منذ سنوات طويلة استوقفني وجه المهرج الحزين المرسوم على غلاف رواية الرجل الضاحك لفكتور هوجو والصادرة عن سلسلة روايات الجيب بإشراف د. عمر عبدالعزيز أمين. الوجه الضاحك يفيض حزناً وأسى وبعد سنوات قرأت مقولة لزكي طليمات يؤكد فيها أن وجه نجيب الريحاني يحمل في تعبيراته مسرحاً متكاملاً وأدركنا من خلال إليكس هيلي وفرانز فانون وغيرهما كيف قامت النظرية العنصرية على تصنيف البشر وفقاً للون الوجوه والبشرة بل كيف كان جوبينو الألماني السابق للنازية والممهد لها يصنف البشر إلى مجرمين وأبرياء وفقاً لشكل الوجه وتركيب الرأس ومنذ شهور قليلة أصدرت مجلة الفنون الكويتية عدداً خاصاً عن وجه الانسان. ومنذ أيام قليلة نشرت الخليج على صفحتها الأولى وجه لطفلة فلسطينية تتساقط دموعها وتحدق إلى أعلى ربما تنتظر الأمل/الحلم وربما يختصر وجهها القضية الفلسطينية بأكملها. نماذج كثيرة وغيرها عشرات تؤكد مركزية الوجه وبؤرته بالنسبة للانسان، إنه المتن في مقابل الهامش والمركز إزاء الأطراف.

عندما صنع الغرب أسطورة المركزية الأوروبية استأثر بالوجه الانساني، تقول الأسطورة اليونانية أن أول من رسم الوجه في التاريخ فتاة يونانية من كورنثة أرادت ان تطالع ملمح وجه حبيبها الراحل فقامت برسم وجهه. وتقول أسطورة اخرى أن نرسيس هو أول من عشق ذاته عندما تطلع إلى وجهه المنعكس على صفحة مياه النهر. واحتفت الفلسفة الغربية بالتمييز، وربما حتى الآن، بين الوجه المرآوي والوجه المائي. الأول يعبر عن الهوية ففي وجود المرآة أتعرف على ذاتي بكل تفاصيلها وأبعادها هكذا يرى جاك لاكان وعندما أحدق في المياه قد انتهى إلى نتائج مغايرة، الحلم مثلاً بابعاده الممتدة وفضاءاته المتعددة هكذا أيضاً يخبرنا الشاعري الحالم غاستون باشلار من خلال مماهاة بديعة بين البجعة والمرأة في كتاب الماء والأحلام.

الوجه هو العتبة النصية للإنسان باعتباره سردية أدبية أو فنية، جميع الحضارات القديمة احتفت بالوجه، انه المفردة الأكثر تعبيراً عن الأنا وتمييزها عن الآخر والمدخل الطبيعي لمعرفة جوهر الشخصية في بعدها الانساني المتفاعل مع الآخر وليس الهوياتي المتعصب والمتشنج والناتج عن نزعات شوفينية مغلقة. انه وجه الموناليزا الذي يفتتح به دافنشي النهضة الأوروبية ويجعلنا حتى الآن في لهاث دائم لتفسير نظرات تلك التي رسمها في لوحته الأكثر شهرة. إن الوجه يدفعنا إلى التفكير ويجعلنا نردد مع رينيه ماجريت إن كل شيء نراه، يخفي وراءه شيئاً آخر نريد أن نراه.

ولكن لماذا الحديث عن الوجه في افتتاحية عدد من الخليج الثقافي يدور حول محورين أساسيين: المسرح والتشكيل؟ إذا نظرنا إلى شعار المسرح وعلامته الدالة سنرى وجهين للإنسان واذا تأملنا حال التشكيل الآن في العالم كله لأدركنا غياب أو شبه غياب الوجه البشري هي حالة تستوقفنا للبحث عن ذلك الشيء الذي نريد أن نراه وربما نصل إلى اسئلة عدة نطرحها بخصوص حداثية المسرح ذلك المحتفي بالإنسان وما بعد حداثية التشكيل المغيبة للوجه الانساني.

هل نتسرع بالقول إن المسرح يرتبط بهموم الانسان العادي، آماله وآلامه، أحلامه وإحباطاته بينما يتعلق التشكيل بنخبة مغتربة تعكس مرآتها الذاتية ذلك الاغتراب في مفردات فنية لا علاقة لها باليومي والمعاش؟

وهل المسرح بعيد تماماً عن ما بعد الحداثة ومفرداتها؟ وبالمثل هل أصبح التشكيل مفارق لكل ما ينتمي إلى الأفكارالكبرى؟ وربما ننقاد وراء آراء تؤصل للمسرح في الواقع العربي وتستبعد التشكيل ذلك الغريب أو الوافد أو المستورد أو المغُرب. إنطلاقاً من فكرة أخرى نطلقها كثيراً من باب التمني وتتمثل في أن الوطن العربي يتطلع إلى الحداثة وينفر من كل ما هو ما بعد حداثي.

