يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرًا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورًا وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسورًا ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسورًا إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرًا بصيرًا (الآيات: 26 30).
بعد أن بيّن الحق سبحانه في الآيات السابقة على هذه الآيات ما يجب على الإنسان نحو خالقه عز وجل ونحو والديه.. أتبع ذلك ببيان ما يجب على هذا الإنسان نحو أقاربه ونحو المسكين وابن السبيل ونحو ماله الذي هو نعمة من نعم الله عليه، فقال سبحانه: وآت ذا القربى حقه.. .
والمراد بذوي القربى: من تربطك بهم صلة القرابة سواء أكانوا من المحارم أم لا.
المسكين وابن السبيل
والمسكين: هو من لا يملك شيئا من المال، أو يملك ما لا يسد حاجته، وهذا النوع من الناس في حاجة إلى العناية والرعاية، لأنهم في الغالب يفضلون الاكتفاء بالقليل، على إراقة ماء وجوههم بالسؤال.. وفي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا .
وابن السبيل: هو المسافر المنقطع عن ماله، سمي بذلك كما يقول الآلوسي في تفسيره لملازمته السبيل، أي الطريق في السفر.. وهذا النوع من الناس أيضا في حاجة إلى المساعدة والمعاونة حتى يستطيع الوصول إلى بلده. وفي هذا الأمر تنبيه إلى أن المسلمين وإن اختلفت أوطانهم ينبغي أن يكونوا في التعاطف والتعاون على متاعب الحياة كالأسرة الواحدة.
والمعنى: واعط أيها العاقل ذوي قرباك حقوقهم الثابتة لهم من البر، وصلة الرحم، والمعاونة والزيارة وحسن المعاشرة، والوقوف إلى جانبهم في السراء والضراء ونحو ذلك مما توجبه تعاليم دينك الحنيف. واعط كذلك المسكين وابن السبيل حقوقهما التي شرعها الله تعالى لهما من الإحسان إليهما، ومعاونتهما على ما يسد حاجتهما.
وقدم سبحانه وتعالى الأقارب على غيرهم، لأنهم أولى بالمعروف، ولأن إعطاءهم إحسان وصلة رحم.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الصدق على المسكين صدقة. وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة.
توسط واعتدال
ثم نهى سبحانه وتعالى عن إهدار المال في غير محله فقال ولا تبذر تبذيرًا والتبذير كما قال المفسرون هو إنفاق المال أو إهداره في غير محله.
والمعنى: كن أيها العاقل متوسطًا في نفقتك، ولا تبذر تبذيرًا، لأن المبذرين يماثلون ويشابهون الشياطين في صفاتهم القبيحة، وكان الشيطان في كل وقت وفي كل حال جحودًا لنعم ربه، لا يشكره عليها، بل يضعها في غير ما خلقت له هذه النعم.
ثم بيّن سبحانه بعد ذلك ما يجب على المؤمن فعله في حالة عدم قدرته على تقديم العون للأقارب والمحتاجين فقال تعالى: وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها، فقل لهم قولاً ميسوراً.
والمعنى: إذا أعرضت أيها المخاطب عن ذي قرابتك وعن المسكين وابن السبيل بسبب إعسارك وانتظارك لرزق يأتيك من الله عز وجل فقل لهم في هذه الحالة قولاً لينًا رفيقًا يدل على اهتمامك بشأنهم، ويدخل السرور على نفوسهم، كأن تقول لهم مثلا ليس عندي اليوم ما أقدمه لكم، وإن يرزقني الله بشيء فسأجعل لكم نصيبًا منه.
ثم أرشد سبحانه عباده إلى أفضل الطرق لإنفاق أموالهم والتصرف فيها، فقال تعالى: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسورًا .
والمعنى: كن أيها الإنسان متوسطًا في كل أمورك، ومعتدلا في إنفاق مالك بحيث لا تكون بخيلاً ولا مسرفًا، فإن الإسراف والبخل يؤديان إلى أن تصير ملومًا أي مذمومًا من الخلق والخالق، محسورًا أي مغمومًا منقطعًا عن الوصول إلى مبتغاك بسبب ضياع مالك واحتياجك إلى غيرك.