كان النبي يبعث فيؤمن معه واحد أو اثنان أو لا يؤمن به أحد، أو يؤمن به قليل من قومه، وتبقى الأرض كما كانت، وتبقى البشرية على حالها، وكان النبي يبعث في القرية أو في القوم فتتغير أحوال قومه أو قريته، ولكن الرسالة الخاتمة كانت إلى الناس جميعاً، من كل القرى ومن كل الأقوام، وفي كل زمان، وفي كل مكان .
مع محمد صلى الله عليه وسلم تغير وجه الأرض، ليس في سنن الحياة الاجتماعية للبشر، بل جاء التغيير الكبير في سنن النبوة، في اتصال أمر الأرض بأمر السماء، ووصل صلة العباد برب العباد، وإعادة البشر إلى وصل ما انقطع بينهم وبين التوحيد، الذي هو جوهر كل رسالة سماوية: "قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلي أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً"(الكهف110)، هذا هو محمد صلى الله عليه وسلم، وتلك هي رسالته، وهي نفسها رسالة كل الرسل والنبيين، "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ"، (الأنبياء25) .
الدرس الأهم
مكارم الأخلاق كانت رسالته، وهي رسالة الإسلام، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، كأنه يقصر بعثته على تلك المهمة الجليلة: أن يتمم مكارم الأخلاق، وقد جعل الله تزكية النفوس وإصلاحها بالفضائل والمكرمات إحدى وظائف النبي صلى الله عليه وسلم: "لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ"، كأن مهمته صلى الله عليه وسلم هي تربية هذه الأمة فأحسن تربيتها في حياته، ثم صارت حياته وهديه فيها أسوة للذين يأتون من بعده، وقد سماهم صلى الله عليه وسلم أحباءه، صنع أمة على عينه، وقادها من الظلمات إلى النور، وتحولت العرب على يديه إلى أمة واحدة كأنها على قلب رجل واحد، متحابة في الله، ساعية إلى نشر دينه في أرضه، وبزغت في سماء الإسلام نجوم تدل على الحق وتهتدي بهدي رسولها الكريم .
لعلَّ أحد أسباب التحوُّل الكبير الذي قاده صلَّى الله عليه وسلَّم أنه حول رعاة الغنم والأجلاف الأشداء إلى سادة وقادة يقودون العالم، وهم حفاة يسيرون حثيثاً على طريقٍ واحد: رضا الله ورسوله، بعدما عرفوا أنه هو الطَّريق إلى الجنَّة، وقد نبع هذا التحوُّل من داخلهم ليضربوا من بعد المثَل والقدوة لِمَن خلفهم، كيف تكون الحياة على منوال ما يريد الله؟ وكان درسهم الأهم هو الإجابة العملية في كل شأنه صلى الله عليه وسلم عن سؤال: كيف تكون الأخلاق؟ وقد تلقَّوها ممَّن قال: "أدبني ربي فأحسنَ تأديبي" .
قبل الرسالة وبعدها
وقد تجمعت فيه صلى الله عليه وسلم محامد الأخلاق وكمالاتها، وصفه ربه فقال عز وجل: "وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ"، وكفى بربه شاهداً، وبشرته زوجته أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها حين جاءها فزعاً من أول الوحي بقولها: "والله لا يخزيك الله أبداً"، وساقت الحيثيات فقالت: "إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"، كان هذا خُلقه قبل الرسالة، فانظر إلى ما قالته أم المؤمنين عائشة لما سُئلت رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم فأجابت بما شفى وكفى، قالت: (كان خلقه القرآن)، ووصفته صفية بنت حيي رضي الله عنها فقالت: (ما رأيت أحسن خُلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم)، هذه أوصاف زوجاته له صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً وهو الأمر الذي لفت نظر أحد المستشرقين فأسلم وقال: المرأة تعرف عن يقين صفات زوجها على الحقيقة، وأخذ بشهادة السيدة خديجة رضوان الله عليها عنه صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، ثم جاءت شهادة زوجاته من بعدها تؤكد المعنى نفسه والمضمون ذاته، وشهادة خادمه الذي صاحبه عشر سنوات أنس رضي الله عنه يقول فيها: "كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً"، ورغم ذلك كان صلى الله عليه وسلم كثير الدعاء في كل صلاة: (وَاهْدِنِي لأحسن الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لأحسنها إلا أنت وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلا أنت)، وكان يدعو الله بأن يحسّن أخلاقه، ويتعوذ من سوء الأخلاق، وتسمعه عائشة رضي الله عنها حين ينظر إلى وجهه في المرآة يقول: "اللهم كما أحسنت خَلْقِي فأْحسِن خُلقي"، ويخبرنا أبو هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول: "اللَّهُمَّ إني أعوذ بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الأَخْلاَقِ" .
البر والإثم
ويلخص لنا كل خصال البر في حسن الخلق في الحديث الذي يرويه مسلم والترمذي عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، ويدلنا على ما يثقل موازيننا يوم القيامة فيقول: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وإن الله يبغض الفاحش البذيء)، وزاد في رواية: (وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة)، ويبلغنا نبينا أن المدخل إلى الجنة يمر عبر بوابة حسن الخلق كما جاء فيما روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: (تقوى الله وحسن الخلق)، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: (الفم والفرج) .
وكان صلى الله عليه وسلم يقول لصحابته ولنا من بعدهم: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم)، فخيرية العبد لا تقاس بصلاته وصيامه فحسب، بل لا بد من النظر في أخلاقه وشيمه، وقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجات قائم الليل وصائم النهار)، وروى أبو داود وآخرون عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حَسُن خلقه)، وقد صح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟، فأعادها مرتين أو ثلاثاً، قالوا نعم يا رسول الله، قال: أحسنكم خلقاً) .
وروى الطبراني عن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم كأنما على رؤوسنا الطير ما يتكلم منا متكلم إذ جاءه أناس فقالوا من أحب عباد الله إلى الله تعالى؟، قال: (أحسنهم خلقاً)، وفي رواية لابن حبان بنحوه إلا أنه قال: يا رسول الله فما خير ما أعطي الإنسان؟، قال صلى الله عليه وسلم: (خلق حسن) .