيصالها إلى أكبر عدد ممكن من المشاهدين . إن الرواية الإماراتية واجهت عقبتين، هما: النشر، ومن ثم الإنتاج الدرامي .

أما النشر، فالروائي قد مرّ بمراحل فيها الكثير من الصعوبة على صعيد نشر نتاجه الإبداعي أن تنبه عدد من المؤسسات إلى ضرورة الاهتمام بالكاتب والمبدع الإماراتي، فصار الأمر يسيراً سهلاً بالنسبة إليه، لكن العقبة الأخرى وهي الإنتاج الدرامي قد أغفلت الرواية وإمكاناتها في إثراء الساحة بالنصوص الصالحة للمعالجة الدرامية، ولعل الالتفاتة الأولى تمت في العام الماضي من خلال تحويل رواية كريمة للشاعر مانع سعيد العتيبة إلى عمل درامي، رغم أن المنتجين والمخرجين يشكون من شح النصوص الدرامية .

إن الرواية الإماراتية يمكنها أن تكون عنصراً مسانداً للدراما من خلال الأعمال الأدبية والروائية التي تحتمل التجسيد والتصوير والإنتاج الدرامي، فرواية سهيل لجمعة فيروز ومزون لمحمد عبيد غباش وللحزن خمس أصابع وأجراس، وغيرها الكثير من الروايات تحتمل الاستفادة منها في أمور من مثل:

1- سد الفراغ الكتابي بالنسبة للمنتجين وصنّاع الدراما من ناحية المادة القصصية .

2- لفت انتباه المتلقين والقرّاء للرواية الإماراتية، ووعيهم بما تحمله من قضايا وبالتالي إقبالهم نحوها .

3- شحذ همّة الكاتب الإماراتي لتجاوز التعبير عن القضايا الذاتية إلى مرحلة التعبير عن الإنسان فيكون أدبه إنسانياً .

** فاطمة الهديدي: إذا تساءلنا عن الرواية الإماراتية في صيغة ماذا بعد؟ فهناك عوامل عدة يمكن الاستناد إليها للتعليق على هذا المحور، لكن سأكتفي ببعضها، وأخشى القول إن الرواية تمر بفترة تراجع أو تخلف، فقد ذكرت قبل قليل أن هناك إشكالية في النقد، أو بمعنى أصح في الناقد الذي يجامل أحياناً صاحب العمل ويُجمل عمله أحياناً أخرى، والسبب كما اعترف لي أحدهم أن هناك كُتاباً لديهم نزعة عدائية، بل وحاقدة تجاه النقد والناقد الصادق، ولا يتورعون عن تشويهه، وهذا أمر صادم في الواقع، وإن استمر هذا الوضع فإذن لن تشهد الرواية تطوراً، هذا إلى جانب أن لدينا جيلاً من الشباب هو نتاج نظام تعليمي يعتمد بشكل كبير إن لم يكن كلياً، على لغة غير لغته، والجميل أن هذا النظام أفرز الفرد القارئ، لكنه يقرأ بلغة غير لغته وبالتالي سيكون المنتج بلغة غير هذه اللغة، وهذا يبدو في كثير من محاولات الجيل الجديد حين يكتب باللغة العربية، وتبدو كتابتهم مفككة وغير مترابطة، حتى طلاب كليات الإعلام مع الأسف كأنها (قص ولصق) . مع كل ذلك نحن من نتعاطى الكتابة والأدب، محظوظون في الحقيقة أولاً، لأن لدينا مؤسسات تهتم بالنشر وترعاه بالرغم من سوء التوزيع .

** عبد الرضا السجواني: قبل سنوات طويلة، كان الترويج للعمل الأدبي موجوداً، وهذا حصل لأحدى رواياتي في العام ،1978 لكن مع الأسف الشديد، لم تضع الدوائر الحكومية والمؤسسات المعنية، بالعمل الثقافي خططاً تمكنها من ترويج المنتج الأدبي، خصوصاً تسويق الكاتب الإماراتي خارج الدولة، بالرغم من بعض الاجتهادات الفردية والمهمة .

في إطار المحور الرابع، يمكن القول إنه يجب ألا تتحول كتابة الرواية لدى الجميع إلى نوع من الترف، أو تكرار وطرق موضوعات مستهلكة، أو حتى طرح موضوعات هي من صلب بنية القصة القصيرة، فإننا هنا لن نضيف شيئاً جديداً، وإذا كنا سننبري ونكتب، فإن علينا أن نكتب شيئاً ملموساً وفنياً ويضيف إلى المُنتج الثقافي المحلي .

