إن كتاب معجم البلدان لصاحبه العالم الفذ الجليل ياقوت الحموي، رحمه الله، أهم مصنف في تراث الأدب الجغرافي العربي، شهد له بالفضل كثير من السابقين وسيشهد له اللاحقون . قال عمر كحالة في كتابة التاريخ والجغرافيا في العصور الإسلامية: أكمل مصنف للمعلومات الجغرافية الوصفية والفلكية واللغوية وأخبار الرحالين التي جمعها السلف . ويقول الدكتور مصطفى السقا في تقديمه لكتاب معجم ما استعجم للبكري وممن ألف بعد البكري معجماً عاماً في البلدان وذكر جزيرة العرب ياقوت الحموي صاحب معجم البلدان وهو من أجل هذه المعاجم خطراً، وأعظمها قدراً، ومن أحسنها ضبطاً، وأجملها مادة، وأعمقها فائدة .
قال ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان في ترجمة ياقوت الحموي أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله، الرومي الجنس الحموي المولد البغدادي الدار الملقب شهاب الدين، أسر من بلاده صغيراً وابتاعه ببغداد رجل تاجر يعرف بعسكر بن أبي نصر إبراهيم الحموي وجعله في الكتّاب لينتفع به في ضبط تجارته، وكان مولاه عسكر لا يحسن الخط ولا يعلم شيئاً سوى التجارة، وكان ساكناً ببغداد، وتزوج بها وأولد عدة أولاد، ولما كبر ياقوت المذكور قرأ شيئاً من النحو واللغة وشغله مولاه بالأسفار في متاجره فكان يتردد إلى كيش وعمان وتلك النواحي ويعود إلى الشام، ثم جرت بينه وبين مولاه جفوة أوجبت عتقه وأبعده عنه وذلك في سنة ست وتسعين وخمسمئة، واشتغل بالنسخ بالأجرة، وحصلت له بالمطالعة فوائد، ثم إن مولاه بعد مدة مديدة أعطاه شيئاً وسفره إلى كيش، وكان مولاه قد مات فحصل شيئاً مما كان في يده وأعطى أولاد مولاه وزوجته ما أرضاهم به وبقيت بيده بقية جعلها رأس ماله، وسافر بها وجعل بعض تجارته كتباً . توفي في العشرين من رمضان سنة ست وعشرين وستمئة عن نيف وخمسين سنة، ووقف كتبه ببغداد على مشهد الزيدي، وتواليفه حاكمة له بالبلاغة والتبحر في العلم .
أما عن منهج ياقوت في معجم البلدان فقد رتب الأسماء الواردة فيه على حروف الهجاء وأكد على كتابة شكل هذه الأسماء بالحروف خشية أن تصحف أو تحرف، ثم يذكر سبب التسمية والاشتقاق اللغوي ما أمكن ذلك مبيناً كنه هذا الاسم إذا كان موضعاً أو جبلاً أو ماء أو عيناً أو صنماً أو غير ذلك ثم يحدد مواقع الأسماء من شرقها أو غربها أو شمالها أو جنوبها وكم تبعد عن موضع آخر أكثر شهرة ويختم حديثه عن البلد بذكر أسماء المشهورين المنسوبين إليه، مقدماً أصحاب رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والآثار ذاكراً طرفاً من تراجمهم ثم يذكر أسماء الأدباء والشعراء والنوابغ في علوم شتى وقد اعتمد ياقوت على مصادر موثوق بها وهي كثيرة جداً وإنه لمن أصدق القول أنه يقال إن ياقوت يتمتع بأمانة فائقة في عزوه لما يدونه في معجمه من كتب الآخرين وإن كان المصنف قد استعار من كتب السابقين إلا أن خبرته الشخصية نراها بارزة في كتابه حيث استعاد الكثير من تجارته وأسفاره وترحاله في كثير من البلاد فيقول في بعض المواضع: رأيت أطرافها، وعاينت جبالها، أو يقول: وقد زرتها ثماني مرات، وكذلك يقول: سافرت في ذلك البحر وركبته عدة نوب .
كما كان ياقوت الحموي، رحمه الله، يسرد الأساطير والقصص والحكايات متحفظاً في ذلك فيقول معقباً على ذلك: هذا ما وجدته في كتب السابقين ولولا أنني وجدته في كتبهم لما كتبته، ويحتاط لنفسه عندما يذكر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أقرب ما يكون إلى لفظه فيقول في موضع وهذا معنى الحديث لا لفظه . وقد أضفى ياقوت على معجمه لوناً من الملامح السياسية يعتبر هو فيها شاهد عيان وجعل من يرجع إليه ويقتبس منه مطمئناً لأنها جاءت من كاتب عالم إسلامي مستنير شاهد الأحداث السياسية وانفعل بها وسجل رأيه فيها ويتعرض للملامح الاقتصادية في بيان الاقطاعات التي أقطعها النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده وفي المعادن مثل الذهب والفضة والحديد والزئبق وغيرها، وتجديده للمواضع التي توجد بها هذه المعادن وفي الصناعات التي اشتهرت بها البلاد من المنسوجات والفخار والسمك المملح وأوراق الكتابة وفي العديد من التجارات وأيضاً بالنسبة للملامح الاجتماعية مثل ظاهرة الهجرة من الجزيرة العربية وغيرها والأسباب التي أدت إلى ذلك كما أضفى ملامح ثقافية متعددة كحديثه عن المساجد وما تضمه من صفوف العلم والمعرفة وتعرضه للمكتبات التي تضمها بعض المدن مثل مدينة ساوة، ومرو الشاهجان وغيرها من المواضع المتعددة ويصف هذه المكتبات بكثرة مراجعها وغزارة علومها .
بعد أن قرأت معجم البلدان للحموي وقفت أتأمل هذا الإنسان العظيم الذي فُقد في التاريخ ولم يعد يذكر إلا في مواطن قليلة وكم من عالم اندثر في وقتنا الحالي وأصبحنا نجري وراء مظاهر الدنيا وكيف نتغلب على غيرنا ولو كان بالباطل كم شخصية عظيمة مرت بنا ولم نعتبر بها ولو استوقفنا أنفسنا لحظة من العمر واعتبرنا بالذين سبقونا ما كان حال أبنائنا هكذا فهؤلاء العلماء لا بد لنا أن نضعهم نصب أعيننا حتى نمضي لمستقبل أقوى وعين واعية أما ما يحصل في أسواقنا فهي الغفلة الحقيقية للبشرية الآن فزوروا المكتبات لتعتبروا .