من الأمور الغيبية التي ينبغي أن يؤمن بها المسلم إيمانا جازما لا يساوره شك، وأن يتعامل معها وفق ما جاءت به النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة: اليوم الآخر.. أو يوم القيامة، حيث يقرر علماء الإسلام أن الإيمان بهذا اليوم وما فيه من بعث وحساب وثواب وعقاب ركن من أركان الدين، وجزء من أجزاء العقيدة السليمة، ولا يكون الإنسان صحيح الإسلام، إلا إذا آمن إيمانا راسخا، بأن هذه الحياة الدنيا بما فيها وبمن فيها ستنتهي في الوقت الذي يريده الله تعالى وستعقبها حياة أخرى هي الحياة الباقية الدائمة، كما في قوله: وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (العنكبوت: 64).
فالآية الكريمة ترشدنا إلى أن الحياة الدنيا وما فيها من مسرات وأحزان تشبه في سرعة انقضائها، وزوال متعها وشهواتها، الأشياء التي يلهو بها الأطفال، يجتمعون عليها وقتا، ثم ينفضون عنها.. أما الدار الآخرة فهي دار الحياة الباقية الدائمة التي لا يعقبها موت ولا يعتريها فناء ولا انتهاء.. فالمقصود بلفظ الحيوان في الآية الكريمة: الحياة الحقة التي لا زوال معها ولا انتهاء.
السؤال الآن: كيف هيأت شريعة الإسلام الأذهان والقلوب والمشاعر والعواطف لتقبل عقيدة الإيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب، وما يترتب على هذا الحساب من سعادة أو شقاء؟ وكيف حاورت المنكرين لهذا اليوم، أو الشاكين في حدوثه؟ وكيف ردت على شبهاتهم بأسلوب يقنع كل ذي عقل سليم؟ وكيف ساقت الأدلة الساطعة، والبراهين الواضحة على أن هذا اليوم آت لا ريب فيه؟ وكيف غرست في النفوس والمشاعر أن العدالة بكل صورها وألوانها تستلزم حدوث هذا اليوم، حتى ينال كل مكلف ما يستحقه من ثواب أو عقاب؟ وكيف صورت أهواله بأسلوب مؤثر حكيم يحمل العقلاء على حسن الاستعداد له بالإيمان والعمل الصالح؟
يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر: لقد سلك القرآن الكريم طرقا شتى لغرس عقيدة الإيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب، وجاءت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ففصلت ما أجمله القرآن الكريم عن هذا اليوم الذي تعددت أسماؤه، وتنوعت أهواله، والذي هو من أمور الغيب التي يجب أن نؤمن بحدوثها ونترك كيفيتها إلى علم الله تعالى، وإلى ما أخبرنا به عن ربه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.. ومن أهم الطرق التي اتبعها القرآن الكريم لغرس عقيدة الإيمان بيوم القيامة أنه سبحانه وتعالى بين لنا في آيات كثيرة مراحل خلق الإنسان منذ بدايته إلى نهايته في هذه الدنيا.. كما بين مصيره بعد نهاية هذه الدنيا.. ومن هذه الآيات قوله تعالى: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون.
فالمتأمل في هذه الآيات الكريمة يرى أنها بعد أن أوضحت مراحل خلق الإنسان ذلك التوضيح البديع قد ختمت بقوله سبحانه: ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون. أي ثم إنكم بعد ذلك الذي ذكره سبحانه لكم من أطوار خلقكم تصيرون أطفالا، فصبيانا فغلمانا، فشبانا، فكهولا، فشيوخا.. ثم مصيركم بعد ذلك كله، أو خلال ذلك كله إلى الموت المحتوم الذي لا مفر لكم منه، ولا مهرب لكم عنه، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون من قبوركم للحساب والجزاء.
ولا شك أن هذا التذكير للإنسان بأطوار نشأته، وبحلقات حياته، وبنهاية عمره، وبحتمية بعثه، فيه ما فيه من الاعتبار للمعتبرين، ومن الاتعاظ للمتعظين.
اعمل لدنياك
لكن عقيدة الإيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب وعدم انتفاع الإنسان بكل ما حققه من مكاسب مادية طوال حياته إذا ما كان عمله سيئا.. لا ينبغي أن تدفع الإنسان إلى التراخي والاستسلام والرضا بالقليل وعدم السعي لتحسين دخله والارتقاء بمستوى أسرته.. فالله سبحانه وتعالى مع أنه بين لنا في عشرات الآيات أن هذه الدنيا مصيرها إلى الزوال إلا أنه سبحانه أمرنا أن نعمر حياتنا فيها بإخلاص العبادة له عز وجل، وبالأقوال الطيبة، والأعمال الصالحة عن طريق التجارة أو الزراعة أو الصناعة، أو غير ذلك من ألوان تبادل المنافع بين الناس في حدود ما أحله الله تعالى، فإن هذه الدنيا قد أوجدنا الله عز وجل فيها لتعميرها لا لتخريبها، ولإصلاحها لا لإفسادها، وهذا ما أعلنه كل نبي لقومه.
