ضابط مخلص، وإداري متمكن، خبر التحقيق الجنائي، واطلع على أعلى معايير الجودة المطبقة في العالم، فتشكلت لديه خبرة أهلته لينجح في كل مهمة يتولاها، وفي كل إدارة يدرها، إنه العقيد عبد الرحمن محمد الحمادي مدير إدارة الأدلة الجنائية في شرطة أبو ظبي، الذي التقيناه في هذا الحوار .
أنصح الشباب بالعلم والاطلاع على تجارب الغير
حياة الانضباط دفعتني إلى الانتساب إلى العمل الشرطي
بداية حدثنا عن نشأتك؟
لي من الأخوة اثنان، ومن الأخوات أربع، عمل والدي في الصيد والغوص فكان لي مثالاً للكفاح والصبر والعمل الشريف، تعلمت منه الإخلاص والعمل بما يرضي الله والابتعاد عن نواهيه، كما علمني العدل وتجنب الظلم أو الاعتداء على الغير، ودرست وترعرعت في مدارس الإمارات وجامعاتها .
انتسبت إلى الشرطة، فما الذي دفعك إلى ذلك؟
ما لفت انتباهي وجذبني للالتحاق بسلك الشرطة حياة الانضباط، وتحمل المسؤولية التي يعيشها الشرطي، فرجل الشرطة يختلف عن غيره، فهو في حالة تأهب على مدار الساعة، لأنه يحس أنه مسؤول عن توفير الأمن لكل إنسان على أرض الدولة، ومسؤول عن ضبط أي تصرف يخرج على القانون، وبالإضافة لهذا كان لعمل أخي في الشرطة دور كبير في انتسابي لهذا المجال .
كيف تنظر وأنت خريج كلية الشريعة والقانون في جامعة الإمارات إلى أهمية العلم؟
لا يختلف اثنان على أهمية العلم في حياة كل شخص وليس في حياتي أنا فقط، وقد التحقت بكلية الشريعة والقانون لأنني وجدتها متممة لما تعلمته في الشرطة، وقد وجدت في القانون اختصاصاً يرضي طموحاتي .
مفاتيح القانون والحياة
ماذا أضافت الحياة الجامعية إلى شخصيتك؟
صقلت شخصيتي وأعطتني مفاتيح القانون والحياة، وبينت لي ما لي وما عليّ، عرفت حقوقي وواجباتي، وأثرت في تصرفاتي، حتى في حديثي في المجالس مع أصدقائي، وذلك لترسخ القوانين ومبادئه في نفسي، وكان للجامعة كبير الأثر في شخصيتي متمثلة ببعض من تولوا تدريسي أمثال د . محمود الجندي، الذي استفدت منه كثيراً فهو رجل حازم منضبط، عسكري في الشرطة الأردنية، وهو أول من تلقيت على يديه النصوص القانونية وهو مسار مدخل القانون فكان لذلك كبير الأثر في حياتي .
حدثنا عن مسيرتك المهنية؟
أول التحاقي بالشرطة عملت في إدارة الاتصالات في أول مجموعة تخصص في الإنذار الآلي للمصارف، ومحلات المجوهرات، والأماكن المهمة في إمارة أبوظبي . كما عملت في غرف العمليات في الشرطة أبوظبي، والمفرق، والعين)، وانتقلت بعدها للعمل في مجال التحقيق الجنائي، ووجدت ضالتي في هذا المجال فأحببت هذا العمل، وأثر في شخصيتي ودعم جانب اتخاذ القرارات لدي، وأحمد الله أن وفقني في حل كثير من المشاكل بين المتخاصمين بشكل ودي سلمي، وهذا الأمر قوى الجانب الحواري لدي واستمر عملي في إدارة التحقيق والقضايا الجنائية لمدة تجاوزت العشر سنوات تخلل هذه الفترة عملي في القضايا الديوانية من حيث استكمال إجراءات التحقيق، ومن إدارة التحقيق والقضايا الجنائية انتقلت إلى مجال إدخال الجودة في العمل الشرطي، وهذا العمل فتح لي مجالات رحبة في العمل الإداري وفق الأسس والمتطلبات العالمية، حيث اطلعت على المواصفات العالمية ونظم العمل في كثير من الدول الأوروبية وبعض الدول الآسيوية، ثم انتقلت إلى مسرح الجريمة والذي تم إنشاؤه حديثاً، ثم إلى إدارة الأدلة الجنائية، وتخوف بعض الزملاء من عدم نجاحي في هذه الإدارة، إلا أن ثقة القيادة الشرطية في قدراتي كانت الدافع لي لبذل المزيد من الجهد من أجل النجاح، ودعم نجاحي الخبرة الكبيرة التي حصلت عليها جراء عملي في إدارة التحقيق الجنائي، كما كان لإطلاعي الواسع على مجال الجودة وعلمي بمواصفات الجودة العالمية دور كبير في أدائي مهامي على أكمل وجه .
