قال تعالى في سورة هود: وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين .

إن الأسلوب القرآني قد يروعك ويبهرك، فإذا أخذت كل مفرة من مفرداته على حدة، فقد لا تجد فيه كبير روعة ولا قوة أسر، ولكن عندما انتظمت هذه المفردات في سلك، فلاءمت ما قبلها، وارتبطت بما بعدها، اكتسبت جمالاً وجلالاً، وإن شئت فانظر إلى الآية الكريمة السابقة . فإنك إذا أخذت كل كلمة على حدتها، من غير نظر إلى ما قامت به من أداء خطها المقسوم لها في معنى الجملة كلها، فقد لا تجد لها من التأثير ما تجده لها وهي بين أخواتها تؤدي معناها .

يقول عبدالقاهر: وهل تشك إذا فكرت في قوله تعالى: وقيل يا أرض الآية، فتجلى لك منها الإعجاز، وبهرك الذي ترى وتسمع، أنك لم تجد ما وجدت من المزية الظاهرة والفضيلة القاهرة، إلا لأمر يرجع إلى ارتباط هذه الكلم بعضها ببعض، وأن لم يعرض لها الحسن والشرف إلا حيث لاقت الأولى بالثانية بالثالثة بالرابعة، وهكذا إلى أن تستقريها إلى آخرها، وأن الفضل تناتج بينها وحصل من مجموعها . إن شككت فتأمل . . هل ترى لفظة منها بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت لأدت من الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها من الآية؟ .

قل: ابلعي واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها، وكذلك فاعتبر سائر ما يليها، ومعلوم أن مبدأ العظمة في الآية أن نوديت الأرض، ثم أمرت، ثم كان النداء ب يا من دون أيتها، نحو يا أيتها الأرض، ثم إضافة الماء إلى الكاف من دون أن يقال: ابلعي الماء، ثم أن اتبع نداء الأرض وأمرها بما هو من شأنها نداء السماء وأمرها كذلك بما يخصها، ثم أن قيل: وغيض الماء فجاء الفعل على صيغة فُعِل الدالة على أنه لم يغض إلا بأمر آمر وقدرة قادر، ثم تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى: وقضي الأمر، ثم ذكر ما هو فائدة هذه الأمور وهو واستوت على الجودي ثم اضمار السفينة قبل الذكر كما هو شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن، ثم مقابلة قيل في الخاتمة ب قيل في الفاتحة . كل ذلك لما بين معاني الألفاظ من اتساق عجيب تؤكد روعة الإعجاز وجماله .