اجتهد في‮ ‬مجال الفقه والفتوى والقضاء والدعوة الإسلامية‮ ‬،‮ ‬ونهل من منابع العلم الصافي،‮ ‬وكان ذا عقل رشيد ورأي‮ ‬سديد وبصيرة نافذة وحكمة فريدة وسخر. كل ذلك في خدمة الإسلام ونفع المسلمين حتى أصبح إحدى العلامات البارزة في القضاء الإسلامي. إنه أبو محمد‮ ‬يحيى بن أكثم بن صيفي‮ ‬حكيم العرب‮.‬
‬يقول الدكتور عصام محمد شبارو في‮ ‬كتابه ‮«‬قاضي‮ ‬القضاة في‮ ‬الإسلام‮»: ‬إن‮ ‬يحيى بن أكثم ولد في‮ ‬مرو سنة‮ ‬159‮ ‬هجرية‮ ‬775‮ ‬ميلادية،‮ ‬وكان دميم الخلقة،‮ ‬وعندما أراد المأمون أن‮ ‬يولي‮ ‬رجلاً على‮ ‬القضاء،‮ ‬حضر‮ ‬يحيى فاستحقره المأمون لذلك،‮ ‬فعلم‮ ‬يحيى ذلك وقال‮: ‬يا أمير المؤمنين،‮ ‬سلني‮ ‬إن كان القصد علمي‮ ‬لا خلقتي‮. ‬وعندما سأله في‮ ‬مسألة وعرفها،‮ ‬قلده القضاء‮. ‬

‬وقد ولي‮ ‬قضاء البصرة وعمره عشرون سنة،‮ ‬فاستصغره أهل البصرة،‮ ‬فقال لهم‮: «‬أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي‮ ‬وجهه النبي‮ ‬قاضياً على‮ ‬مكة‮ ‬يوم الفتح،‮ ‬وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي‮ ‬وجهه النبي‮ ‬قاضياً على ‬أهل اليمن وأنا أكبر من كعب بن سور الذي‮ ‬وجهه عمر بن الخطاب قاضياً على ‬أهل البصرة‮».‬

رفيق المأمون

‬ويذكر ابن‮ ‬خلكان في‮ ‬كتابه‮ «‬وفيات الأعيان‮» ‬وكذلك الخطيب البغدادي‮ ‬في‮ ‬كتابه‮ «‬تاريخ بغداد‮» ‬أن طلحة بن محمد بن جعفر قال‮: «‬يحيى بن أكثم أحد أعلام الدنيا،‮ ‬ومن قد اشتهر أمره وعرف خبره،‮ ‬ولم‮ ‬يستتر عن الكبير والصغير من الناس فضله وعلمه ورياسته وسياسته لأمره وأمر أهل زمانه من الخلفاء والملوك‮. ‬غلب على ‬المأمون حتى لم‮ ‬يتقدمه أحد عنده من الناس جميعاً،‮ ‬ثم قلده قضاء القضاة وتدبير أهل مملكته،‮ ‬فكانت الوزراء لا تعلم في‮ ‬تدبير الملك شيئاً إلا بعد مطالعة‮ ‬يحيى بن أكثم،‮ ‬ولا تعلم أحدا‮ً ‬غلب على‮ ‬سلطانه في‮ ‬زمانه،‮ ‬إلا‮ ‬يحيى بن أكثم،‮ ‬وأحمد بن أبي‮ ‬دؤاد‮.‬

‬وهكذا أضاف المأمون إلى ‬يحيى بن أكثم تدبير أمر مملكته فضلاً عن قضاء القضاة‮. ‬فازدادت مكانته لديه‮. ‬وكان حسن العشرة،‮ ‬حلو الحديث،‮ ‬استولى‮ ‬على‮ ‬قلب المأمون حتى أمر بألا ‬يحجب عنه ليلاً ولا نهاراً‮.‬
‬وأشار ابن كثير في‮ ‬كتابه‮ «‬البداية والنهاية» إلى أن ‬يحيى بن أكثم «كان‮ ‬يرافق المأمون في‮ ‬أسفاره‮ ‬وغزواته‮. ‬فرافقه إلى‮ ‬دمشق سنة‮ ‬215‮ ‬هجرية‮ ‬830‮ ‬ميلادية وقدم عليه مال جزيل،‮ ‬فوردت عليه خزائن من خراسان ألف ألف درهم،‮ ‬فخرج‮ ‬يستعرضها وقد زينت الجمال والأحمال،‮ ‬وكذلك رافقه في‮ ‬غزوة ضد الروم‮. ‬وعندما توجه المأمون إلى‮ ‬مصر،‮ ‬سنة‮ ‬217‮ ‬هجرية‮ ‬832‮ ‬ميلادية،‮ ‬كان معه‮ ‬يحيى بن أكثم،‮ ‬فولاه قضاء مصر،‮ ‬وحكم بها ثلاثة أيام،‮ ‬ثم خرج مع المأمون‮».