الطريقة الأصعب
يتعرض الضابط في مجال التحقيق لكثير من المواقف الصعبة ماذا تذكر منها؟
كضابط تحقيق عرضت على الكثير من القضايا، وكانت الحركة الأسهل بالنسبة لي أن أقوم بفتح محضر وتحويل الأطراف إلى الجهات المختصة، إلا أني لم أكن أفعل ذلك، بل كنت أسعى للصلح بين المتخاصمين، وهي الطريقة الأصعب، ففتح محضر يحتاج إلى أقل من ساعة، أما عملية الإصلاح وتقريب وجهات النظر قد تتطلب ساعات وأحياناً أياماً، ومن القضايا التي ساهمت في حلها تلك التي تعرض فيها وفد لعملية سرقة.
وما تفاصيل القضية؟
تلقيت بلاغاً من أحد الفنادق الفاخرة يفيد بتعرض وفد إحدى الدول المشاركة في معرض لعملية سرقة، عملت بجد في القضية منذ استلامي البلاغ من وقت المغرب إلى الساعة الثالثة فجراً حتى تمكنا من كشف خيوط العملية ومعرفة الفاعلين، فاستخرجت إذناً بتفتيش منزل اثنين من العاملين في الفندق وانتهى التفتيش بحلول الفجر، وكانت النتيجة العثور على المبلغ المسروق في منزل أحد المشتبه بهما، ففي أقل من 12 ساعة تم القبض على السارق وتسليم المسروقات إلى أصحابها، وكانت سعادتي غامرة إذ تمكنت من أداء مهمتي، وإعطاء انطباع جيد عن الأمن في الدولة .
تخوف البعض من توليك إدارة الأدلة الجنائية، فماذا تقول؟
لقد تخوف من حولي من دخولي هذا المجال، فهو مجال علمي وأنا متخصص في الإدارة، وأؤكد هنا أن أي عمل يحتاج إلى جانب إداري، فإذا كنت ناجحاً إدارياً تستطيع النجاح في أي عمل، وخاصة إذا كان لديك معرفة بإدارة الموارد البشرية، لأن التعامل مع البشر يحتاج إلى مهارات خاصة، لقد أردت إحداث تغييرات كبيرة في هذه المؤسسة، وتوقعت أن تكون مقاومة التغيير كبيرة، والحمد لله استفدت من بحث قدمته بعنوان مقاومة التغيير، ووقفت على أسباب هذه المقاومة، واستطعت معالجة المشاكل التي كانت موجودة، كما طبقت نظام الإدارة بالتجوال، حيث كانت لدي كل يوم جولات مستمرة على الأقسام المختلفة ولقاءات مباشرة مع الموظفين، وساهمت هذه الجولات في معرفة إمكانات الأشخاص في الإدارة، وأيضاً طبقت نظاماً آخر هو نظام اللجان، فكل مشروع كنا نكلف به، نشكّل لجنة تقوم عليه، بالإضافة إلى عقد اجتماع أسبوعي يترأسه أحد الضباط بغض النظر عن رتبته، وهذا كان يتم بوجودي في الاجتماع، كنت أسعى إلى جعل الإدارة بالنظام، وليس بالأشخاص، بمعنى أن الإدارة تسير سواء حضر المدير العمل أو لم يحضر، لذلك حاولت إعطاء الصلاحيات والثقة للكوادر البشرية، وهذا أدى إلى تطور كبير في إدارة الأدلة الجنائية .
