أبوظبي- فدوى إبراهيم:
يحاول المختصون في عصرنا الحالي جاهدين إيجاد تعريف واضح للإعلام الجديد، فهو من وجهة نظر البعض الإعلام التقليدي ومضامين الإنترنت، ومن وجهة نظر أخرى وسائل التواصل الاجتماعي، بينما يراه البعض الإعلام التقليدي بحلة جديدة، بينما في رأي أكثر شمولاً، كل ذلك مندمجاً، مكوّناً إعلامياً بأسلوب جديد ومنصات عدة، تشمل التقليدي والحديث . التقينا المختصين حول الإعلام الجديد من خلال التحقيق التالي:
تعريف مفهوم الإعلام الجديد السؤال الأبرز الذي طرحناه على المختصين، وحوله تشير هتون القاضي، ناشطة في وسائل التواصل الاجتماعي، وكاتبة السيناريو، ومقدمة البرنامج التلفزيوني "كلمتين وبس" على قناة أم بي سي، إلى أن تعريف الإعلام الجديد كان يقتصر على كل ما يقدم عبر الإنترنت حصراً، إلا أن تطور الأساليب والآليات في وسائل الإعلام التقليدي، أقام حالة من الدمج بين الوسائل التقليدية والحديثة أي وسائل التواصل الاجتماعي، فأصبح كله تحت مسمى الإعلام الجديد . فتلاشت الحدود بينهما وأصبح كل منهما يعتمد على الآخر، فلا تخلو صفحات المدونات والمواقع الإلكترونية من الأخبار المنشورة عبر الإعلام التقليدي، وفي الوقت ذاته تتناول وسائل الاعلام التقليدي أهم ما يقدم وينشر في وسائل الإعلام الاجتماعي .
لكن السؤال المطروح لماذا يمكن للتلفزيون كوسيلة إعلام تقليدي اجتذاب نجم من يوتيوب كوسيلة اتصال اجتماعي حديثة، بينما لا نجد العكس يحدث؟ هذا ما تجيب عنه القاضي قائلة: "المنصة التي توصل الرسالة هي ما يتم البحث عنه بشكل دائم، فإذا كانت التلفزيون فستكون لها الأولوية، ولكن للأسف لا أعرف لماذا يعتبر نجم اليوتيوب مثلاً عودته إلى نقطة انطلاقته وهي اليوتيوب هبوط أو انحدار في المستوى، فأنا مقدمة برنامج "نون النسوة" على يوتيوب، وما جذبني للتلفزيون قدرتي على تقديم نمط أو مضمون مختلف عما كان سائداً فيه، أي يحاكي الحداثة التي اتخذتها بعض القنوات في مضامينها لتجاري العصر" .
ويشير البعض إلى أن كلاً من وسائل الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي تستقطب فئات عمرية مختلفة عن بعضها، إلا أن القاضي تؤكد أن تفضيلات الجمهور غالباً ما تنساق وراء المضمون وليس الوسائل سواء كانت تقليدية أو حديثة، فالمحتوى الأساس والقاعدة التي تجتذب الجمهور، وهذا ما لمسته حين تقديمها برنامجها "نون النسوة" على يوتيوب، الذي استقطب بحسبها كبيرات السن أيضاً، بعدما حددت فئة جذبه للفئة العمرية (15-35) .
وفي الصدد ذاته يشير وائل عتيلي مؤسس إحدى الشبكات الإلكترونية، ومؤسس أول نسخة عربية لتويتر، ومدونة "شاعتيلي دوت كوم"، حول تسمية أو مفهوم الإعلام الجديد، أنه لا يوجد ما يمكن تسميته بالإعلام الجديد أو القديم، بل هناك وسائل وأدوات ومنصات نشر، والإنترنت إحدى تلك المنصات، ولأنه من الوسائل الحديثة فتعزى تسمية المنصات الأكبر عمراً أو قدماً بوسائل الإعلام التقليدية، فكل ما يمكن قوله اليوم حول ما يقدم من معلومات عبر المنصات المختلفة هو إعلام بعهد جديد .