عزل ثم عودة

‬ ‬وذكر التنوخي‮ ‬في‮ ‬كتاب‮ «‬نشور المحاضرة‮» ‬وأيضاً الخطيب البغدادي‮ ‬في‮ ‬كتابه‮ «‬تاريخ بغداد‮»‬،‮ ‬إنه بوفاة المأمون بويع أخوه المعتصم بالخلافة،‮ ‬فعزل‮ ‬يحيى بن أكثم‮ ‬عن القضاء ليلزم بيته،‮ وأسند المعتصم منصب قاضي‮ ‬القضاة إلى ‬أحمد بن أبي‮ ‬دؤاد،‮ ‬علماً أن‮ ‬يحيى بن أكثم كان قد ساعد ابن أبي‮ ‬دؤاد في‮ ‬الوصول إلى ‬تقلد القضاء زمن الخليفة المأمون‮. ‬وبعد أن تولى ‬المتوكل الخلافة،‮ ‬عزل أحمد بن أبي‮ ‬دؤاد عن منصب قاضي‮ ‬القضاة،‮ وقلد مكانه‮ ‬يحيى بن أكثم من بغداد إلى ‬سامراء،‮ ‬منصب قاضي‮ ‬القضاة‮.‬

‬ومن أبرز أحكامه القضائية أنه اتخذ موقفاً متشدداً من تحليل المتعة‮. ‬فعندما كان المأمون في‮ ‬طريق الشام،‮ ‬أمر فنودي‮ ‬بتحليل المتعة،‮ ‬فدخل عليه‮ ‬يحيى بن أكثم مغتاظاً،‮ ‬وعندما سأله المأمون عن حاله،‮ ‬أجاب‮: ‬هو‮ ‬غم‮ ‬يا أمير المؤمنين لما حدث في‮ ‬الإسلام‮. ‬(ويقصد بقوله النداء بتحليل المتعة)،‮ ‬الذي‮ ‬وصفه للمأمون قائلا‮ً: ‬نعم المتعة،‮ ‬زنى. ‬وقد استطاع إقناعه بذلك،‮ ‬حتى قال المأمون‮: ‬أستغفر الله،‮ ‬نادوا بتحريم المتعة، فنادوا بها‮.‬

‬ثم عهد المأمون إلى‮ ‬قاضي‮ ‬قضاته‮ ‬يحيى بن أكثم بامتحان القضاة الذين‮ ‬يراد توليتهم من وجوه الفقهاء وأهل العلم في‮ ‬بغداد،‮ ‬وقد امتحن أحد المرشحين للقضاء، فقال له‮: ‬ما تقول في‮ ‬رجلين زوج كل واحد منهما الأخر أمه فولد لكل واحد من امرأته ولد،‮ ‬ما قرابة ما بين الولدين؟ فلم‮ ‬يعرفها‮. ‬فقال له‮ ‬يحيى‮: ‬كل واحد من الولدين عم الأخر لأمه‮..‬

ضد المعتزلة

‬ويقول الدكتور عصام محمد شبارو في‮ ‬كتابه‮ « ‬قاضي‮ ‬القضاة في‮ ‬الإسلام‮» إن مثل هذه المواقف جعلته‮ ‬يتعرض للتهم التي‮ ‬شاعت وتناقلها الناس في‮ ‬أيامه وتداولها الشعراء‮. ‬وعندما ذكر شيء منها للإمام أحمد بن حنبل،‮ ‬قال‮: ‬«سبحان الله‮! ‬من‮ ‬يقول هذا؟»،‮ ‬وأنكر ذلك إنكاراً شديداً،‮ ودافع عن قاضي‮ ‬القضاة‮ ‬يحيى بن أكثم،‮ ‬ونفى‮ ‬عنه التهم التي‮ ‬شاعت.

اتخذ قاضي‮ ‬القضاء‮ ‬يحيى بن أكثم،‮ موقفاً مغايراً للمعتزلة،‮ ‬وقد ترك كتباً في‮ ‬«الأصول‮» و‮«التنبيه‮» ‬وكانت بينه وبين داود بن علي‮ ‬مناظرات‮. ‬فلا‮ ‬غرو أن‮ ‬يشن زعماء المعتزلة،‮ ‬وهم من كبار المفكرين والأدباء والمؤرخين،‮ ‬حملتهم علي‮ ‬قاضي‮ ‬القضاة‮ ‬يحيى بن أكثم،‮ ‬وينالونه بالتشنيع بعد النكبة التي‮ ‬حلت بهم على‮ ‬يد المتوكل الذي‮ ‬قلده منصب قاضي‮ ‬القضاة‮. ‬وقد ذكر الخطيب البغدادي‮ ‬أن‮ ‬يحيى بن أكثم كان سليماً من البدعة ‮.‬

‬والجدير بالذكر أن المتوكل عاد وعزل‮ ‬يحيى بن أكثم عن منصب القضاء،‮ ‬وصادر أمواله وأملاكه،‮ ‬وألزمه منزله،‮ ‬وولى‮ ‬مكانه جعفر بن عبد الواحد‮. ‬ثم حج إلى ‬مكة وحمل أخته معه‮. ‬وعندما عفا عنه المتوكل حاول‮ ‬يحيى بن أكثم العودة،‮ ‬لكن المنية أدركته عند الربذة‮ - ‬من قرى‮ ‬المدينة المنورة‮ - ‬سنة‮ ‬242‮ ‬هجرية‮ ‬857‮ ‬ميلادية،‮ ‬وقيل سنة243‮ ‬هجرية و858‮ ‬ميلادية،‮ ‬وأيضاً سنة‮ ‬246‮ ‬هجرية‮ ‬861‮ ‬ميلادية،‮ ‬ودفن هناك‮.‬