بقلم: عبدالغفار حسين

إذا ذكر أبو نواس، الحسن بن هانئ، في الأدب العربي وفي الشعر العربي، فإنما يذكر معه التهتك وشرب الخمر والسكر والعربدة والتطاول على ما تعارف عليه الناس من التقاليد والأعراف حتى أصبح بهذه الصفة علماً بين شعراء العربية قديمهم وحديثهم، وشهرته تعدت الأمة العربية إلى العالمية، وأصبح أكثر شهرة لدى العرب وغير العرب من الشعراء العرب الكبار، كأبي تمام وجرير والمتنبي، حتى الخيام الشاعر المشهور الذي تغنى بالخمر وبشرب الخمر وشهرته تعدت الآفاق شرقاً وغرباً، أخذ نصف معاني خمرياته من شاعرنا الحسن بن هانئ الملقب بأبي نواس أو أبي النواسي، الذي كان شاعراً للبلاط العباسي ولكبار الخلفاء العباسيين كهارون والأمين والمأمون وكبار القادة من أمثال البرامكة ومن على شاكلتهم من علية القوم في العهد العباسي، ألذي بلغ أوج التألق الحضاري العربي.. وعاش شاعرنا النواسي في مدينة بغداد في ذلك العهد الزاهر، حيث كان السكان في هذه المدينة البهيجة يصل عددهم إلى ألف ألف أو المليون كما نعد اليوم.
ومدينة تعج بهذا العدد من الناس قبل ألف وثلاثمئة عام من الآن من النادر أن نرى لها مثيلاً في تاريخ الأمم القديمة.. وكانت بغداد المدينة الأولى في تاريخ الأمم التي تضاء شوارعها وأزقتها بالشموع ليلاً، وتكنس شوارعها لتبدو نظيفة من عمال يرأسهم نواب من المحتسب أو رئيس البلدية في عهدنا الحاضر، وأرجو أن تتاح لي فرصة أن أكتب مقالاً عن المحتسبين في العصور الإسلامية، أو رؤساء البلديات كما نسميهم اليوم..
ونعود إلى أديبنا وشاعرنا الذي هو كما أشرنا علم في رأسه نار، الأستاذ أبو نواس ونقول إن هذا الشاعر الفذ كان بجانب ما عرف به من تهتك وقلة الاستمساك بالعروة الوثقى في الأعراف والتقاليد، عرف أيضاً بالتقوى والاستغفار من الذنب، والرجاء من الله أن يتوب عليه ويغفر ذنوبه، وما ذلك على الله ببعيد..
يقول أحد أصدقاء أبي نواس إنه رآه في المنام بعد موته بوقت، وسأله الصديق عن أحواله وما فعله الله به، فقال أبو نواس إنه في نعيم، وإن الله غفر له ذنوبه ورحمه بأبيات قالها ورددها في أكثر من مناسبة..
يا ربِّ إنْ عظمتْ ذنوبي كثرة ً
                            فلقد علمتُ بأنَّ عفوكَ أعظمُ
إنْ كانَ لا يرجوكَ إلا مُحسن ٌ
                            فبمَنْ يلوذ ُويستجيرُ المجرمُ
أدعوكَ ربّي كما أمرتَ تضرُّعا ً
                            فإذا رددتَ يدي فمنْ ذا يرحمُ؟
ما لي إليكَ وسيلة ٌ إلا الرَّجا
                            وجميل ظنِّي ثمَّ أنيَّ مُسلمٌ
ويقول أبو النواس في مناسبة أخرى:
يا نواسي توقر
                 وتحمل وتصبر
يا كبير الذنب عفو الله
                 من ذنبك أكبر
أكبر الأشياء عن أصغر
                 عفو الله يصغر
وإلى قوله..
إني رضيت أبا حفص وصاحبه
                            كما رضيت عتيقا صاحب الغار
وقد رضيت عليا قدوة علماً
                           وما رضيت بقتل الشيخ في الدار
كل الصحابة عندي فاضل علم
                           فهل عَلَيَّ بهذا القول من عار؟
إن كنت تعلم أني لا أحبهم
                           إلا لوجهك فاعتقني من النار

[email protected]