** د . صالح هويدي: أعتقد أن علاقة الرواية بالنقد هو المفقود هنا في محاور الندوة، ذلك أن النقد هو جناح المبدع، المتمم لأي عمل إبداعي، ولا يمكن أن يكتب للإبداع حياة من دون وجود النقد بمختلف أشكاله، وليس شرطاً أن يكون هناك نُقاد محددون، فالقارئ النموذجي والمدرب هو أيضاً ناقد، واليوم نحن لا نتحدث عن النقد، بمعنى أن هذا عمل هابط وأن هذا عمل جيد، وإنما نتحدث عن فعالية قراءة نموذجية تستطيع النفاذ إلى جوهر العمل الإبداعي، وإشاعة قيم فنية بين القراء والمتلقين . في هذه المناسبة، أريد أن نتكاشف، حيث إننا في مجتمع إماراتي، وهناك مبدعون ونُقاد أيضاً، ودارسون وباحثون، والفعالية الثقافية متوزعة في المجتمع الإماراتي، وهي تشكل عنواناً متقدماً لهذا النشاط الثقافي، إذا ما قيس بدول عربية أخرى، لكن ما ينقصنا هو أن نكون موضوعيين، في النظر إلى أنفسنا وإلى إبداعنا، فالمبدع هو الذي يُنتظر منه أن يكون شخصاً موضوعياً، لا يلغي أدوار الآخرين، ولا يصل به الأمر إلى توهمات، وألا يجعل من نفسه حكماً على إبداعه، وهناك نقد، لكن يوجد تطير من النقد، وأقصد بذلك النقد الجاد، وأقول هنا إن من السهل المجاملة، والمُبدع الذي يتحدث عن نفسه وعن إنتاجه كثيراً، لا يمتلك الموضوعية بالضرورة، أقول ببساطة إنه لا تقوم قائمة لأدب إماراتي وإبداع إماراتي، إذا لم ينصت إلى صوت الناقد، وأقصد هنا الناقد الحريص والجاد، وليس الناقد المجامل .

التوصيات

1- ضرورة إقبال الكٌتاب على الجانب المعرفي والقراءة، لتنويع وتجويد مختلف أنواع الكتابة .

2- تضمين قصص وروايات محلية في مناهج وزارة التربية والتعليم .

3- مد جسور من التواصل مع مختلف الكُتاب والمثقفين الإماراتيين، والتشبيك مع المؤسسات الثقافية، بغية تحقيق الحراك الثقافي المطلوب .

4- فتح قنوات للتوزيع ووضع خطة لتوزيع ونشر المُنتج الثقافي الإماراتي .

5- مواكبة خطة للتوزيع بأخرى للترويج، وتعميم المُنتج الثقافي بما في ذلك الروايات، في مختلف وسائل الإعلام، وإقامة ندوات ومحاضرات حول الكتب الروائية الصادرة .

6- عدم اختزال مسافات الكتابة في العمل الروائي، وعدم تجاوز المراحل الأخرى واعتماد المصالحة بين هذه المراحل .

7- على الروائي الإماراتي عدم التسرع في ملاحقة الواقع والمستقبل في كتاباته .

8- العمل الروائي بحاجة للعودة إلى الذاكرة، ليس من أجل الاحتماء فيها، وإنما تشغيلها وجعلها تخرج في إطار جديد، نحو دفع العمل الروائي إلى الأمام .

9- التأكيد على ضرورة وجود لجان متخصصة ومهنية لفحص الروايات قبل عملية الإصدار والطباعة .

10- على الروايات المحلية أن تقفز عن إطارها المحلي، وتترجم إلى لغات أخرى، حتى تتعرف الشعوب الأخرى على هذا النوع من الفن .

11- دعوة المؤسسات الثقافية لتسويق الكاتب والمُنتج الثقافي والأدبي خارج الدولة .

12- تجنب التكرار والاستسهال عند كتابة الروايات .

13- على الأدب الإماراتي أن ينصت لصوت الناقد، ليس الناقد المُجامل، وإنما الحريص والجاد على تقويم المنتج الثقافي .

المشاركون:

إبراهيم الهاشمي:

قاص

أسماء الزرعوني:

كاتبة وأديبة ونائبة رئيس مجلس

إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات

إسلام أبو شكير:

كاتب وناقد

باسمة يونس:

كاتبة وقاصة

زينب الياسي:

قاصة وطالبة دكتوراه

في قسم اللغة العربية

د . صالح هويدي:

ناقد

عائشة عبدالله:

قاصة

عبدالرضا السجواني:

كاتب وقاص

عبدالله السالم:

ناقد وقاص

عزت عمر:

ناقد

د . عمر أحمد بوقرورة:

كلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي

فاطمة الهديدي:

كاتبة وقاصة

فاطمة عبدالله علي:

كاتبة ومخرجة

فتحية عبد العزيز النمر:

كاتبة وروائية