قال الله تعالى في سورة التوبة: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (75) .

اللفظة الغريبة: يجمحون .

والجموح: النفور بإسراع ومنه: فرس جموح إذا لم يردّه لجام .

قال ابن كثير: يجمحون أي: يسرعون في ذهابهم عنكم، لأنهم إنما يخالطونكم كرهاً لا محبة، وودوا أنهم لا يخالطونكم، ولكن للضرورة أحكام، ولهذا لا يزالون في هم وحزن وغم، لأن الإسلام وأهله لا يزال في عز ونصر ورفعة، فلهذا كلما سُرّ المسلمون ساءهم ذلك، فهم يودون ألا يخالطوا المؤمنين .

والمعنى المراد من الآية: أنهم لخوفهم من الخروج إلى الغزو لو وجدوا مكاناً مما يختفي فيه المختفي فلا يشعر به الناس لقصدوه مسرعين خشية أن يعزم عليهم الخروج إلى الغزو .

ويرى الشيخ الشعراوي أن الجماح هو أن تفقد السيطرة على الفرس الذي تركبه، فلا تقدر على كبح جماحه أو التحكم فيه، فينطلق بسرعة، وحين يقال هذا عن الإنسان فهو يعني الانطلاق بسرعة إلى المكان الذي يقصد إليه ولا يستطيع أحد منعه، وإن تعرض له أحد دفعه بعيدا لينطلق في طريقه بسرعة .

والآية هنا تعطينا صورة دقيقة لحالة المنافقين في أي معركة . فبمجرد بدء القتال تجدهم لا يتوجهون إلى الحرب، ولا إلى منازلة العدو، ولا يطلبون الاستشهاد، ولكنهم في هذه اللحظة التي يبدأ فيها القتال يبحثون عن مكان آمن يهربون إليه، أو مغارة يختبئون فيها، أو مدخل في الأرض ينحشرون فيه بصعوبة ليحميهم من القتال . فإذا انتهت المعركة خرجوا لينضموا إلى صفوف المسلمين، ذلك أنهم لا يؤمنون . فكيف يقاتلون في سبيل دين لا يؤمنون به؟ ولذلك كنت تجدهم في المدينة إذا نودي للجهاد فهم أول من يحاول الهروب ويذهبون للقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - طالبين التخلف عن المعركة .