اتسمت أدوات الطبخ القديمة بالخصوصية المحلية المستمرة ليومنا هذا بشكل يعتز به الإماراتيون متمسكين بما خلفه الأجداد، من قيم ومعان جميلة ميزت المطبخ الإماراتي وأدواته منذ القدم، نعيد لذاكرتنا في هذا الموضوع ملمحاً عن هذه الأدوات القديمة واستخداماتها، وأهم المواد الأولية التي تصنع منها .
تعبر هذه الأواني الآن عن طابع الأصالة والموروث القديم، كما يشير عبد العزيز المسلم، مدير إدارة التراث والشؤون الثقافية في دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، والذي يتجلى في كل قطعة . ويقول: أضحت هذه الأدوات رموزاً قيمة من الماضي العريق، لما تحمله من ذكريات قديمة لا تزال عالقة في نفوس الناس، وقديماً كانت تخصص لها أسواق شعبية لإنتاجها وبيعها بعد صنعها من مواد مختلفة كالفخار والمعدن، والخشب، والنحاس الأحمر والأصفر، لتشمل الكؤوس والأباريق والأطباق والقدور والصناديق .
وعن مسميات بعض الأواني واستخداماتها وأسواقها يتابع: "الصفر" هي أوان نحاسية كانت أيضاً تستخدم محلياً لأغراض عدة في المطبخ، وكانت تخصص لها محال في سوق يسمى "الصفارين" خاصة في دبي والشارقة، ومن هذه الأواني نذكر "البرمة"، وهي كلمة فصيحة، وكانت تستخدم لتبريد الماء، و"المحماس"، لغرض تحميص القهوة، و"المنخاذ"، ويسمى كذلك "الهاون" الذي يستخدم لطحن الثوم والهيل ومواد أخرى، والقدر وهو وعاء يطبخ فيه الطعام مثل الأرز .
تنوعت أدوات الطهي وإعداد الطعام قديماً، لتتماشى مع نمط الحياة وصعوبتها، فقد كان الناس يصنعون من الطبيعة والمواد الأولية البسيطة أدوات مختلفة أغنت المطبخ الإماراتي وأعانت النساء في سد احتياجاتهن . في رأس الخيمة، وبالتحديد في "وادي شعم"، يعيش سعيد الظهوري 60 عاماً حياة الأجداد ممزوجة بالحداثة، فلا تزال تجتمع في ذاكرته حياتا البر والبحر، وصور الطبيعة التي تكيف معها أهل الإمارات، ويشير إلى إحدى الصناعات القديمة التي اشتهرت بها الإمارات وهي "صناعة الفخار"، التي استنبطت منها أواني الطبخ وأدوات عديدة أصبحت الآن رمزاً تراثياً تتوارثه الأجيال . وقال: الأواني الفخارية كانت منتشرة في الماضي وأساسها مصنوع من الطين، الذي يوجد مع الحصى والصخور في القمم الجبلية أو المنحدرات، وتحدد هذه الأماكن حسب خبرة الشخص، الذي يتمكن من التعرف إلى أماكن الطين بسهولة، ومنها كان الناس قديماً يصنعون منتجات خاصة لحياتهم، مثل أواني الطهي وأخرى لحفظ أطعمة معينة، حيث يحرق الطين المحروق في "التنور" ويقرص بعد ذلك إلى أقراص طينية، ويشكل حسب الشكل المراد، بعد مروره بعمليات تبريد وتصفية .
رغم شح الإمكانات آنذاك، فإن العديد من الأطباق والأواني وأدوات المطبخ كانت تصنع بدقة وإتقان كبيرين، علاوة على اللمسات الجمالية التي كانت تتجلى في الزخارف والنقوش المميزة، ويضيف الظهوري: اشتهرت المرأة الإماراتية بفطنتها وسعة فكرها في استغلال موارد الطبيعة لخدمة حياة الأسرة، فقد كانت تصنع من سعف النخيل أو ما يسمى صناعة الخوص، منتجات عديدة مثل (السرود) وهي مفرش خاص يستخدم لتناول الطعام عليه، إضافة إلى صناعة السلال المختلفة الحجم لحفظ المواد الغذائية .
لا غرابة في تميز المأكولات الشعبية الإماراتية، وسر بقائها إلى يومنا هذا، حيث اتصفت المرأة في الماضي بذكاء وفطنة ومهارة في استخدام وسائل المطبخ وأدواته المختلفة، ويبين د . عبد الستار العزاوي، خبير الترميم والصيانة في الشارقة، اعتماد المطبخ التقليدي على عدد من المرتكزات ويقول: لم تكن أفران الطهي موجودة في السابق ولا ما شابهها، إنما عرف "التنور" أو الموقد باستخدامات متعددة تعين على تحضير الطعام، وهو عبارة عن فرن فخاري تشوى فيه اللحوم وغيرها، وهذا ما كان يستدل به في المباني الأثرية القديمة من خلال عمليات البحث والترميم فيها، كما سادت في الماضي أوان متعددة الأغراض مصنوعة من المعدن والفخار لأجل التخزين وحفظ الطعام، أما السوائل والمشروبات مثل الماء والزيت والدبس وغيرها، فكانت تخصص لها قوارير فخارية مثل "الخرس" وهي قارورة كبيرة الحجم، و"قربة" الماء، و"الطاسة" والقدور .