شهدت إدارة الأدلة الجنائية تطويراً شاملاً ما سر هذ التطور؟
شهدت الإدارة تطويراً شاملاً جاء هذا بتوجيهات من سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، ونصت هذه التوجيهات على التطوير الشامل من خلال التعاقد مع المختبرات الأوروبية وإجراء التوأمة معها، بحيث يتم تطوير الإدارة من ناحية المباني والإجراءات والموارد البشرية، وفق متطلبات المواصفات العالية، وكان مؤشر النجاح في ذلك الحصول على شهادات عالية معترف بها دولياً كحصول المختبرات على شهادة الأيزو الخاصة بالمختبرات، والحصول على المواصفة 9001 الخاصة بالجانب الإداري، وقريباً سنحصل إن شاء الله على الأيزو الخاصة بالبيئة، والأيزو الخاصة بالسلامة والصحة .
البحر والسباحة
في ظل هذا الكم من العمل ما هواياتك وكيف تمارسها؟
أهوى ارتياد البحر، وأسعد عند ممارستي رياضة الغوص والصيد، أحب المشي وركوب الدراجات، أحرص على ممارسة الرياضة بشكل يومي، كما أهوى السفر والسياحة وكنت أستغلها في العمل في كثير من الأحيان، فعندما زرت ميونيخ قمت بزيارة المختبرات هناك، واستفدت كثيراً من تلك الزيارة في فحوصات المخدرات وقاعدة البيانات والإجراءات الأمنية في المختبرات، ومدينتا ميونيخ وبروكسل من أحب المدن العالمية إلى قلبي نظراً للهدوء والطبيعة الرائعة التي حباها الله لهما، ولم تقتصر رحلاتي السياحية على البلدان الغربية، بل زارت العديد من الدول العربية كالأردن، ومصر، وعمان، وسوريا والتي أعجبتني مناطقها الطبيعية كصلنفا وسلمى وكسب .
يقال إن السفر خير معلم، فماذا تعلمت منه؟
تعلمت من السفر الكثير، من خلال اطلاعي على ثقافات الشعوب، ومن الأشياء الطريفة التي تعملها تلك التقنية التي رأيتها في أحد الأماكن العامة في سوريا، إذ وجدت أن المكان يحتوي على مصباح بنفسجي الإضاءة، وبدافع الفضول سألت عن السبب فعلمت أن اللون البنفسجي يطرد البعوض، كما تعلمت في منطقة البحر الميت أن وضع كيس مملوء بالماء يطرد الذباب، فالذبابة ترى نفسها كبيرة فتهرب .
لابد لكل إنسان من قدوة، فمن قدوتك؟
كان والدي قدوتي دائماً، فرغم أنه لم يكن متعلماً، إلا أنه كان بحراً من الخبرة والحكمة، لم يفرض أبي رأيه علينا يوماً، إنما كان يشملنا بالنصح والدعاء والاستماع، يتمتع بنظرة بعيدة .
وكان لسمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، حماه الله، بالغ الأثر في شخصيتي، فهو بإنصافه وتشجيعه للضباط جعلهم يبدون آراءهم بكل ارتياح وشفافية ومصداقية، سموه دائم البحث عن الحقائق حتى لو كانت مرة، يستمع للإجراءات المطروحة وخاصة إذا كانت مقرونة بما تم تطبيقه في الدول المتقدمة، ويشجع على طرح الأفكار البناءة، كما كان لسعادة اللواء ناصر النعيمي الأمين العام لمكتب نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية كبير الأثر وهو الذي ارتبط عملي معه لمدة طويلة .
لو وجهت نصحية للشباب ماذا تقول؟
أنصح الشباب الإماراتي الواعي المثقف، الذي أرى فيه أمل الإمارات ومستقبلها، بالعلم والتعلم والاطلاع على تجارب الغير، وبأن يكون هدفهم جعل دولتهم من الدول المتقدمة، وخاصة أنها وفرت لهم كل السبل لتحقيق ذلك.
برأيك ما أسرار النجاح؟
العنصر الأول حب العمل فإذا ما أحب شخص عمله فإنه سوف يتقنه، وينجح فيه، أما العنصر الثاني فهو العمل لوقت أكثر كالعمل لساعتين إضافيتين أو أكثر، فسوف يصل بالموظف إلى التميز، فمن يعمل لمدة ثماني ساعات في اليوم سيبقى مكانه، أما من يضحي ويعمل لوقت أطول فإنه سيختصر الوقت ويصل إلى ما يطمح له.