قد يقول قائل: وما النتيجة لهذا التعمير للحياة الدنيا عن طريق الإيمان والعمل الصالح؟
والجواب على لسان الدكتور طنطاوي: النتيجة لذلك السعادة في الدنيا والآخرة.. بدليل قوله تعالى: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون أي من عمل عملا صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، فلنحيينه حياة في الدنيا يظفر معها بالسعادة وصلاح البال، والاطمئنان.. أما في الآخرة فسنجزيه جزاء أكرم وأفضل مما كان يعمله في الدنيا من أعمال صالحة.
آت لا ريب فيه
لقد أكد القرآن الكريم أن يوم القيامة آت لا ريب فيه، وأشار الحق سبحانه في آيات متعددة إلى أن الإنسان لا يكاد يترك هذه الحياة بعد انتهاء أجله فيها، حتى يبدأ حسابه، ويظهر ثوابه أو عقابه، فالسعداء يبدأون حياة جديدة فيها كل ألوان النعيم ولكن بكيفية لا يعلمها إلا الله تعالى، كما قال سبحانه: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون.. أما الأشقياء فيبدأون حياة أخرى تعيسة كما قال سبحانه: النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب.. بل إن السعداء الأتقياء ليرون بشارات الخير تساق إليهم وهم في اللحظات الأخيرة من حياتهم، كما قال عز وجل: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون.
أي: تتنزل عليهم الملائكة لتقول لهم في ساعة احتضارهم: لا تخافوا مما أنتم قادمون عليه في المستقبل، ولا تحزنوا على ما فارقتموه من أموال وأولاد، وأبشروا بالجنة التي وعدكم ربكم بها.. أما الأشرار فنذر العذاب تواجههم وهم في النزع الأخير من حياتهم.
هذا.. والأدلة على نعيم القبر أو عذابه كثيرة، وكلها تتوافق على إثبات أن القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار.. وفي الحديث الصحيح يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار.. فيقال له هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة.
عقاب المشككين
يقول الدكتور نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية ومفتي مصر الأسبق: لا يجوز لمسلم أن يشكك في يوم القيامة، وكل من يصاب بهذا الشطط في التفكير فهو إنسان ضعيف الإيمان، وقد يخرجه هذا التفكير الشيطاني عن دائرة الإيمان إذا ما أنكر أن هناك يوما آخر فيه بعث وحساب وثواب وعقاب.. فالقرآن الكريم قد أخبرنا في آيات كثيرة أن يوم القيامة آت لا شك فيه.. ولكن في وقت لا يعلمه إلا الله تعالى وحده.
فالله سبحانه وتعالى يقول: يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور.
والتأمل في هذه الآيات الكريمة كما يشير الدكتور واصل يؤكد أنها قد أقامت دليلين ساطعين على إمكانية البعث وإعادة الناس إلى الحياة مرة أخرى.
الدليل الأول: عن طريق تطور خلق الإنسان من حال إلى حال.
الدليل الثاني: عن طريق مشاهدة الأرض وتنقلها من هيئة إلى هيئة أخرى.. فكأن الله تعالى يقول: إن القادر على إيجادكم في أطوار متعددة، والقادر على تحويل الأرض من حال إلى حال قادر على إعادتكم إلى الحياة بعد موتكم.
وقد أنذر الله المنكرين ليوم القيامة بسوء المصير وأنهم سيتحسرون وسيندمون في يوم لا ينفع فيه الندم بسبب هذا الإنكار.. ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى: ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون.
أي: ولو ترى أيها العاقل حال المنكرين لليوم الآخر عندما يقفون للحساب لرأيت هولا كبيرا، إذ سيسألهم ربهم: أليس هذا الذي تشاهدونه حقا؟ وهنا لم يملكوا إلا أن يجيبوا بقولهم: بلى يا ربنا هذا هو الحق بعينه، وهنا يحكم الله تعالى فيهم بحكمه العادل فيقول: فانغمسوا في العذاب بسبب إنكاركم هذا اليوم العصيب وهو يوم القيامة.