لا نريد أن نرى شيئاً لا أساس له بمعنى التورط في التأويل وفتنته، لقد قال سيزان لا ينبغي أن يظهر الانسان في الصورة هل كانت مقولته نتاج فلسفة يتدهور فيها وضع الانسان بدأت بكوبرنيكس ولم تنته بفوكوه؟ أم أن اختفاء الوجه من اللوحة، ولاحقاً إختفاء اللوحة ذاتها، نتج عن ضرورة واقعية ازدهرت رويداً رويداً مع التصوير الضوئي؟ بحيث أصبح مختصاً في الوجوه الانسانية وحتى ذلك الأخير لم يعد يلتفت كثيراً إلى الوجه البشري، إننا ننبهر عندما نحدق في الصورة الفوتوغرافية التي لا تحتفي بالوجه هل نهرب من وجوهنا؟ نسافر في مدارات أخرى وعوالم مغايرة نستحضر مقولة/ شعر المغترب أدونيس مسافر تركت وجهي على زجاج قنديلي.

فلنقرأ ما كتبه الكلاسيكي الواقعي فيشر في ضرورة الفن منتقدا الفن الرأسمالي ذلك الذي حول الانسان إلى شيء من الأشياء يقول فيشر: يبدو الانسان أشد الأشياء عجزاً وضآلة، فمنذ ظهور الانطباعية تحلل الكائن الانساني إلى ضوء ولون، وعوامل كما لو كان مجرد ظاهرة طبيعية لا تختلف عن غيرها من الظواهر في شيء، وتدهور مركز الانسان بعد ذلك باستمرار، فأصبح بقعة من اللون بين بقع الألوان أو غاب أصلاً عن تلك المناظر المهجورة وشوارع المدن المقفرة.

هنا بإمكاننا أن نخلص إلى ملاحظة لم تلق الاهتمام الكافي وتتمثل في أن التشكيل هو أكثر أوجه النشاط الانساني تعبيراً عن قلقنا وتمردنا واحتفائنا بالغياب وربما العدم، هو المرأة التي تنظر الفكرة فيها إلى نفسها لتتجرد من خلفياتها وتجلياتها أي تتخلص من ثقلها، أنه لا يحتوي ضدية أو جدلية الوجه والقناع كما في المسرح وإنما هو وجه واحد بسيط ومؤثر إما مشرق واضح أو معتم غائب، إنه ببساطة خفة الكائن الانساني وظله الذي يسبقه أو يوزايه أو يتخلف عنه وفقاً للبصيرة لا البصر.

نقرأ مرة أخرى تحليلات نفسية وفلسفية لاوديب واليكترا وبيجماليون.. الخ مستوحاة من الدراما المسرحية في الأساس، وجوه للمعرفة تنتقل من نشاط الى آخر، من المسرح الى الفلسفة وبالعكس، من متن الى آخر، الانسان هنا لا يعاني التهميش، لم يدخل حضرة الغياب، لا يرحل في أقاليم الهجرة. يظل في المركز وما تصورات دارون وفرويد وفوكوه إلا نزعات للتمرد على المتن الاوروبي ونرسيسه الكامن في العمق وهي في انتظار من يضعها في حجمها الطبيعي ويقرأها في سياق المركزية الغربية كما فعل ادوارد سعيد مع الاستشراق، أنه ثقل المعرفة وضريبة التقدم/التخلف والتي يجب أن ندفعها عن طيب خاطر.

اعلن فوكوه عن نهاية الانسان وعلى وجه الدقة نهاية الانسان المؤنس ذلك الذي اعلنت الحداثة عن ولادته مع انطلاق الأفكار الكبرى في القرنين الأخيرين وعبرت كافة أوجه النشاط الإبداعي عن أزمة الانسان المعاصر ولكن غيابه عن اللوحة أو العمل التشكيلي يقتحمنا وينقل الينا الفكرة ببساطة لا تحتاج الى تنظير ومن هنا تأتي أهمية التشكيل وخطورته وخفته وربما نخبويته ومن هنا ايضاً نعود الى المضاهاة بين رمزية المرآة ودلالة المياه لنقول إن الأولى تختص بالآن وهنا وكافة المعارف والفنون المعبرة عن ثقل الفكرة وارتباطها بالواقع والثانية تتعلق بالتشكيل المغيب لوجه الانسان الكائن في المدنية البعيدة عن النهر، هو ينظر يومياً في المرآة ليرى ذاته بابعادها الحقيقية/الطبيعية بينما بابتعاده عن النهر يختفي الحلم ويغيب الوجه بكل ملامحه الخيالية واللامعتادة.

في النهاية نحدد أننا لم نقصد المقارنة بين المسرح والتشكيل فلكل منهما جمالياته ومذاقه وآفاقه التي تدفع بوصلة التفكير وطريقة النظر واسلوب الكتابة ولم نقصد ان نربط المسرح بالحداثة والتشكيل بما بعدها. فهناك اتجاهات في المسرح تنحو الى الغموض وتحتفي بكل ما هو هامشي وثانوي وايضاً هناك أعمال تشكيلية لازالت تحتفل بالإنسان وقضاياه الكبرى ولكن استوقفتنا ملاحظة تتمثل في رؤيتنا للوجه الانساني الضاحك الباكي المعلق دائماً وابداً كعلامة للمسرح واشارة اليه والغياب شبه الواضح لهذا الوجه في المشهد التشكيلي المعاصر. هنا أردنا أن نؤكد سيمولوجيا الوجه ودلالاته التي لا تنتهي في لعبة الحضور والغياب أو تنقلاته بين المتن والهامش أو ارتحالاته من المركز الى الاطراف وكلها مفردات تميز مناخ ثقافة العصر الممزق بين حداثه مأزومة وما بعد حداثة مقتحمة ربما يستمر الجدل بينهما طوال المستقبل المنظور.