المعلومات المقدمة عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي ربما لا تكون ذات مصداقية أو محل ثقة بالنسبة للبعض، إلا أن عتيلي يرى أن هنالك العديد من المؤسسات ذات المصداقية التي بنتها عبر سنوات، اتجهت لتقدم المعلومات عبر وسائل التواصل الحديثة من خلال الإنترنت، فعلى سبيل المثال شبكات سي أن أن وبي بي سي الإخبارية تقدم معلوماتها عبر كل قنواتها القديمة والحديثة على الشبكة، وما تقوم به بعض وسائل التواصل الاجتماعي كالمواقع الإلكترونية والفيس بوك وتويتر، أي إعادة بث تلك الأخبار والمعلومات بحسب عتيلي .
لكن السؤال هنا ما الجديد الذي قدمته منصات الإنترنت طالما أنها تقوم بإعادة نشر أخبار المؤسسات الكبرى ابنة الإعلام التقليدي؟ يقول عتيلي إن إعادة نشرها تأتي لأسباب عدة، منها الرغبة بالتعليق حول تلك المعلومات والأخبار من قبل المتلقين، أو الرغبة في مشاركتها مع الأشخاص، ذلك أن منصات الإنترنت توفر للمتلقين ما لا توفره وسائل الإعلام التقليدية، مع الأخبار والمعلومات لأنه غير ممكن إلا بمنصات الإنترنت . كما أن التلفزيون استطاع الاستفادة من منصة الإنترنت وأصبح يتداول أخباره، وكأنما ضخ طاقة جديدة في مضامينه ليتناسب مع العصر الجديد .
كم المعلومات الذي تبثه منصات الإنترنت كبير لحد لا يمكن السيطرة عليه، لقدرة كل فرد غالباً على أن يكون مصدراً للمعلومة، وهو ما جعل الإنترنت منصة لا يمكن الإلمام بمضامينها، وهذا ما يؤكده عتيلي، مشيراً إلى أنها سببت نوعاً من فوضى المعلومات، وبالتالي أصبح هناك تحد ملقى على عاتق كل منها حول كيفية التميز، الذي لا يتحقق بين ليلة وضحاها، بل يحتاج وقتاً طويلاً لتستطيع أن تبني الثقة مع متابعيها والتأثير فيهم وبناء قاعدة قوية .
مثلما تتناول منصات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ما يجري في وسائل الإعلام التقليدي وما تقدمه من مضامين، تعمل الأخيرة على تناول مضامين وسائل التواصل الاجتماعي بل واستقطاب نجومهم لتوسيع شريحة متلقيها، وهذا ما فعله بالضبط العديد من القائمين على البرامج التلفزيونية، حيث تشير نجاة رزق مديرة إحدى الشركات والمشرفة على برنامج "دردشات" الذي سيعرض على تلفزيون أبوظبي، إلى أن جذب نجوم مواقع التواصل الاجتماعي على شاشة التلفزيون يحقق حالة من الدمج بين التقليدي والحديث من الوسائل والمضامين، ما يوفر حالة من الاستقطاب للمشاهدة، ويشكل منصة للتعريف بنجوم وسائل التواصل الاجتماعي لفئة من المتلقين الذين لا يعتبرون ناشطين في تلك الوسائل، وفي الوقت نفسه وبحسب رزق فإنه لا غنى عن وسائل التواصل الاجتماعي حتى حين اجتذاب نجومها إلى الشاشة، فحتى اليوم حصدت فكرة البرنامج متابعة أكثر من 40 ألف متابع في وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرةً أن القاعدة الجماهيرية التي بناها نجومها من الممكن أن تبني قاعدة مشاهدين على التلفزيون، وتحقق لهم وللوسيلة حالة نجومية أو شهرة جديدة وفئة من المشاهدين الجدد أو القادمين من وسائل التواصل الاجتماعي، ويشارك في برنامج دردشات نجوم وسائل التواصل الاجتماعي فطيم الفلاسي، شادي ألفونس، وضاح سوار .
وعن أبرز التحديات بل وأحياناً المشكلات التي سببتها منصة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، تقول المخرجة السعودية هيفاء المنصور، إن وسائل الإعلام الحديثة جعلت الكثيرين يستسهلون نشر المضامين القصيرة، ما جعل البعض منهم حينما ينتقلون إلى التلفزيون غير قادرين على مجاراته، فهي وسائل تميل لاختصار الوقت والجهد، لكن المنصور تؤكد أن الناس لا تمل المضامين الطويلة طالما صنعت بشكل جيد، وذلك رداً على من يقول بأننا في عصر السرعة وأن المعلومات والمضامين القصيرة الأكثر ملاءمة لسرعة حركة الحياة . وتشير المنصور إلى أن وسائل الإعلام الحديثة التي تتخذ من الإنترنت منصة لها إيجابياتها وسلبياتها، ففي الوقت الذي تستمر قيود على وسائل الإعلام التقليدي، تهدف المضامين التي تبث عبر الإنترنت إلى رفع سقف الحرية، وهو الأمر الذي يسهم في صناعة السينما ويحرر الإبداع، ففي وسائل الإعلام الجديدة الحرية متاحة للجميع، وهذا يساعد على التفكير وتطوير الأفكار بحسب المنصور .
ومن جهة أخرى تقول المنصور حول سلبيات الإعلام الرقمي الجديد: "هناك انتهاك لحقوق الطبع والملكية الفكرية في الوطن العربي، وليس هناك منظومة عقابية تحاسب على مثل هذا الانتهاك"، مشيرةً إلى أن فيلمها "وجدة" حقق الملايين في الولايات المتحدة وأوروبا ولكنه في الوطن العربي تعرض للقرصنة والسرقة .
وفي المفهوم الإعلامي يطلق مسمى وسائل الاتصال الجماهيري على وسائل الإعلام التي كانت في فترة ما قبل ظهور غيرها من وسائل الاتصال، الوسائل الوحيدة التي يمكن خلالها نشر المعلومات إلى أكبر عدد ممكن من جمهور المتلقين، حيث تحدد حينها المرسل بالمؤسسات الكبرى الخاضعة للدول أو الجهات ذات الصفة، وهذه الوسائل التقليدية : الصحافة الورقية، الإذاعة، التلفزيون، وفي أحيان يضم لها المسرح والسينما، خضعت لنظريات التأثير الإعلامية التي وفقها تم تطويعها لتوفير حالة من التفاعل مع المتلقين والتأثير فيهم .
اليوم أصبحت هناك وسائل إعلام أو اتصال أخرى لم تخضع لذات المعايير التي خضعت لها سابقتها، بل أصبح كل فرد ممن كانوا يسمون "جمهور المتلقين"، قادراً على أن يكوّن رسالته الخاصة ليبثها عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى من يتابعونه عبرها، وهذه الوسائل لا يمكن تحديدها بدقة لأنها في نمو دائم، لكن يمكن الإشارة إلى أهمها وهي : فيس بوك، يوتيوب، تويتر، المدونات، كوسائل لنشر المعلومات .

أدوات جديدة

يؤكد د . سليمان الهتلان، المؤسس والمدير التنفيذي لإحدى المؤسسات الإعلامية، رئيس تحرير مجلة فوربس العربية، أن الحديث عن الإعلام الجديد يعني الحديث عن أدوات جديدة للتواصل والتأثير، ويقصد بها وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها مما ينشر على منصة الإنترنت، ومن وجهة نظر الهتلان، فإن الوسائل الإعلامية الجديدة هي امتداد للإعلام التقليدي، ومكملة له، لأن كلاً منهما يأخذ من الآخر، فوسائل الإعلام التقليدي أصبحت تتبنى ما يقدم عبر منصة الإنترنت، حيث لا يمكن إبقاء وسائل الإعلام التقليدية على وسائلها وأساليبها القديمة، لذلك عليها أن تتجدد، بفضل قنوات الإعلام الجديدة، وهذا التجديد أتاح لها الخروج بمضامين جديدة ولاعبين جدد .
ويشير الهتلان إلى أن رغبة وسائل الإعلام التقليدي استقطاب شريحة أكبر من المتلقين لمضامينها، جعلها توظف نجوم بعض وسائل التواصل الاجتماعي كاليوتيوب، وغالباً يكون الهدف جذب فئة الشباب الذين ابتعدوا نوعاً ما عن وسائل الإعلام التقليدي، إلا أنها تواجه في ذات الوقت تحدياً لصقل هذا النجم الذي تكونت خبرته في وسائل أخرى، وعليه اليوم أن يخرج بحلة جديدة تلائم سياسات تلك الوسائل التقليدية .